سفاح القربى العاطفي… ماذا نعرف عن "الجرح الهادئ" وكيف يقع الأطفال ضحيته؟

الخميس 19 ديسمبر 201904:38 م

في آخر جلسة لي مع المحلل النفسي، سألني أحد الأسئلة المعتادة: "كيف حال ابنك؟"، فابتسمت وأجبته بالضبط: "ابني يصبح كبيراً"، وكان قصدي أن مستوى الوعي والتعبير عن المشاعر والرغبات أصبح سهلاً لديه، وبالتالي أصبح التعامل والتفاعل معه أفضل من قبل، لكن المحلل فاجأني بقوله: "لكنه لم يصبح كبيراً، وإن صار، هذا لا يعني أنه سيكون أفضل صديق أو يجب الاعتماد عليه، سيبقى طفلاً، طفلك الذي يجب أن تكوني حذرة ولا تحمليه فوق طاقته كأم منفصلة".

بعد خبرتي التي اكتسبتها من جلساتي في التحليل النفسي، عرفت أن ابتسامتي التي سبقت جوابي أولاً، وثانياً استخدامي لعبارة "أصبح كبيراً" بالتحديد، هما ما دفع المحلل لينصحني بتوخي الحذر، كي لا أبدأ لا شعورياً بالتعاطي مع ابني كشخص بالغ. ومع ذلك لم أفهم كثيراً، وبدأت بالبحث والقراءة عن علاقة الأهل مع الأطفال بعد الانفصال، إلى أن وصلت إلى ما يسمى سفاح القربى العاطفي Emotional Incest.

رغم وقع الكلمة الثقيل والذي يصعب تخيله، إلا أنني وخلال قراءتي، بدأت بتذكّر الكثير من الحالات المألوفة لي والتي مرت بالماضي، مع أشخاص أعرفهم أو حتى أقرباء لي، تتطابق بشكل أو بآخر وبدرجات مع ما ذكره موقع childhood trauma recovery عن "سفاح القربى العاطفي".

إن "سفاح القربى العاطفي" لا يتخذ شكلاً مادياً ولا علاقة له بالجنس أو أي ملامسة جسدية خارج الشكل الطبيعي للعلاقة بين الأم أو الأب وأبنائهم، بل ينطوي على علاقة عاطفية حميمة، تبدأ عندما يعتمد أحد الوالدين على ابنه/ابنته لتوفير الدعم العاطفي الذي يفترض أن يقدمه له/ا الشريك/ة، والذي من الممكن أن يتطوّر إلى طمس وتشويش الحدود بين الأطفال والبالغين/ات، بطريقة غير مناسبة نفسياً.

كأن يصبح الطفل أو المراهق بمثابة طبيب الوالد/ة النفسي أو مستشاره في مشاكله التي تتعلق بالبالغين/ات

كأن يصبح الطفل أو المراهق بمثابة طبيب الوالد/ة النفسي أو مستشاره في مشاكله التي تتعلق بالبالغين/ات، أو أن يجعل منه أفضل صديق له، أو والداً بديلاً، مع إهمال أو نسيان حاجات الطفل إلى الرعاية والأمان والتربية والحماية، إلى آخره من الحاجات التي يجب على الأم تقديمها، لا أخذها من الطفل.

أتذكر صديقة قالت لي سابقاً إنها حين انفصلت عن زوجها، كان ابنها في عامه الرابع، ومن النصائح التي أسداها لها أحد المختصين عند استشارته عن كيفية التعامل مع الوضع الجديد بعد الانفصال، وكيف تشرح لابنها ما حدث وما هي طبيعة الحياة القادمة بطريقة تناسب فهمه وبراءته، كانت النصيحة: "أن الصبي يجب أن يواصل نومه في سريره، وأن تحذر من أن تستعين بنومه بجانبها واحتضانه ليؤنس وحدتها الجديدة". كان رائعاً ما أخبرتني به، لأن أول ما فعلته بعد انفصالي هو أنني أحضرت ابني ذا العامين لينام بجانبي، وكنت أبكي وأنا أحضنه، فتوقفت عن فعل ذلك بعد الذي قالته لي.

إن الآباء الأكثر عرضة لممارسة سفاح القربى العاطفي رغم عدم نيتهم المسبقة إيذاء أطفالهم، حسب الدراسة التي ذَكرتُها، هم الآباء المنفصلون أو التعساء في زواجهم أو المعزولون وغير المدعومين اجتماعياً أو النرجسيين.

والنتائج التي تترتب لاحقاً على إجبار الطفل على القيام بدور عاطفي يجب أن يقدمه البالغون، متفاوتة وقد لا تكون بسيطة، أولها أنه لن يكون قادراً على تحديد الأذية، كونها نفسية وليست جسدية، ربما يشعر بالعزلة بين أقرانه الذين في نفس عمره، لعدم قدرته على تطوير مهارات اجتماعية، بالإضافة إلى أزمة في الهوية قد تتأرجح بين تقدير وعدم تقدير الذات، أو ثقة عالية أو منخفضة بالنفس، وذلك بسبب الدور المحبط أو الفعال الذين يلعبه في حياة الوالد/ة "البالغ"، كما يتعلم قمع رغباته واحتياجاته الخاصة، ويجبر نفسه على الإكراه الذاتي ليصبح مميزاً وينال الرضا، وقد يشعر بالذنب لعدم قدرته على تلبية الحاجات العاطفية التي يجب أن يقدمها شخص بالغ، كما يوجد إرباك في موضوع السُلطة، لأن الطفل والوالد/ة ليسا أقراناً متكافئين، وقد يكبر الطفل ويعتقد أن شكل العلاقات الطبيعي هو أن يقوم أحد بالسيطرة على الآخر.

وفيما بعد قد يواجهون مشاكل جنسية، وربما لا يستطيع بعضهم ممارسة الجنس دون الإحساس بالذنب، لأن مفهوم العلاقة الذي اعتادوا عليه لا يتضمن ممارسة الجنس، ومن الممكن أن يرعبه الالتزام بشخص، خوفاً من أن تصبح العلاقة خانقة، كما حدث في الماضي ضمن العلاقة مع الوالد/ة، وربما الإدمان أيضاً، أو الانجذاب إلى شريك نرجسي.

لا علاقة لـ "سفاح القربى العاطفي"  بأي ملامسة جسدية خارج الشكل الطبيعي للعلاقة بين الأم أو الأب وأبنائهم، بل ينطوي على علاقة عاطفية حميمة، تبدأ عندما يعتمد أحد الوالدين على ابنه/ابنته لتوفير الدعم العاطفي الذي يفترض أن يقدمه له/ا الشريك/ة

إن الآباء الأكثر عرضة لممارسة سفاح القربى العاطفي رغم عدم نيتهم المسبقة إيذاء أطفالهم، هم الآباء المنفصلون أو التعساء في زواجهم أو المعزولون وغير المدعومين اجتماعياً أو النرجسيين

أخبرتني صديقة لي عن سيدة في محيطها الاجتماعي، متزوجة من رجل علاقتها معه سيئة جداً، ولديها منه طفلان، توقفت منذ زمن طويل عن النوم إلى جانب زوجها في نفس السرير، وصارت تنام بجوار أحد أبنائها (للتوضيح: لا تحمل هذه القصة أيضاً أي تلامس أو تلميحات جنسية)، وتقوم دائماً بنشر صور لها "تحديداً" مع ابنها هذا على مواقع التواصل الاجتماعي، وتكتب كلمات مثل (حبيبي، روحي) وبالمقابل لا تنشر صوراً مع ابنها الثاني أو زوجها، وطبعاً لا تكف عن جعله يشعر بالذنب من خلال عبارات مثل: "أعرف أنه لن ينالني منك شيء في نهاية المطاف"، وبِنَفَس يحمل السخرية: "سأرى ماذا ستقدم لي عندما تكبر".

 أعرف أننا لن ننجو من الخطأ مهما حاولنا، لكن على الأقل علينا أن نحاول تخفيف حجم الأذية.

الشفاء من هذا "الجرح الهادئ" كما أسمته إحدى الدراسات التي نشرتها صحيفة Huffpost من هذا الموضوع، يتطلب الكثير من الصبر، يبدأ بالحديث عن الشعور تجاه الوالد/ة؟ ما الذي أعطاه الضحية وما أخذه، وكيف كان يشعر خلال تلك العلاقة؟

وعليه أن يعرف أن الوالد/ة تصرف/ت بدافع الجهل ولم تكن لديه/ا أي نية للإيذاء في الماضي، لكن الضحية بمثابة مسؤولة عن السماح بتكرار نفس المعاملة معه في الحاضر/ المستقبل، وعليه أن يحاول تكوين معاييره الشخصية عن التميز والحب والحزن، إلخ...لا حسب معايير الآخرين.

ومن الأشياء الضرورية للشفاء، والتي ذكرتها الدراسة نفسها، هي زيادة الوعي عن كيفية ممارسة السلطة، أي كيف نستخدم طاقتنا ونفوذنا في تلبية حاجاتنا الشخصية دون إهمال دعم حاجات الآخرين، بالإضافة الى معالجة انتهاك الثقة، فالجُناة اكتسبوا نفوذهم لأن الأطفال/ الأبناء يثقون بهم، لذلك تكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي الإقرار بأن الثقة تُكتسب ولا يتم منحها بشكل عشوائي.

تساؤلات ضرورية أخرى يجب مراعاتها مثل: هل الوالد/ة هو شخص يمكنني اللجوء إليه في مواجهة تحديات الحياة؟! هل أسمح لنفسي أن أشعر وأُقيّم الإشارات الغريزية على أنها خطر محتمل أو فعلي؟ هل أعامل نفسي بلطف، وأستجيب لنفسي بشكل مناسب عندما أكون متعباً أو جائعاً أو خائفاً أو عندما أشعر بالضعف؟

ما كتبته في مقالي هذا ليس إلا قدر يسير من هذا الموضوع المعقد، الذي زاد من عبء مسؤوليتي كأم، مسؤولية التربية التي تتطلب الحذر والتعلم الدائم واستشارة المختصين وأصحاب الخبرات، حتى لا تكون الأذية المحتملة التي سنتركها في نفوس أطفالنا كبيرة. أعرف أننا لن ننجو من الخطأ مهما حاولنا، لكن على الأقل علينا أن نحاول تخفيف حجم الأذية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard