"الفارس تزوج أخته فمسخه الرب"... حكايات خالتي عن حمام "المسخوطين" في الجزائر

الأربعاء 10 فبراير 202106:14 م

في شوارع منطقة "العرايس" قرب "حمام المسخوطين"، كنت أمشي وأمسك بيد والدتي، وألتفت يميناً وشمالاً، بحثاً عن شقيقاتي، ربما خوفاً من ضياعهن وسط الحشود الكبيرة، التي كانت تأتي من كل حدب وصوب. مشاهد وتفاصيل كثيرة تصارعت أمام عيني، ولم أستطع أن أدونها آنذاك.

سرتُ مسلوبة العقل، تركت ذاكرتي تحتفظ بصور الأماكن، مصحوبة بصوت جداتي وخالاتي، وهن يسردن الحكايات التي يفسرن بها تضاريس جغرافية، علّني ألجأ إليها ذات يوم كي أدون تفاصيل زيارتي إلى مدينة حمام "المسخوطين" أو حمام "دباغ" أو حمام "الشلالة"، الذي يقع على بعد 25 كلم من محافظة قالمة في شمال شرقي الجزائر.

دعتنا خالتي (تقطن في مدينة وادي الزناتي في محافظة قالمة) لزيارة هذه المنطقة، التي تجاوزت شهرتها الحدود الجغرافية للبلاد، أتذكر جيداً أننا غادرنا بيت الخالة مباشرة، بعد شروق شمس يوم جديد.

لم أهضم التوقيت في البداية لأنني تعودت الاستيقاظ في العاشرة صباحاً، لكن عند وصولنا بعد ساعة ونصف من المسير، أدركت صعوبة الرحلة، فالوصول إليها صعب للغاية، بسبب الازدحام المروري، الذي تشهده الطرق المؤدية لها، خاصة أن رحلتنا كانت في موسم الربيع.

أبرز ما يجذب انتباهك في وادي الزناتي، الحب والعاطفة اللذان يسيطران على كل جزء وزاوية منها، فهي مدينة العشق مثلها مثل مدينة نابولي العتيقة، فيمكنك الشعور بنظرات الحب الغزلية، التي تلقي بظلالها على المنطقة المشهورة بمياهها الساخنة التي تصل إلى 100 درجة، فهي تصنف في خانة أكثر الينابيع الأكثر حرارة في العالم بعد مياه براكين آيسلندا.


حكاية العشق الممنوع

حالما تطأ قدماك حمام "المسخوطين"، الذي يحمل اليوم العديد من المسميات، منها "حمام دباغ"، و"حمام الشلالة"، وحتى "الجوهرة" تصادفك، نصب حجرية كنت أخالها منحوتات تفنن فنانون في صنعها وزخرفتها، حتى وصلنا، واكتشفت أنها عبارة عن كتل صخرية عجيبة هي مزيج من اللونين الأبيض والأصفر نحتتها الطبيعة.

تروي الخالة مليكة، التي بلغت من الكبر عتياً، الأسطورة التي تقف وراء هذه الكتل الصخرية العجيبة، قائلة إنها تعود لـ"قصة عشق ممنوعة"، فمنذ زمن بعيد، بعيد جداً، جاء فارس اسمه أرزاق، تسيطر ملامح القوة على وجهه، وقد جعلته وسامته مميزاً بين شباب قبيلته.

الكثيرون يحجون إلى حمام "المسخوطين"، حيث تمرد الفارس الوسيم، الذي تزوج أخته الجميلة رغماً عن شيخ القبيلة، من أجل التبرك بالمياه التي لا تنقطع، والتمتع بـ"معجزاتها"

خرج أرزاق ذات يوم نحو البرية، في رحلة صيد، ولما عاد ومعه صيد ثمين، طلب ملاقاة شيخ القبيلة ليبلغه برغبته في كسر الأعراف المرتبطة بالزواج، أخبر الشيخ أنه سيتزوج أخته، وهذا محرم، وهي بحسب الأسطورة تتمتع بجمال ساحر.

رغم معارضة الشيخ له، أقام أرزاق حفل زفافه في مكان يسمى بـ "حمام الدباغ"، وهو حمام خاص بالقبيلة ذو شعبية كبيرة، يؤمن أهلها بأن هذا الحمام قادر على منحهم القوة، والجمال، والشفاء، لكن العرس لم يتم، والفارس وزوجته/أخته وجميع الحضور الذين كانوا في العرس تحولوا إلى تماثيل ومنحوتات حجرية يطغى عليها اللون الأصفر، بسبب مجانبتهم لـ"الشرف والعفة"، بحسب تعبير خالتي.

وتعتبر هذه النصب الحجرية اليوم من أبرز العوامل التي تستقطب أنظار السياح، والباحثين في علم التاريخ والجيولوجيا لاكتشاف ما تريد الأسطورة أن تقوله تاريخياً واجتماعياً.

عندما عدت من بيت خالتي، اكتشفت أن هذه هي الرواية الأمازيغية للأسطورة، ودوّنها الرحالة الألماني هاينريش فون مالتسان في كتابه "ثلاث سنوات في شمال غربي إفريقيا"، والرواية العربية غيرت في الأسماء، فأرزاق اسمه قاسم وأخته فاطنة.


"معجزة" المياه

في حمام "المسخوطين" سنة 1878 (بحسب ما تروجه مواقع محلية نقلاً عمّا دوّنه الباحث جون إيف تورينياك خلال الحقبة الفرنسية) اكتُشفت بحيرة عميقة، ظهرت بعد انفجار مهول، يبلغ عمقها خمسين متراً وعرضها 30 متراً، وخلال فترة الحرب العالمية الثانية هبطت بعثة إنجليزية لاستكشاف أغوار كهوف المسخوطين، غير أنها اختفت بمرور الوقت في ظروف غامضة، لم يتم الكشف عنها إلى الآن.

لدى وصولنا إلى هذه الصخور، وجدنا بشراً شقراً وسوداً وبيضاً يتحدثون بلغات مختلفة، يأتون من كل حدب وصوب بهدف علاج العديد من الأمراض، أبرزها "داء المفاصل"، و"آلام الظهر"، و "الروماتيز" لأن درجة مياهه تصل إلى 100 درجة، وتقول الخالة إن بعض الأطفال الذين قدموا لزيارة المكان رفقة ذويهم، أصيبوا بحروق من الدرجة الثالثة بسبب سخونة المياه الجوفية التي تخرج من باطن الأرض لأن الحمام يقع فوق بركان ساخن، لا يبرد إطلاقاً، إذ تصنف هذه المنطقة الثالثة عالمياً من حيث درجة الحرارة بعد براكين آيسلندا.

الفارس الوسيم، القوي، الصياد وزوجته/أخته الجميلة، وجميع الحضور تحولوا إلى منحوتات حجرية يطغى عليها اللون الأصفر، بسبب مجانبتهم لـ"الشرف"، وتمرّدهم على شيخ القبيلة

ووفق ما رواه رجل ستيني (صادفناه قرب الشلال العجيب) لخالتي ووالدتي، فإن مريضاً أصيب بشلل في رجله، كان يقطن بفرنسا، قصد جميع مستشفياتها، وأطبائها الأكفاء، غير أن محاولات علاجه باءت بالفشل، فنصحته مجموعة من الأصدقاء والأقرباء بزيارة هذا الحمام، وهو ما قام به فعلاً، إذ قدم إلى المركب السياحي بحمام دباغ لمدة زمنية قصيرة، ولم يخرج بهدها إلا معافى.

يقول الستيني الذي يقصد المكان دوماً مع حلول موسم الربيع: "تشتهر مياه هذا الحمام بغناها بالأملاح والعناصر المعدنية وعناصر أخرى، من بينها الحديد والكبريت، لذلك تستخدم مياهه في علاج العديد من الأمراض المزمنة كالضغط الدموي وأمراض العظام والمفاصل والروماتيزم".


أثناء دوراننا حول المسالك الضيقة، التي تنبعث منها مياه ساخنة، لفتت انتباهنا حبات بيض ملقاة داخل فوهات صغيرة ينبعث منها بخار الماء، وضعت لسلقها فوق درجة حرارة عالية، وبحسب ما تقوله الخالة فإن هذه العادة متوارثة منذ عقود بين أبناء المنطقة، إضافة إلى ذلك تقول الخالة إن الكثيرين يحجون إلى المنطقة من أجل التبرك بالعبور بمجرى الماء الذي لم ينقطع منذ سنوات طويلة.

تجاور هذه المنطقة العجيبة، منشآت أثرية عديدة، تتمثل في متحف تاريخي بمنطقة التوسع السياحي، كان في عهد الاحتلال الفرنسي عبارة عن كنيسة للمستعمرين الفرنسيين، إضافة إلى وجود مقابر اكتشفت حديثاً تعود لـ"البونيقية"، كانت تابعة لمدينة "مالاكا"، ثم أصبح يطلق عليها "كالاما" ثم "قالمة".

وتعاقب على المنطقة أيضاً الرومان الذين كانوا يسمونها "أكوا تبليتان" لقرب المسافة من مدينة "تبيليس" التي تسمى حالياً "سلاوة عنونة" (بلدية تقع على بعد 27 كلم عن محافظة قالمة)، وبعد انتشار المسيحية، حل بالمنطقة قديس يلقب بـ"مارينو"، اشتهر بتحقيق المعجزات، وكان يعالج الأمراض المزمنة والصعبة بالمياه المعدنية التي يعرف بها الحمام.

التجول في حمام "المسخوطين" في الساعة السابعة مساءً تجربة فريدة من نوعها؛ ملامسة المياه ومداعبتها يخففان الضغط النفسي، ويجعلك تضحك وتبتسم دون أن تدري، على النقيض من مشاعر الخوف والضياع الأولى، خصوصاً عندما تلتقط عيناك خيوط غروب الشمس، وهي تلقي بظلالها على جبل "دباغ"، الذي يبلغ ارتفاعه 1060 متراً، المكون من تربة حمراء، وحجر كلسي يعكس اللون الأبيض.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard