"أمي بتلبس قميص نوم وأنا لا"... عن ملابس نساء وأجسادهن في "بيت العيلة"

الجمعة 11 يونيو 202103:58 م

باعتباري فتاة من صعيد مصر، علمت متأخرةً أن في حياتي الكثير من الأشياء المختلفة عن باقي الفتيات في مصر، فحياتي أكثر تشدداً في جوانب عدة، كان آخر ما اكتشفته فيها هو فكرة ارتداء الملابس داخل المنزل.

ما الذي ترتديه الفتيات أمام إخوانهن، وماذا يرتدين في غيابهم؟ صُدمت عندما عرفت أن بعضهن لا يضعن حدوداً في الملبس مع إخوانهن، وأن الاحتشام أو التشدد لا تتبعه جميع الفتيات.

وتعرفت أيضاً على نسبة كبيرة تشبهني في التقيد والاختناق، بسبب التشدد الصارخ الذي قد يصل للتعنيف من قبل الأم والأب بسبب ارتداء ملابس متحررة في المنزل أمام الإخوة، أو ما يطلق عليهم "المحارم".

"إنه جسدي أنا"

سهام أحمد اسم مستعار (31 عاماً)، صانعة أفلام مستقلة من المنصورة، اختبرت تشدد أهلها بشأن ما ترتديه في المنزل منذ صغرها إلى الآن، فلا يسمح لها سوى بارتداء "تي شيرت نصف كم"، وبنطلون "برمودة" يصل لأسفل الركبة، ولكنها لم تذعن لذلك بسبب الحر أو شعورها بالاختناق عند العودة من أي مشوار.

تعاندهم وتتمرد من حين لآخر، وهم لا يكفون عن تعليقاتهم الساخطة على ما تفعله طوال الوقت، تارة يقولون لها إن تلك هي "عورتها"، و"لا يجوز لها الجلوس أمامهم بهذا المنظر"، ومرة يعلقون على جسدها بأنها امتلأت أو أصبحت بشرتها سمراء أو أي شيء كنوع من المحاولة لتخجل من جسدها وتغطيه.

"كانت علاقتي بأبي مبنية على القهر والخوف، كبرت وأنا ملتزمة بكل أوامره، أحياناً كان جزء من صدري يظهر وأنا أميل فأواجه ذلك بالصراخ من أبي "أنتِ معندكيش حياء!"

وفي أوقات يمتدحون لبسها "المحتشم"، وكانت النتيجة أنها كبرت وهي تشعر بأنهم على حق ولم تتصالح مع جسدها، وتشعر بعدم الراحة لما يحدث بسبب تعليقاتهم، ولكنها تفعل ذلك بسبب الحر والجو الخانق في أغلب الأحيان.

"أحيانًا وأنا أستحم أنسى شيئاً، وأخرج من الحمام لجلبه، فألاحظ قيام ثورة من أخي وكأني ارتكبت جريمة، لذلك لا أرتاح في وجودهم، واحنا ستات مع بعضينا بتبقى الحياة حلوة"، تقول سهام لرصيف22.

تفسر سهام أن ما يحدث معها هو وجهه نظر دينية ومجتمعية، فهم يرون أن المرأة التي تغطي جسدها محتشمة، وفاضلة، والعكس صحيح، لذلك يتم تطبيق ذلك حتى داخل المنزل.

تقول سهام: "طوال الوقت الأمر مرهون بهم، ألبس لهم وأغطي لهم، دون أي اعتبار لأنه جسدي أنا، وعلي أن أتعامل معه بما يناسبني أنا لا هم".

حالياً بدأت سهام بالتمرد على الأمر، وأصبحت ترتدي ما يعجبها، وتقابل تعليقاتهم بالتجاهل والصمت تارة، والجدال تارة أخرى.

كما أن عملها في مجال صناعة الأفلام جعلها أكثر انفتاحاً في التعامل مع جسدها، وعدم اعتباره "عورة" تستحق الغطاء حتى من أقرب الناس.

"ما ينفعش حد يشوف لحمك"

علياء سيد، اسم مستعار (26 عاماً)، طبيبة نساء وتوليد من محافظة الغربية، تقول: "كنت فتاة متدينة، وأرتدي ملابس محتشمة في المنزل، ولكن تدريجياً تغيرت أفكاري وحياتي من ضمنها رؤيتي لجسدي، تصالحت معه أكثر، وأصبحت ألبس ملابس خفيفة وقصيرة في المنزل، وواجهت ذلك بصراخ أبي وارتيابه المستمر لما أفعله".

لدى علياء أختان وأخ، ولأنها الكبرى بينهم أضحى لها تأثير فكري عليهم، فأصبحوا يؤيدونها في الرأي والفعل، ولأن أخاها الأصغر يشبهها فكرياً لم يعترض أو يحصل أي شيء يجعلها تشعر بعدم الراحة أثناء ارتدائها لأي ملابس ضيقة، على عكس والدها الذي يجعلها تشعر بعدم الراحة طوال الوقت، ولكنها فرضت واقعها بالشجار معه، فإذا اعترض تتشاجر معه، لهذا لا تزيد الأشياء على أن تكون مجرد شجارات يتبعها إذعان.

أما أمنية حسانين (22 عاماً)، طالبة إعلام من القاهرة، فتعترض أمها على ما ترتديه أمام أخيها طوال الوقت منذ الطفولة، تقول لرصيف22: "أرتدي ملابس قصيرة فتنهرني أمي حتى وأنا طفلة، وأنا بداخلي استنكار لما يحدث، فهو أخي. طوال الوقت الشجار مستمر، وحتى في المصايف وأنا طفلة كانت تُفضل أن أرتدي شورتاً لا مايوه مفتوحاً، وتقول لي "مينفعش حد يشوف لحمك"، وهذه الجملة كانت أكثر شيء مريب أسمعه وأنا طفلة".

وتضيف: "كبرت وأنا مستمرة في الشجار على الملابس خارج المنزل وداخله، وحاليًا بالرغم من أني غير محجبة إلا أن أمي تدقق كثيراً بملابسي، أتى يوم وذهبت إلى المصيف معي، وبسبب ملابسي هناك بصقت في وجهي، فقررت أن يكون لي دولاب خاص لا تعرف عنه شيئاً، وهي من اضطرتني لذلك".

"علاقة قهر"

وبالرغم من أن فتيات كثيرات عرفن كيف يجبرن أهاليهن على تقبل رأيهن في ملابسهن إلا أن الأمر لا يسري كذلك مع الجميع.

تارة تُبنى العلاقة على عدم التفاهم أو قد تخاف الإناث من أي شيء أمام إخوتهن وآبائهن، تقول سلمى إبراهيم (21 عاماً) طالبة جامعية، تسكن في صعيد مصر: "كانت علاقتي بأبي مبنية على القهر والخوف، وليس على أي شيء آخر، لهذا كبرت وأنا ملتزمة بكل أوامره، وكنت أطيع كل ما يقوله بغض النظر عن رأيي فيه، أحياناً كان جزء من صدري يظهر وأنا أميل فأواجه ذلك بالصراخ من أبي "أنتِ معندكيش حياء!".

تضيف سلمى أن الأمر لم يقتصر على والدها فقط، "بل على أقارب يزورون العائلة ويعلقون على ملابسها هي وأختها، كيف ترتدي ذلك أمام أخيك في حين أن والدتها ترتدي قميص نوم داخل المنزل دون أدنى مشكلة حتى أمام ابنها".

"كانت أمي متشددة كثيراً في كل ما يتعلق بلبسنا أنا وأختي، وحتى الأمور التجميلية لم تكن تسمح لي أن أفرد شعري أو أن ألعب في "قُصتي" حتى، في حين أنها ترتدي قميص نوم شفافاً تماماً بلا أي شيء تحته"

شيئاً فشيئاً، أصبحت رضوى تخجل من جسدها، وتشعر أنه فتنة، وعيب يجب أن لا تختلي به حتى أمام نفسها، وتضيف أنها تعرضت في طفولتها وفترة بلوغها إلى تحرش من أخيها الأكبر رغم أن ملابسها كانت عادية، فكيف إن تعرت أمامه؟

كبرت رضوى، وتغيرت الأمور قليلاً، وأصبحت متصالحة مع جسدها، وباتت تخلع ملابسها في غياب أخيها ووالدها عن المنزل لارتياحها لذلك، فهي لا ترغب في التحرر أمامهما، تقول: "تصالحت مع جسدي بعد أن كنت أخجل من أن أكشف أي جزء منه حتى أمام أمي، بسبب التربية الصارمة المبنية على القهر التي عشتها مع أبي، وأعتقد أن احتشامي أمام أخي يقلل احتمال الأذى الذي يمكن أن أتعرض له الآن، عرفت كيف أتعامل مع جسدي في حضور أبي وأخي، وفي غيابهما، وهذا مريح لي، لا أرغب في أكثر من ذلك".

"زوجي يريدني محتشمة"

لم يختلف الأمر كثيراً مع هالة أحمد، اسم مستعار (32 عاماً)، مهندسة من القاهرة. تتحدث عن ملابسها التي كانت غاية في التضييق، ولكن التعنت كان من ناحية والدتها، وليس والدها، تقول: "كانت أمي متشددة كثيراً في كل ما يتعلق بلبسنا أنا وأختي، وحتى الأمور التجميلية لم تكن تسمح لي أن أفرد شعري أو أن ألعب في "قُصتي" حتى، في حين أنها ترتدي قميص نوم شفافاً تماماً بلا أي شيء تحته، وكان ذلك يشعرني بالاستياء والغضب طوال الوقت، فأقل شيء لا يمكنني لبسه بسبب هواجس أمي ووساوسها".

أثر ما حدث على حياة هالة كزوجة، إذ فجأة اكتشفت أنه مطلوب منها الاهتمام بجسدها كله، وهي لم تعتد ذلك ومطلوب منها أن تتعرى أمام زوجها أيضاً. لهذا أخذ الأمر وقتاً كبيراً حتى تتعامل مع الأمر بمرونة.

كان زوجها مريباً من هذه الناحية كذلك، فلم يكن يسمح لها بالبقاء عارية حتى بعد العلاقة الحميمة، ويريدها محتشمة أمامه طوال الوقت، بالإضافة إلى أنه هو نفسه لا يرتدي ملابس طوال الوقت، فتتأثر وتتأرجح رؤية هالة لجسدها وسط كل ما يحدث دون أي ذنب لها سوى أفكار أمها وزوجها.

مئات الفتيات (لا توجد إحصائية دقيقة) لا يملكن حق التعامل مع أجسادهن حتى في أقرب أماكنهن، ومع أقرب الأشخاص لهن، فمتى ينتهي المجتمع عن التعامل مع نسائه داخل المنزل بهذا الشكل، ألا تكفي نظرته المتشددة التي يفرضها علينا في الشارع؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard