يضربون إخوتهم الصغار ويتلذذون بقتل الطيور… الأطفال و"شرعية العنف"

الأحد 30 مايو 202105:21 م

حدّة في التربية وحدّة في التعامل، حدّة في النقاش وحدّة في معالجة هذه الحدّة. حدّة متوارثة وذات تسلسل أفقي، يبدأ بالأقوى الذي يمارس قوته على من هو أضعف، حتى نصل إلى الطفل على الطيور والحيوانات المنزلية الأليفة.

طرحت سؤال على حسابي الشخصي بفيسبوك: لماذا نمارس القوة على من هم أضعف منا؟ وكانت الإجابات مختلفة، منهم من يقول: "مفيش حد بيقدر ع الظلم ويسيبه"، وآخر يقول: "جبروت دايماً، الضعيف يبحث عن الأضعف منه ليحس حاله قوي، وهاد بيكمل شعور النقص اللي جواته، وفعلياً هم جبناء وليس أقوياء، فالقوة ليست في الضرب".

ورأي آخر يقول: "لأننا مقموعون ومظلومون، فنمارس ما خبرناه يمارس علينا، فهو تفريغ وإسقاط" وآخر يقول: "مرض نفسي، لأن فينا بعض من الغريزة الحيوانية"، وهناك من يرى أن الأمر "لإخراج الكبت النفسي الموجود فينا، خاصة بفعل من تسلطوا علينا".

كان للعنف تأثير عكسي على طفولة عبد العزيز أمان (54 عاماً) من الأردن، يعمل حارس لإحدى العمارات السكنية، لم يدفعه لممارسة العنف على غيره، ولكن إلى العجز عن التعبير، خاصة مشاعر الحب التي يكنها لزوجته.

يقول عبد العزيز لرصيف22: "هي لا تدري أنني قد تعرّضت للتعنيف والإهانة على مدار طفولتي من باب أن الرجل لازم يكون خشن وناشف، وبالتالي تدمرت قدرتي على التعبير".

كان والد عبد العزيز رجلاً شديداً، يوبخه بعنف كلما أبدى نوعاً من النعومة، يقول: "في كل مرة كان يلقبني 'الفافي'، ولذلك نشأت رجلاً صامتاً أخشى التعبير أو البوح حتى عن رأيي، أشعر بتردد كبير وكأنما أصعد جبلاً".

"ابني يضرب أخاه"

ذهبت علا رمضان (23 عاماً) من غزة، وهي ربة بيت وخريجة جامعة، ذات يوم إلى طبيب نفسي، منزعجة من ابنها الذي يضرب أخاه الأصغر باستمرار، ولا تعرف ماذا تفعل معه، وحين عرضت المشكلة على الطبيب، سألها: ماذا تفعلين لتقوّمي هذا السلوك؟ أجابت: "أضربه بشدة، ولكنه لا يتوقف".

تقول: "عندها ابتسم الطبيب ابتسامة لم أحبها، وقلت له لم تضحك، فقال: ببساطة لأن الأطفال يتعلمون من خلال تقليد الكبار وليس كلامهم. أنت تضربين ابنك عندما يخطئ، وهو يتعلم منك أن هذه هي الطريقة الأمثل للتعامل مع الخطأ، وبالتالي هو يضرب أخاه الأصغر الأضعف منه، عندما يعتقد أنه يخطأ، هو فقط يقلدك".

 "أحضر كتكوتاً، اشتراه له والده من السوق، بعد نوبة بكاء ليحصل عليه، وبعد أن ملّ من وجوده قام بقطع رأسه بأسنانه للتخلص منه"

ولكن ماذا لو لم يجد الأخ من هو أصغر منه ليمارس عليه تسلطه، صدمت نور زهير (40 عاماً) من سوريا، ربة منزل، من تصرف ابنها (9 سنوات)، ووقفت مكتوفة الأيدي حين أحضر كتكوتاً، اشتراه له والده من السوق، بعد نوبة بكاء ليحصل عليه، بعد أن ملّ من وجوده يقوم بقطع رأسه بأسنانه للتخلص منه.

تلخبطت وتداخلت مشاعر نور، تقول: "دخلت في صراع مع نفسي، هل أكلف نفسي عناء تنبيه زوجي أن هذا الكتكوت كائن حي يتألم، وأنه سبب موته حين سمح لابنه باقتنائه، خاصةً أنه لا يمانع بإحضار آخر تلبية لرغبة ابني".

وتتساءل: "هل أصبحنا معملاً لإنتاج السادية أم ستكون لنا وقفة إزاء هذا الانحدار!".

"يشبه الاستمتاع الجنسي"

تعذيب الأطفال للعصافير والكتاكيت، كان أبرز ما لاحظه المستعرب الياباني نوبوأكا نوتوهارا، عندما زار الريف المصري، باحثاً عن أجواء يوسف إدريس ونجيب محفوظ الروائية، في دراسة أكاديمية له. ذهل عندما رأى طفلاً يمشي بين الكبار، يسوق عصفورا جريحاً، بعد أن ربطه بحبل من عنقه، يجرجره على الأرض، واندهش أنه لم يتلق توبيخاً من أحد، كأنه منظر عادي، حينها استنتج فوراً أنه في مجتمع يقوم على علاقات القوة، وأن القوة لها شرعية أخلاقية في هذه المجتمعات.

حالة التلذذ بتعذيب الحيوانات يطلق عليه علم النفس "Zoosadism" أو "السادية بالحيوان"، ويشبه في درجة من درجاته الاستمتاع الجنسي، وهو يختلف عن نزعة الانجذاب الجنسي للحيوانات.

يعلق الطبيب النفسي، كرد محمد، من الضفة الغربية (48 عاماً)، لرصيف22: "ممارسة العنف على من هم أضعف منا ما هو إلا إسقاط وتعويض، حيث يقوم العقل الباطن في الإنسان المضطهد إلى البحث عن مخرج نفسي لهذا العنف، ولا يجده إلا في ممارسة ذات السلوك على من هم أقل قوة، وهنا المشكلة تكمن، لأن هذا المعتقد يتحول إلى سلوك ومن ثم إلى عادة".

ذهبت علا إلى الطبيب النفسي، تشكو ابنها الذي يضرب أخاه الأصغر كثيراً، سألها: "وماذا فعلت؟"، أجابت: "ضربته بشده ولكنه لم يتوقف عن ضرب أخيه"

أما فيما يتعلق تعذيب الأطفال للحيوانات فيشير إلى أن "تعذيب الأطفال للحيوانات يرتبط دائماً بوجود مشاكل عاطفية أو نفسية عند الأطفال، كأن يتعرّضوا لسوء معاملة في البيت أو لاكتئاب أو رغبة في الانتقام ممن هم أضعف منهم ليثبتوا أنهم أقوياء، و30% من الأطفال الذين يتعرضون للعنف المنزلي يلجؤون لمعاملة الحيوانات بعنف".

ويضيف: "هنالك ارتباط بين سوء معاملة الحيوانات والعنف الأسري والأشكال الأخرى من العنف الاجتماعي، كما أن الأشخاص الذين يمارسون العنف مع الحيوانات من النادر ألا يمارسوا العنف ضد البشر".

"إيمان بالسلطوية"

وتشير الأخصائية الاجتماعية والنفسية، سمر صندوقة (50 عاماً) من غزة، إلى "إيمان" العديد من المجتمعات في الشرق غير الديمقراطي بالسلطوية، محذرة من الاضطرابات النفسية المصاحبة لتلك السلوكيات، تقول: "استخدام العنف يبدأ منذ التربية، وعندما يكون متكرراً وشديداً يؤدي إلى أضرار نفسية عديدة، مثل: اضطراب كرب ما بعد الصدمة PTSD، ومشاكل الثقة بالنفس وربما أيضاً أمراض جسدية لها أبعاد نفسية".

وتضيف أن الأخطر "هو شرعنة العنف أو التطبيع مع العنف، وهو أن يقبل الطفل العنف كجزء طبيعي من الحياة، فيكبر ليتحول تدريجياً من ضحية للعنف إلى معتد أو ممارس له باعتباره أمراً عادياً".

"عندما نضرب أطفالنا فنحن نقول لهم بشكل عملي إن العنف حل أو خيار مقبول للتعامل مع الخطأ أو حتى مع الاختلاف في الرأي، وهنا مكمن الكارثة! فمع الوقت تتعمق هذه الفكرة فنخلق مجتمعاً تسوده وتحكم علاقاته، سواء داخل المنزل أو خارجه، فكرة القهر والسيطرة، بحيث يقمع فيه كل صاحب سلطة من تحته"، وفقاً لحديثها.

"لو كسرت لبنتك ضلع فأنت تحكم عليها أن تعيش بألم مزمن لا ينتهي".

ويحذر أستاذ علم الاجتماع حسام أبو رافي (56 عاماً) من حيفا المحتلة من انتشار أمثال من قبيل 'اكسر للبنت ضلع يطلع لها 24'، يقول: "هي أفكار خاطئة حتى لو كررها أجدادنا وآباؤنا آلاف المرات، فلو كسرت لبنتك ضلع فأنت تحكم عليها أن تعيش بألم مزمن لا ينتهي، حتى إنها قد تتألم عندما يحتضنها زوجها، لأنه غالباً سيضغط على هذا الضلع المكسور من دون قصد".

"هذا العنف قد يترك ندوباً وجروحاً لا تلتئم مدى الحياة، وقد يتسبب في أزمات عاطفية وزوجية كفيلة بتدمير أفضل العلاقات فما عشناه، خصوصاً ونحن أطفال يترك آثاراً سلبية لا يسهل التخلص منها، بل وربما نحتاج إلى سنوات من العلاج للحد أو التخلص من آثار هذا العنف".

وينهي حديثه بالقول: "التحرّش الوبائي المنتشر في شوارعنا ليس إلا أحد تجليات ثقافة العنف، واستباحة كل من هو أقوى لكل من هو أضعف منه، وهي ظواهر لا يمكننا تفسيرها بعيداً عن ثقافة تربية تُمجّد العنف، وترى في كل سلطة فرصة للقمع المُباح. والسؤال هنا هو إذا كنا نريد لأطفالنا حياة أفضل من حياتنا كما نردد دائماً، فهل لدينا الشجاعة لمراجعة هذه الثقافة؟".

تعليقاً على ظاهرة صيد الطيور، وتعذيب العصافير، يكتب المستعرب الياباني، متسائلاً: "ضعيف تحت سيطرة قوي، والناس يقبلون سلوك المسيطر القوي، ويرضخون له، أي يسمح المجتمع أن تسيطر قوة على أخرى أضعف منه، وبالنسبة لي فإنني أتساءل: إذا سمح المجتمع بهذا المنظر فإلى أين سيصل؟"

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard