صفع لاعباً قبَّل يد الحسن الثاني، فأُعدم... قصة المقاوم والرياضي المجهول بنحمو الفاخري

الاثنين 21 يونيو 202104:06 م

المناسبة: مباراة في كرة القدم خلال دور الـ16 من كأس العرش المغربي سنة 1959.

المتباريان: فريق "نجم الشباب البيضاوي" في مواجهة فريق "الجيش الملكي".

تجمع المباراة بين الفريق الشعبي الذي أسسه ويرأسه محمد بنحمو الفاخري، المقاوم المغربي ابن حي درب غلف الشهير في مدينة الدار البيضاء، وفريق الجيش الملكي الذي أسّسه الملك الحسن الثاني الذي كان حينها ولياً للعهد.

يمرّ ولي العهد الأمير الحسن إلى جانب لاعبي نجم الشباب البيضاوي، وهم يقومون بعملية التحمية التي تسبق كل مباراة، وإذ بمبارك عمامو المشهور بلقب "مْبِيريك"، لاعب فريق نجم الشباب، ينحني أمامه، ويقبّل يده.

الموقف عادي جداً في المغرب، فـمبيريك كعامّة الذين يحظون بفرصة لقاء أعضاء العائلة الملكية، ويقدمون على الفعل نفسه، وهو ربّما يرجو في قرارة نفسه عطفاً للحصول على إكرامية تساعده على مواجهة ضنك العيش. إذ إنه كان ينتمي حينها إلى فريق شعبي يضم أبناء الطبقة الفقيرة فحسب، وهو فريق ليست له موارد مالية تصل بلاعبيه إلى مصافّ لاعبي الجيش الملكي، أو الوداد، أو الرجاء البيضاويّين.

لكن ما سيفاجئ وليّ العهد، وحاشيته، والحاضرين كلهم، هو الصفعة التي سيتلقاها "مبيريك" مباشرة بعد تقبيله يد الحسن الثاني من الفاخري، رئيس نجم الشباب البيضاوي ومؤسسه سنة 1942، الذي عاتب اللاعب بشدة على تصرفه، واستهجن تقبيله يد الأمير الحسن. غضب سيدفع ثمنه غالياً، إذ سيصبح بسببها أول مغربي يُنفّذ فيه حكم إعدام صادر عن المحكمة رمياً بالرصاص بعد استقلال المغرب عن فرنسا.

قصة المقاوم، والوطني، ونصير الفقراء، وعاشق الكرة، والذي أصبح من أساطير اللعبة لدى عشاق الكرة ممن يتجاوز سنهم الخمسين عاماً، لا تزال مجهولة عند الجيل الجديد، إذ أن صوره في الأرشيف نادرة.

عصامي ومقاوم

"هل تعرف بنحمو الفاخري؟" سؤال طرحته على مجموعة من المهتمين بكرة القدم المغربية، وكانت المفاجأة أن قلة منهم يعرفونه، وحتى من عرفه، أو وصلته معلومات عنه، يتجنب الحديث عنه كما لو أن "لعنته" ستلاحقه. القاسم الآخر المشترك بينهم أن جلّهم تجاوزت أعمارهم الخمسين سنة، وبدا أنهم يتعجبون من سؤالي عنه. أما شباب اليوم، فقلة منهم قد يبادلونك أطراف الحديث عنه، وإن صادفت أحدهم، فغالبيتهم من المهتمين بالتاريخ السياسي المغربي، ومعرفتهم بكرة القدم لا تتجاوز المعلومات القليلة.

إلى اليوم، شخصية الفاخري غير مشهورة لدى عموم المغاربة، بسبب ندرة الحديث عنه، بخلاف شخصيات أخرى كانت علاقاتها متوترة مع القصر الملكي، ومع الراحل الحسن الثاني، من السياسيين، وكتبت عنهم عشرات المقالات والكتب من أمثال المهدي بن بركة، والفقيه البصري، أو إبراهام السرفاتي المغربي مؤسّس ما يعرف باليسار الجديد في المغرب.

"اعذرني. أنا أعرف الفاخري جيداً، فأنا ابن حي درب غلف، ومهتم بتاريخه، وكانت لي جلسات مع مقربين منه، ومع الذين عاصروه، لكنني أفضل أن لا تأتي على ذكر اسمي بالنظر إلى فارق السن بيني وبينه". هذه كلمات صدرت عن محمد (اسم مستعار)، وهو لاعب كرة قدم سابق، قبل سرده مجموعة من المعطيات التي تخص الفاخري الذي عُرف مقاوماً للمستعمر الفرنسي، ورجلاً صلباً قوياً انتهى به المطاف معتقلاً، قبل إعدامه رمياً بالرصاص.

رفض بنحمو الفاخري أن يُقبّل أحد لاعبي نجم الشباب البيضاوي يد الحسن الثاني فأُعْدِم. من هو الرجل الذي عرف بصلابته كمقاوم وشخصية رياضية بارزة في بدايات الاستقلال في المغرب

بعدها استرسل قائلاً: "محمد بنحمو، المشهور بلقب الفاخري، من مواليد إقليم شياظمة (جنوب المغرب)، أواسط سنة 1925، وانتقل بعدها للعيش في حي درب غلف الشعبي الشهير في مدينة الدار البيضاء، ودشّن تجارته كبائع للفحم، ولهذا لُقِّب بـ"الفاخري"، كون المغاربة يطلقون على الفحم بالعامية المغربية اسم (الفَاخْرْ)".

يتوقف محمد، وهو في الستينات من عمره، للحظة، ويواصل سرده قائلاً: "كسائر أبناء حي درب غَلَّفْ، كان الفاخري من أشرس المقاومين للاحتلال الفرنسي، وعلى الرغم من أنه كان مشغولاً بتجارته في بيع الفحم، والتي توسعت لتشمل بعد ذلك بيع الخشب في حي المعاريف المجاور للحي الذي يقطن فيه، فقد تزعّم خليّة مقاومة كانت بمثابة كابوس للمستعمر الفرنسي، ووصل صداها حينها إلى الملك محمد الخامس، الذي استقبله بعدها في مناسبات عديدة في القصر الملكي".

سلاح وفريق "مخيف"

حتى سنة 1942، ظل اسم الفاخري مرتبطاً بالمقاومة المسلّحة للمستعمر الفرنسي في أوساط ضيقة من أبناء الحركة الوطنية، لكن ما سيؤدي إلى شهرته هو تأسيسه في السنة نفسها لفريق "نجم الشباب البيضاوي"، الذي ضم حينها مجموعة من اللاعبين المميزين من أبناء الحي الذي يقطن فيه الفقراء ممن يصعب عليهم اللعب لأندية مثل الوداد الرياضي، أو الجيش الملكي، فريقٍ ولي العهد حينها، الحسن الثاني. ولم يكن هذا الفريق أقلّ شراسة من مؤسسه، إذ سرعان ما فرض نفسه على المشهد الكروي، وفي البطولة.

ازدادت شعبية الفاخري الذي توسعت أعماله التجارية لتشمل العقارات، وازدادت معها مداخيله التي خصص جزءاً مهما منها للإنفاق على فريقه الذي سعى إلى أن ينافس كبار الأندية، وأن يتوَّج بالألقاب. يعود محمد للحديث عن أسطورته، وينقل ما سمعه ممن عايشوا الفترة من أبناء الحي: "كان معروفاً بالصلابة، والعناد، وكرهه الشديد للطبقية الاجتماعية، والتفاوت بين مكونات المجتمع المغربي، واحتقار الآخر، وهو ما أعطى انطباعاً لدى السلطات أن الفريق ومؤسسيه، بل وحتى حي درب غلف، يتبنون موقفاً سياسياً معادياً للسلطة المغربية".

هل كان بنحمو الفاخري معارضا للحسن الثاني يرغب في قلب النظام أم من رجال حركة التحرير ممّن أرادوا علاقة متوازنة بالقصر. يختلف المؤرخون لكن الرجل أصبح أسطورة مجهولة بعد إعدامه

وتابع محمد أن الانطباع حول فريق نجم الشباب انتشر بين عامة الناس في ربوع المملكة المغربية، وهو ما زاد من شعبيته، وبات مشكلة حقيقيةً بالنسبة إلى السلطات المغربية، على الرغم من أن قناعات مسؤولي الفريق فُهمت بشكل خاطئ.

ويتفق الكاتب والصحافي المغربي المهتم بتاريخ الكرة المغربية الحسين الحياني، مع جانب مما يحكيه محمد عن أن الفاخري كانت له بعض المواقف التي ميزت شخصيته الصلبة، والتي كانت دافعاً أساسياً للسلطة لاعتقاله، وإعدامه بموجب حكم قضائي.

وأكد الحياني في تصريح لرصيف22، أن الفاخري كان يتجول في أزقة مدينة الدار البيضاء وشوارعها، حاملاً السلاح، وهو ما أكده محمد، الذي شدد على أن احتفاظه به في منزله أيضاً كان مؤشراً للسلطات على رفضه ومجموعة من أعضاء جيش التحرير، تسليم السلاح إلى السلطات بعد جلاء المستعمر الفرنسي عن المغرب.

وإلى جانب حيازة السلاح، تميّز الرجل بمواقف صلبة من بينها غضبه بعد مباراة انهزم فيها فريقه، وللصدفة أمام الجيش الملكي، في مباراة ضمن منافسات البطولة الوطنية، وقادها حكم ينتمي إلى مدينة مراكش، كما يروي محمد.

بحسب المقربين من الفاخري فإنه "بعد نهاية المباراة، بادر إلى الاتصال بالمقاوم المغربي عبد السلام الجبلي، الذي كان يقطن في مدينة مراكش، ونقل إليه ما تعرض له فريقه من ظلم على يد الحَكَم المراكشي، وطلب منه ‘تأديبه’".

وشدد محمد على أن الجبلي، ولإرضاء الفاخري، أمر بعضاً من رجاله بإحراق سيارة الحَكَم بعد ترجله منها، وهو ما تم حتى تصله الرسالة.

ويُجمِع محمد والحياني على أن مواقف مشابهة، بالإضافة إلى قوة شخصية الفاخري، وصلابتها، كانت من الأسباب التي أدت إلى اتخاذ قرار اعتقاله، وإعدامه من قِبل السلطات.

صديق الملك أم عدوّه؟

سؤالٌ ما زال يؤرّق إلى يومنا هذا: هل كان الفاخري معارضاً للحسن الثاني، حتى قبل توليه سدة الحكم خلفاً لوالده الراحل محمد الخامس بن يوسف؟

في سنوات الاستقلال الأولى، كان الفاخري من المقربين إلى الملك محمد الخامس الذي استقبله في القصر الملكي أكثر من مرة بعد أن ذاع صيته كواحد من أشرس رجال المقاومة المناوشين للمستعمر الفرنسي، بل حتى إنه لم يكن يرد له طلباً، على الرغم من أن جل طلباته لم تكن استعطافاً لتحقيق مآربه الخاصة، بل كانت تخص محيطه من أبناء حي درب غلف، من قبيل تعيينات في الشرطة، أو الدرك الملكي، وإنصاف المستضعفين.

كان يساعد الفقراء ويحمل السّلاح في كل جولاته، وأنشأ ناديا رياضيا كان من أبرز الأندية في الدار البيضاء. بنحمو الفاخري شخصية مغربية بارزة بعد الاستقلال، طواه النسيان بعد إعدامه

ويرى الحياني أنه "إذا كانت معارضة الملكية سبباً لعدّ الفاخري خائناً، فإنه خائن، وإذا كانت المعارضة موقفاً سياسياً، فهو موقف سياسي تبنته حينها مجموعة من الشخصيات المنتمية إلى جيش التحرير، أو إلى الأحزاب المغربية".

وتابع الحياني أن الفاخري ومن معه من معارضي ولي العهد حينها الحسن الثاني، مثل شيخ العرب، والفقيه البصري، لا يمكن لأي كان إعطاء حكم قيمة ضدهم، وانتقاداتهم لسياسته حتى بعد توليه الحكم لم تكن دليلاً على معاداة الملك والملكية، مضيفاً أن الحسن الثاني لم يكن بدوره معادياً لرجال المقاومة المغربية، وأن المسألة تتعلق فقط بمواقف متعارضة حول بناء مغرب المستقبل.

واسترسل الحياني قائلاً إن الخلاف نشب فعلاً بين الحسن الثاني والفاخري، خلال مباراة جمعت نجم الشباب والجيش الملكي، مضيفاً أنه رفض الامتثال لبعض الترتيبات التي تسبق وصول ولي العهد إلى ملعب المباراة، مضيفاً أن الفاخري أخذ موقفاً في المباراة المذكورة سبقته مواقف عدة نتج عنها إصدار حكم الإعدام في حقه.

ولفت الحياني الانتباه إلى أنه لا يستبعد أن يكون الفاخري ضحية صراعه مع المحيطين بالقصر، الذين سعوا إلى تسميم علاقته مع الحسن الثاني، من خلال نقل مجموعة من المعطيات إليه، مستبعداً أن تكون الشعبية التي يحظى بها الفاخري كرئيس لفريق رياضي سبباً في وفاته.

وتابع الحياني، إن موقف أعضاء من جيش التحرير الوطني الذين كان من بينهم الفاخري، والذين رفضوا مضامين اتفاقية "إكس ليبان"، التي حصل بموجبها المغرب على الاستقلال، وانضموا إلى الجناح المعارض الذي فضل الحفاظ على حمل السلاح، ربما كانت أيضاً من أسباب توتر العلاقة بينه وبين الحسن الثاني، والمحيطين بالقصر الملكي، إلى جانب قياديين سابقين أبرزهم عباس المسعدي، الذي اغتيل سنة 1956. وكان مسار التحرير بالنسبة إلى هؤلاء غير مكتمل، إذ أرادوا تحرير الصحراء، وبقية المناطق من الإسبان، وطرد فلول الاستعمار من الإدارة والمؤسسات، وحلم بعضهم بإسقاط النظام الملكي.

وبخلاف الحياني الذي تحدث عن نشوب خلاف بين الفاخري، والملك الحسن الثاني، بسبب ترتيبات تنظيمية سبقت المباراة التي جمعت نجم الشباب البيضاوي والجيش الملكي، فإن محمد نقل رواية الصفعة التي طالت مبارك عمامو "مبيريك" لاعب نجم الشباب البيضاوي الذي قبّل حينها يد الملك الراحل، والتي شدد على أنها كانت من بين الأسباب التي دفعت المحيطين بالقصر إلى التعجيل في إصدار مذكرة بحث ضده، بتهمة الخيانة، ومعارضة النظام الملكي. وعلى الرغم من أن الحقيقة تظل مجهولة، إلا أن نشاط الرجل السياسي ربما يكون جزءاً مهماً من الأسباب التي دفعت إلى اعتقاله.

قبر المقاوم المجهول

مباشرة بعد اتخاذ قرار اعتقاله من قِبل السلطات، تسرب الخبر إلى الفاخري بحكم صداقته مع مقربين من النظام، وهو ما دفعه إلى التواري عن الأنظار، والاختفاء لمدة سنتين، متنقلاً بين مجموعة من المنازل والضِياع التي يملكها، إلى أن أُلقي القبض عليه في إحدى المزارع في منطقة سيدي مسعود في ضواحي مدينة الدار البيضاء، إثر وشاية من أحد أصدقائه المقربين، كما يروي محمد.

انتهى به المطاف معتقلاً من قِبل رجال الأمن، وإلى جانبه صديقان مقربان منه هما محمد الموساوي، وأحمد ولد الرشاك، اللذان حُكم على كل منهما بالسجن 25 سنة، بسبب قربهما من الفاخري، مضيفاً أن الرئيس السابق للجنة الأولمبية المغربية حسن الصفريوي طلب من الموساوي إنكار معرفته بالفاخري، لتفادي الحكم الذي طاله، إلا أن الأخير رفض، وتشبث بصداقتهما التي كلّفته قضاء 25 سنة في السجن. في تاريخ 24 من يناير/ كانون الثاني سنة 1962، أُعدم الفاخري بعد قرار المحكمة عدّه معارضاً للنظام، ويسعى إلى قيادة انقلاب ضده، من دون أن يُعرف مصير رفاته، أو القبر الذي دفن فيه جثمانه.

بعدها صار الحديث عن الفاخري، دافعاً للخوف، ولم يتجرأ أحد على نعيه بعدما كان المقربون منه يفتخرون بمعرفته، وبصداقته، خوفاً من أن يطالهم غضب السلطات بعدما صار الفاخري أول رجل يُعدم بعد استقلال المغرب.

ويختم محمد قائلاً إن معاناة المقربين منه لم تتوقف عند هذا الحد، بل استمرت خمسين سنة، وحتى يومنا هذا، لتشمل الأجيال التي تعاقبت على حي درب غلف، مضيفاً أن الحي المذكور ظل مغضوباً عليه، وظل في نظر السلطات حيّاً يضم بين دروبه شبّاناً ذوي نزعة سياسية معارضة، ما ساهم في تهميشه، وعدم تنميته، على الرغم من كونه واحداً من أقدم أحياء مدينة الدار البيضاء، ويقع في مركز المدينة.

بعد إعدام الفاخري كان لزاماً حفظ تركته، وهي هذا الفريق، "النجم" الذي فاز خلال موسم 1959 بلقب البطولة الوطنية أمام الرجاء البيضاوي، وكان ثالث فريق يحصل على البطولة، بعد الاستقلال. وقد هُمّش الفريق، ونسف من الذاكرة، كفريق للمقاومة ضد الاستعمار، وكفريق شعبي، خلافاً لفريق الرجاء، أو الوداد، أو الاتحاد البيضاوي. وهو اليوم يلعب في قسم الهواة، بذاكرة ضعيفة، ولكن بمجدٍ خلّده المؤسس محمد بنحمو الفاخري الذي دفع حياته ثمناً للكرامة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard