ديمقراطية الموت... في سوريا كافة الأطراف تمارس التعذيب والقتل

السبت 10 يوليو 202104:55 م

في نهاية حزيران/ يونيو الفائت تسلمت عائلة مدرّس اللغة الإنجليزيّة أمين عيسى أمين العلي، (35 سنة، ولديه ولدان)، جثة ابنها من سلطات الإدارة الذاتيّة لشمال شرقي سوريا، بعد شهر واحد من اعتقاله من قبل قوى الأمن الداخلي (الأسايش)، إثر مداهمة نفذتها القوات على منزله نقل على إثرها إلى سجون النيابة العسكريّة.

 رغم مناشدة عائلة أمين عيسى العلي للسلطات وإبلاغها بأوضاعه الصحيّة  التي تتضمن إصابته بتدلي في الصمام التاجي في القلب ومشكلات في الغدّة الدرقيّة، لم تلقَ مناشداتهم استجابة وصولاً إلى تسلم العائلة جثة ابنها.

  رغم مناشدة عائلة أمين عيسى العلي للسلطات، وإبلاغها بأوضاعه الصحيّة  التي تتضمن إصابته بتدلي في الصمام التاجي في القلب ومشكلات في الغدّة الدرقيّة، لم تلقَ مناشداتهم استجابة وصولاً إلى تسلم العائلة جثة ابنها.

أظهرت جثّة العلي، حسب تقرير طبيب شرعيّ مستقل نقله موقع الحرّة، تعرضه لـ"كسر في الفك ونزيف داخلي في الجمجمة واقتلاع الأسنان من الصف السفلي، وبيَّن التشريح آثار ضرب على الركبة وضربات بأداة قاسية على الرقبة وخلف الرأس، وحروقاً من أسفل الرأس إلى نهاية العمود الفقري بالزيت الحار، كما أظهر آثارًا لضربات قاسية على البصلة السيسائيّة (النخاع المستطيل الرابط بين المخ والنخاع الشوكي)، وضرب بالشفرات على الجهة اليسرى من الوجه، فضلاً عن حروق في اليدين من تحت الإبط إلى الكف، وحفر في جلدة البطن وآثار واضحة للصاعق الكهربائي على بطنه وخصيتيه".

 طالبت عائلة العلي في بيان المنظمات الدوليّة والحقوقيّة الإنسانيّة "بفتح تحقيق دولي نزيه وشفاف وعادل للكشف عن ملابسات الجريمة وتقديم الجناة إلى العدالة"، محملّة سلطات الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا مسؤولية قتل العلي تحت التعذيب، ومبدية استعدادها لإعادة تشريح الجثة مجدداً تحت أنظار وسائل الإعلام ومن قبل لجنة أطباء محايدة ومتخصصة.

في المقابل، أصدرت الإدارة الذاتيّة لشمال شرقي سوريا بيانًا نفت فيه موت العلي تحت التعذيب، قائلة إنّ سبب وفاته ناتجة عن "جلطة دماغيّة ناجمة عن توتر شرياني"، وإنّ سبب اعتقاله لدى لجنة المتابعة التابعة لقوات سوريا الديمقراطيّة هو "تهمة الفساد ودفع الرشوة".

 تصاعدت ردود الأفعال على جريمة قتل العلي في الأوساط الكرديّة والسوريّة بشكل عام، حتى وصلت إلى مستويات دبلوماسيّة عاليّة، فنشرت البعثة البريطانيّة إلى سوريا تغريدة على حسابها في موقع تويتر أعربت فيها عن قلقها من أنباء وفاة أمين عيسى العلي أثناء احتجازه لدى السلطات المحليّة، داعيةً إلى "تحقيق كامل وشفاف".


 ونشر الحساب الرسمي للسفارة الأمريكيّة في سوريا عبر موقع تويتر تغريدة جاء فيها: "تشعر الولايات المتحدة بقلق عميق إزاء التقارير التي تتحدث عن وفاة أمين عيسى العلي أثناء احتجازه لدى قوات سوريا الديمقراطيّة. نحن ندعو إلى تحقيق فوري وشفاف.  يجب محاسبة أي شخص تثبت مسؤوليته عن الاعتداء أو إساءة معاملة المحتجزين".

 

ممارسات روتينية

تحدثت تقارير عديدة عن اعتقالات قامت بها قوات سوريا الديمقراطيّة (قسد) وقوات الأمن الداخلي (الأسايش)، وباقي الأذرع العسكريّة والأمنيّة للإدارة الذاتيّة لشمال شرقي سوريا، وغالبيتها تصنّف تحت بند "الاختفاء القسري" إذ تجري هذه الاعتقالات خارج إطار القانون والمؤسسات الرسميّة، وما يجري داخل هذه السجون يبقى بعيداً عن الرقابة والمحاسبة. 

على سبيل الذكر لا الحصر، اعتقلت قسد في حزيران/ يونيو الفائت الناشط والصحافي حسام القس، ثمّ أفرجت عنه بعد حملة ضغط شعبيّة كبيرة، فيما ذكرت صحيفة العربي الجديد نقلاً عن مصادر محليّة لم تذكرها، أنّ "أحمد ضحيوي العذّال توفي في سجون 'قسد' بعد عامين من الاعتقال، وهو من أبناء بلدة الطيانة شرق دير الزور، شرق سوريا" وذلك بعد أيام من مقتل أمين عيسى العلي.

في تقريرها السنوي التاسع المنشور في آب/ أغسطس 2020، ذكرت الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان "وجود ما لا يقل من 3398 شخصاً بينهم 620 طفلًا و169 سيدة قيد الاحتجاز أو الاختفاء القسري على يد قوات سوريا الديمقراطيّة ذات القيادة الكرديّة"، من أصل حوالي "مئة ألف مواطن مختف منذ آذار/مارس 2011، غالبيتهم لدى النظام السوري".

التنمية بالسجون

اشتهرت سوريا بسجونها خلال فترة حكم عائلة الأسد، بسبب سوء تلك السجون وحفلات التعذيب التي كان يمارسها السجّانون وعناصر النظام الحاكم على المعتقلين، ولا سيما سجن تدمر الشهير، والذي قال أحد الضباط المسؤولين عنه لسجنائه: "هنا لا وجود لله، لقد منعَ حافظ الأسد الله من دخول هذا السجن"، وسجن صيدنايا، الذي وصفته منظمة العفو الدوليّة بـ"المسلخ البشري".

لم يتوقف التعذيب في سجون نظام الأسد عند السوريين، بل امتد ليشمل أبناء جنسيات أخرى، ولا سيما اللبنانيين والفلسطينيين، الذين عانوا ما عاناه السوريون على مدار أكثر من خمسين سنة، منذ استلام حافظ الأسد السلطة سنة 1970.

يبدو أن هذا السلوك انتقل من الأسد إلى معارضيه، فبعد انطلاق الثورة السوريّة في أواسط آذار/مارس 2011، وشن النظام السوري "الحرب ضدّ شعبه"، حسب تعبير المفكر السوري برهان غليون، وبعد تسلّح جزء من السوريين، معارضين وموالين، وقدوم مقاتلين من جميع أنحاء العالم وتشكيل ميليشيات دوليّة وإقليميّة للقتال في سوريا، وانتشار لقوات عسكريّة لدول روسيا وتركيا وإيران والولايات المتحدة الأمريكيّة وبريطانيا وفرنسا، وخروج مناطق واسعة من البلاد عن سيطرة النظام الحاكم، قامت سلطات الأمر الواقع بإنشاء سجون ومعتقلات جديدة في مناطق سيطرتها، وذلك ضمن "المؤسّسات" التي قامت بإنشائها.

وهكذا انتشرت السجون والمعتقلات على كامل الجغرافيا السوريّة، وصار الحديث عن الاعتقال والاختفاء القسري متكرراً.

سجون المعارضة

في تقرير الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان، المذكور سابقاً، فإنّ ما لا يقل عن 148 ألفاً و191 شخصاً، لا يزالون قيد الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختفاء القسري على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا منذ آذار/مارس 2011 حتى آب/ أغسطس 2020، بينهم 130 ألفاً و758 شخصاً لدى النظام السوري، و8648 عند تنظيم داعش، و2125 قيد الاحتجاز أو الاختفاء القسري لدى هيئة تحرير الشام، و3262 لدى الجيش الوطني، و3398 لدى قوات سوريا الديمقراطيّة.

 أبرز السجون والمعتقلات فوق الأراضي السوريّة في المناطق خارج سيطرة نظام الأسد، كانت تلك التي أنشأها تنظيم داعش قبل خسارته معظم مناطق سيطرته لصالح القوات الكرديّة، إذ اعتقل التنظيم الآلاف وأخفى الكثير من السكّان، بعضهم ما زال مصيره مجهولًا.

 وورد في تقرير أصدرته هيومان رايتس ووتش في شباط/ فبراير 2020 تحت عنوان "مخطوفو داعش" أنّ عدد المفقودين الذين اعتقلتهم داعش وما زال مصيرهم مجهولاً وصل إلى 8143 شخصاً. وأوردت المنظمة في تقريرها أسماء بعض الوجوه المعروفة إعلامياً وقصص اختفائهم، كما ذكرت بعض مواقع المقابر الجماعيّة التي اكتشفت بعد فقدان داعش السيطرة على تلك المناطق، والتي يُعتقد بأنّ التنظيم قد دفن فيها أشخاصًا كان قد أعدمهم بعد اعتقالهم.

 أما في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطيّة، فبالإضافة إلى السجون "العاديّة" فإنّ فيها مخيمات كبيرة تشبه السجون، تعتقل فيها عائلات مقاتلي تنظيم داعش المنتمية إلى جنسيات كثيرة، أبرزها مخيم الهول، إضافة إلى معسكرات تعتقل في قسد عناصر تنظيم داعش.

 كذلك وجدت سجون ومعتقلات عديدة في الغوطة الشرقيّة، في فترة سيطرة الفصائل المعارضة للأسد عليها بين عامي 2012 و2018، قبل أن تستعيد قوات الأسد - بدعم إيراني وروسي- سيطرتها على المنطقة. بشكل خاص عُرفت السجون التي أُنشئت في المناطق التي سيطر عليها لواء الإسلام، الذي اعتمد على جهاز الحسبة لاعتقال معارضيه ومن يخالفون التعليمات التي تفرضها قيادته.

 من أشهر الأحداث المتعلقة بالسجون والاعتقال المرتبطة بجيش الإسلام، قضية "مختطفو دوما الأربعة" (سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي) الذي اختطفوا من مكتبهم في مدينة دوما في الغوطة الشرقيّة، في كانون الأول/ديسمبر 2013، وما زال مصيرهم مجهولاً حتى الآن

 أما في مناطق سيطرة "قوات المعارضة السوريّة" المدعومة بشكل رئيسي من قبل تركيا، فقد عُرف العديد من الاعتقالات والسجون في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام ووصل الأمر إلى الإخفاء لسنوات والإعدامات الميدانيّة. كذلك ذكرت تقارير حقوقيّة عن انتهاكات واسعة في مناطق سيطرة الجيش الوطني، المدعوم تركياً، وصلت حد القتل والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري.

أملٌ أخير

في الثاني من تموز/ يوليو الجاري اجتمع حوالي مئة شخص أمام بوابة براندنبورغ التاريخيّة في العاصمة الألمانيّة، برلين، في ذكرى تغييب علي مصطفى قسراً في معتقلات نظام الأسد. مثل هذه التجمعات من أجل فرد واحد تحيي أملاً بانتصار إنسان فرد في مواجهة تغييبه بالموت أو الاعتقال أو الإخفاء القسري، فقد علّمنا التاريخ أنّ السجون والأنظمة وسلطات الأمر الواقع زائلة وأنّ حريّة الإنسان باقية، ولنا في اقتحام وتدمير سجن الباستيل في باريس، أشهر السجون في التاريخ، خير مثال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard