"يخرجون لاصطياد فرائسهم"... مدمنون يحوّلون ليل الصيادلة في الجزائر إلى كابوس

الجمعة 25 يونيو 202102:07 م

"كانت صديقتي القاطنة في الحراش (مدينة صغيرة في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية) مع زميلها في العمل، فإذا بها تفاجأ بدخول شاب في الثلاثين من عمره، يتمايل وعيناه حمراوان لسبب مرضي، بينما بقي صديقه في الخارج يدخن سيجارة".

"طلب منها علبة من "بريغابالين" فطلبت منه الوصفة الخاصة، غير أنه تحجج بعدم تمكنه من مقابلة الطبيب المعالج، وهو الأمر الذي لم يقنع الصيدلانية، فرفضت لأن الانصياع لطلبه سيجرها إلى ما لا يحمد عقباه، وستدخل في متاهات قانونية. إذّاك ضربها على رأسها بآلة حادة، وأخذ علباً من "بريغابالين"، وخرج في هدوء تام دون أن يشعر أحد".

 "ينامون نهاراً ويخرجون ليلاً لاصطياد فرائسهم".

تروي ليديا تفاصيل واقعة حدثت مع صديقتها المقربة، وهي من جملة أحداث يحفظها الصيدلانيون في الجزائر، ويتبادلون القلق بشأن ما يمكن أن يحدث معهم.

تقول ليديا، وهي صيدلانية في العقد الرابع من عمرها، لرصيف22 إن مشكلتها العويصة في هذه المهنة تكمن في المناوبة ليلاً، بسبب خطر الموت الذي يتربص بها، فزوجها وأهلها قبل زواجها كانوا يمنعونها من العمل ليلاً، بسبب المدمنين على المؤثرات العقلية، فهم "ينامون نهاراً ويخرجون ليلاً لاصطياد فرائسهم".

بسبب خطر الموت، منعها أهلها من العمل ليلاً، ولا يقتصر هذا الوضع عليها فقط، فالعديد من المحافظات تعتمد على صيدلية مناوبة واحدة فقط رغم اتساع المساحة، وفي أغلب الأحيان لا يجد المريض ما يبحث عنه من أدوية بسبب ندرة بعضها في الصيدلية، ولذلك يضطر قطاع عريض من المرضى إلى تحمّل الألم حتى حلول الصباح.

ظاهرة المدمنين على المؤثرات العقلية شهدت انتشاراً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، بحسب ليديا، بسبب الحرب التي تشنها مصالح الأمن الجزائري ضد "بارونات" المخدرات.

"الليل كابوسنا"

"يتحول الليل في نظرنا إلى كابوس مرعب، فالكثيرون منا يأملون عدم قدومه، بسبب خطر الموت الذي يتربص كل لحظة بهم داخل محلاتهم، بعيداً عن أعين المارة" يقول أحمد، في العقد الرابع من عمره، صاحب صيدلية خاصة في منطقة برج الكيفان، الضاحية الشرقية للجزائر العاصمة.

دفعت تلك المخاوف أحمد لإعادة التفكير في وضع مهنته، يقول لرصيف22: "رغم أن الصيدلة مهنة إنسانية شبيهة بمهنة الطبيب، لأنها تساهم في التخفيف من آلام المريض، غير أنها محفوفة بالمخاطر، ومحاطة بالموت من كل زاوية، بسبب التهديدات التي تطالنا من قبل المدمنين على المؤثرات العقلية، التي تحتوي على مواد مخدرة، وتستعمل كبديل للمخدرات العابرة للحدود، كالهيروين والأوبيوم والكوكايين".

في أوقات متأخرة من الليل، عندما ينام ويحلم الناس، يتسلل مدمنون من بيوتهم "لاصطياد فرائسهم"، مستغلين السكون، وجهتهم الصيدليات، مما حوّل ليل الصيادلة إلى "كابوس مرعب"

"المدمنون على المؤثرات يستغلون السكون الذي يلف الشوارع كل ليلة من أجل التوجه إلى الصيدليات بهدف الحصول على علبة واحدة من المؤثرات العقلية، والممنوعة من الصرف إلا بوصفة خاصة، مثل: "ترامادول" و"بريغابالين" و"تريكسيفينديل"، هذه الأدوية الثلاثة أدرجتها الحكومة ضمن قائمة المؤثرات العقلية، التي تضم 10 أنواع تمنع كلها من الصرف إلا بوصفة خاصة"، يقول أحمد.

معظم المدمنين على هذه المؤثرات تتراوح أعمارهم بين 20 و40 سنة، عاطلون عن العمل، ويعانون مشاكل اجتماعية، يأتون إلى الصيدلية في حالة هستيرية بسبب الإدمان على تعاطي المخدرات، وهم لا يعون ما يفعلونه إطلاقاً، بعضهم يلجؤون إلى التهديد بالسلاح الأبيض أو الحرق من أجل الحصول على علبة بطريقة غير قانونية، والبعض الآخر يستسلم ويخرج منهاراً جسدياً ونفسياً، بحسب أحمد الذي تجاوزت خبرته العشر سنوات في هذا المجال.

ورغم القرار الصادر عام 2014 والذي ينص على إلزامية العمل أيام الجمعة والعطل من الساعة 8 صباحاً إلى الساعة 7 مساءً، وأثناء الليل أيضاً، انطلاقاً من الساعة 7 مساءً إلى 8 صباحاً، غير أن بعض الصيدليات تتفادى العمل ليلاً بسبب الاعتداءات التي تطالها من قبل متعاطي الحبوب المهلوسة المحظورة، الذين لا يخرجون إلا في الليل لقضاء حاجياتهم.

يقول حمزة (40 عاماً) من مدينة الرعاية (الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية)، الذي سمع حديثي مع أحمد الصيدلاني صدفة، إنه يقضي مرات ثلث ليله في التجوال بين مدينة وأخرى بحثاً عن صيدلية لشراء الدواء لأطفاله الصغار، ويرى نفسه محظوظاً لأنه يمتلك سيارة صغيرة، يستطيع التنقل بها بين بلدية وأخرى لتوفير الأدوية لأطفاله، عندما يصابون ببعض الأمراض الموسمية العابرة.

وتساءل حمزة عن أوضاع المواطنين القاطنين في المناطق النائية، والذين يجتازون عشرات الكيلومترات لشراء الأدوية بسبب انعدام الصيدليات حتى في وضح النهار.

وقد شهدت محافظة تبسة، الواقعة على الحدود مع تونس، في نهايات شهر آيار/ مايو 2021، واقعة تعرض صاحبة صيدلية خاصة بمنطقة "الونزة" للحرق، وأحدثت الواقعة ضجة وتفاعلاً كبيراً بين الجزائريين، بسبب رفض الصيدلانية صرف المؤثرات العقلية دون وصفة لشخص منحرف في المنطقة.

"مهنة الصيدلة في الجزائر محفوفة بالمخاطر، ومحاطة بالموت من كل زاوية، بسبب تهديدات المدمنين على المؤثرات العقلية للصيادلة"

وحسب ما ورد في بيان حديث لنقابة الصيادلة في الجزائر، تعليقاً على الواقعة، فإن الصيدلانية كانت حاملاً، وتم نقلها إلى مستشفى في المنطقة جراء بعض الحروق التي أصيبت بها في أطرافها السفلى، وهي اليوم تخضع لعطلة مرضية بموجب فحص طبي يستغرق مدة 15 يوماً، بينما بقي موظفان في الصيدلية عالقين في الداخل، بينهما سيدة حامل لم تتمكن من الخروج إلا بمساعدة أعوان الدفاع المدني (الحماية المدنية) بسبب ألسنة اللهب والدخان الكثيف الذي غطى المكان، ولا يزال مسرح الجريمة مغلقاً بسبب الأضرار المادية والبشرية.

وكشفت النقابة أن مرتكب الحادث خرج من السجن، وهو معروف في المنطقة باتجاره في المؤثرات العقلية، وقد دار على العديد من الصيدليات للحصول عليها دون أن يتمكن من ذلك.

ولا تعتبر هذه الحادثة الأولى من نوعها، إذ سبق أن قام ستة أشخاص بسرقة صيدلية وسط مدينة تسمى بـ "الشريعة"، باستعمال الأسلحة البيضاء، إذ اعتدوا على صاحبها، وسرقوا كميات كبيرة من المؤثرات والأقراص. وحسب التفاصيل التي كشفت عنها مصالح الأمن الجزائري، فإن الكمية التي سرقت تقدر بـ 1434 قرصاً، و19 دواء مؤثراً عقلياً.

انتعاش الحبوب المهلوسة

انتعشت ظاهرة الاستهلاك غير المشروع للمؤثرات العقلية في الجزائر في السنوات الأخيرة، وهو ما يبرزه نشاط الجيش الجزائري ومصالح الأمن معاً، إذ كشفت الحصيلة العملياتية للجيش في مكافحة التهريب والجريمة المنظمة خلال الفترة الممتدة بين 1 يناير/ كانون الأول 2017 و 24 فبراير/ شباط 2021 عن توقيف 3183 تجار مخدرات، وحجز 2013.86 قنطار من الكيف المعالج، وستة آلاف قرص مهلوس.

وتلح نقابة الصيادلة الخواص (غير الحكومية) في الجزائر، على ضرورة نشر القوائم الخاصة بالمؤثرات العقلية من قبل الوصاية، حسبما ينص عليه القانون 04/18 المتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية في مادتيه 2 و3، والمادة 244 من قانون الصحة 18/11، مع إعلام الأطباء والصيادلة في القطاعين العام والخاص بأحكام المرسوم المتعلق بالمراقبة الإدارية والتقنية والأمنية للمواد والأدوية ذات الخصائص المؤثرة عقلياً، والذي سيدخل رسمياً حيز التنفيذ ابتداء من 14 آب/ أغسطس 2021.

وفي محاولة منها لتقليص رقعة استعمال الأدوية ذات الخصائص المؤثرة عقلياً، استحدثت الحكومة لجنة وطنية مهمتها تقييم خطر الإدمان للمواد والأدوية ذات الخصائص المؤثرة عقلياً، وسوء استعمالها على الصحة.

إضافة إلى ذلك، يتم إعداد تقرير سنوي حول أشغال اللجنة الوطنية، ترسله في نهاية المطاف إلى وزير الصحة، وتتفرع من هذه اللجنة لجان تتولى مكافحة الإدمان وسوء استعمال الأدوية ذات المؤثرات العقلية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard