هتك للطفولة ونزيف للأحلام... لماذا نصرّ على زواج الأطفال؟

الأحد 11 أكتوبر 202010:03 ص

زواج القاصرات... قصة بائسة نشاهدها على شاشة السينما أو التلفاز، ونشاهدها أكثر حولنا. نحزن، نتأثر. نبكي حال طفلة نرى كيف يضيع مستقبلها من بين أيديها بمباركة أهلها، وعلى أنغام الموسيقي والزغاريد.

تمرّ طفولة الفتاة أمام عينيها، كشريط انتهى سريعاً. دون مقدمات، تذهب لحظات البراءة إلى غير رجعة، لتحلّ محلها حياة مغايرة، مثقلة بمسؤوليات لا تعيها.

كل يوم، تتكرر ذات المأساة بحذافيرها: الفستان الأبيض الذي يفتك بمَن ترتديه، ويتحوّل فجأة من حلم بالسعادة إلى كابوس يرافقها بقية عمرها.

زواج القاصرات يُعتبر نتيجة طبيعية لعدم المساواة المترسخ بين الجنسين، ويجعل الفتيات الأكثر تضرراً من هذه الممارسة، على نحو غير متناسب، إذ نجد أن الفتيان يشكلون 20% فقط من حالات زواج الأطفال، والباقون من الفتيات.

العنف في التفاصيل

تشرح رحمة التركي، أخصائية في الطب النفسي والصحة العامة واستشارية في الصحة الإنجابية، لرصيف22، التبعات الصحية المترتبة على زواج الأطفال، مؤكدة أنها تكون أشد عنفاً على الفتيات منها على الفتيان.

تبدأ المشاكل الصحية في الكثير من الأحيان في ليلة الزفاف في صورة نزيف أو تهتك في الجهاز التناسلي للفتاة، كما أن الحمل في سن مبكر يضعف جسم الفتاة ويسبب لها نقصاً في عناصر هامة مثل الكالسيوم، تحتاجها خاصة وأنها لم تُتمّ نموها الجسدي بعد.

كذلك تزيد احتمالات الولادة القيصرية والولادة المبكرة، وعدم القدرة على الإرضاع، ويكون أطفال هؤلاء الفتيات أكثر عرضة للإصابة ببعض العيوب الخلقية.

بالإضافة إلى ذلك، هنالك الآثار الاجتماعية، إذ تتوقف الفتيات عن الدراسة، ولا يتوافر لديهن أي دخل مادي ولا تمكين اجتماعي، فنرى فتاةً صغيرة تواجه حياة جديدة يجب عليها التعامل معها بكل جدية ومسؤولية، وليس معها ما يؤهلها من خبرة اجتماعية أو مهارات، ما يجعلها أكثر عرضة للعنف المنزلي، لأن الزوج في الكثير من الأحيان يراها طفلة ويرغب في أن "يربّيها على يديه"، على ما يراه صحيحاً ومناسباً.

تشرح التركي: "يبدأ العنف الجنسي من ليلة الزفاف، عندما تُجبَر الفتاة على الاتصال الجنسي"، وتشير إلى أنه في بعض الحالات، "يبدأ التشكيك في شرفها إذا رفضت، فتُعرَض على أخصائي بأمراض النساء للفصل في الأمر، أو تُجبَر قسراً على المعاشرة في وجود بعض النساء من العائلتين للتحقق من عذريتها، ويفضّ الزوج أو القابلة بكارتها بقطعة من القماش الأبيض كما جرى العرف".

جدير بالذكر أن أعلى نسبة وفيات للفتيات في الفئة العمرية من 15 إلى 19 عاماً هي بسبب الولادة في هذه السن الصغيرة، كما أن خطر وفاة الأطفال حديثي الولادة في السنة الأولى، يزيد في حال الأمهات الأقل من 18 عاماً بنسبة 60%.

زواج القاصرات... حرام؟

من الاعتقادات الشائعة أن الدين يشجع على التبكير في الزواج، حتى يحمي الإنسان نفسه من الوقوع في الرذيلة. ولكن الواقع أثبت أن رجال الدين المعاصرين ليسوا على قلب رجلٍ واحد في هذه المسألة، بل هم على طرفي نقيض، وهذا بالقطع لا يصبّ في مصلحة الأطفال.

نجد مثلاً أن دار الإفتاء المصرية أكدت أن زواج القاصرات حرام شرعاً، لأنه ينتج عنه العديد من المفاسد في المجتمع، وذلك لأن الإسلام اعتنى بالأسرة بشكل كبير، وبتكوينها على أسس سليمة لتكون كياناً متماسكاً ومستداماً. واعتبرت أن الحكم الشرعي المتوافق مع الواقع والذي يحقق الهدف المرجو من الزواج هو حرمة زواج القاصرات، وهو ما تصدّقه القاعدة الشرعية: "دَفع المفاسِد مُقدَّمٌ على جلبِ المصالِح".



وبالمثل، اعتبرت "النساء العالمات" في إندونيسيا، في اجتماع عقدنه في نيسان/ أبريل 2017، أن زواج الأطفال لا يأتي بأية مصلحة وإنما بأضرار عديدة وعدم استقرار طرفي الزواج وأبنائهم معهم، وذلك بالبناء على أن هدف الزواج هو السكينة والمودة والرحمة وأن الله نهى عن إلقاء النفس إلى التهلكة. هذا بالإضافة إلى ضرورة وجود الرضا في النكاح، وهو غير متحقق في حالة الأطفال، مع الأخذ في الاعتبار الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل، وكذا الحقائق الواقعية مثل العلاقة المباشرة بين الأمية وزواج الأطفال، وزيادة وفيات الأمهات الصغيرات بالسن، وكذا أبنائهنّ.

لكن على الجانب الآخر، نرى للشيخ عبد العزيز بن باز، المفتي الأسبق للسعودية، رأياً مغايراً أو لنقل معاكساً. فبالرد على سؤال ورد إلى موقعه الرسمي عن حكم الشرع في الزواج المبكر للفتى والفتاة، كانت إجابته أن الزواج المبكر أفضل إذا تيسر، وذلك لأن وصول الإنسان لمرحلة البلوغ، يجعله عرضة للخطأ، فلا بأس للرجل أن يتزوج في سن الخامسة عشر، أو قبل ذلك إذا بلغ!

ويرى أن الفتاة كذلك، إذا بلغت تسعاً فأكثر، فلها أن تتزوج بناء على زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بالسيدة عائشة وهي بنت تسع سنين.

"كل يوم، تتكرر ذات المأساة بحذافيرها: الفستان الأبيض الذي يفتك بمَن ترتديه، ويتحوّل فجأة من حلم بالسعادة إلى كابوس يرافقها بقية عمرها"

تحذّر فاتن نبهان، قائدة فريق الخدمات والتمكين المجتمعي في "مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي" في فلسطين، من الأمر، وتقول لرصيف22: "للأسف هناك مجموعة كبيرة ممَّن يدّعون أنهم رجال دين وممّن تحكمهم العادات المجتمعية والفكر الأبوي الذكوري، عارضوا إقرار قانون بتحديد سن الزواج بثمانية عشر عاماً، بشدة وحاولوا الضغط على الحكومة لوقفه، وهاجموا المؤسسات النسوية والحقوقية ولكن لم ينجحوا في ذلك".

بينما تلفت نهلة طاهر، مدربة في شبكة تثقيف الأقران (Y-Peer)، في صعيد مصر، إلى "أن وجود رجال الدين ضمن مجموعات المناصرة والتوعية، يرجّح كفة العاملين في مجال حقوق الطفل ومناهضة زواج الأطفال، لأن تأثيرهم لا يزال كبيراً. كذلك يكون وجود متدربين من دارسي الشريعة، إضافة كبيرة، إذ تكون مساهمتهم متميزة في إقناع المحيطين بهم".

وشبكة تثقيف الأقران هي مُبادرة يشرف عليها ويمولها صندوق الأمم المتحدة للسُكان (UNFPA) وتجري بالتعاون مع أكثر من 500 منظمة حكومية وغير حكومية، وتضم آلاف الشباب الذين يقومون بالتوعية في موضوعات الصحة الجنسية والإنجابية.

لماذا يقف القانون عاجزاً؟

تشرح نبهان الوضع القانوني لزواج الأطفال في الضفة الغربية في فلسطين، وتقول: "لم يرتفع سن الزواج في القانون إلا العام الماضي (2019)، وهذا جعل مَن يودّ تزويج ابنته قبل السن القانوني يتهافت على المحاكم الشرعية قبل إقرار القانون بأيام، وسُجّل عدد كبير من حالات عقد القران".

ورغم صدور قرار بقانون يرفع سن الزواج إلى 18 عاماً في فلسطين، إلا أنه أعطيت مساحة للاستثناءات بتقدير القاضي، وهذا للأسف أتاح فرصة أن يكون الاستثناء هو القاعدة كما تابعنا خلال الفتره القصيرة التي أعقبت صدور هذا القانون.

أما في قطاع غزة، فتُطبق المحاكم قانون حقوق العائلة رقم (303) المصري للعام 1954، والذي يحدد سن الزواج بـ18 سنة للذكر و17 للأنثى، وبدوره يشرّع للاستثناء إذ يسمح للقاضي بتزويج الفتاة منذ سن التاسعة والفتى منذ سن الـ12.

ولا يختلف الوضع كثيراً في دول أخرى من المنطقة، إذ نجد في قوانين العديد من الدول العربية نفس الشرط الذي يقضي بإعطاء القاضي الحق في استثناء البعض من الوصول لسن 18 سنة كشرط للزواج، ما يفتح الباب للمزيد من تلك الزيجات.

أما في لبنان، فهنالك 18 طائفة دينية، لكل منها قانون خاص للأحوال الشخصية ويختلف تحديد السن الأدنى للزواج بينها. فالطوائف الكاثوليكية تحدد سن الزواج للذكور بـ16 سنة، والإناث بـ14 سنة. أما الأرثوذكس فيعتبرون أن السن المناسب للزواج هو 18 سنة، للذكور والنساء على حدٍ سواء، فيما تحدد الطائفة الإنجيلية سن الرشد للذكور بـ18 سنة، وللإناث بـ16 سنة. والجدير بالذكر أن هناك استثناءات يُسمح بها في كل الطوائف سالفة الذكر.

وعند المسلمين في لبنان، يُعتبر السنّة أن السن القانوني للزواج هو 18 سنة للذكور و17 للإناث، ولكن للقاضي أن يأذن بزواج الفتى الذي وصل عمره إلى 12 سنة، والفتاة التي وصل عمرها إلى 9 سنوات، إذا بلغت، ووافق وليها. أما الشيعة، فتتمثل الممارسة المستقرة عندهم في إثبات البلوغ، ويُتوقع بلوغ الذكر في سن 15 سنة، والأنثى في سن 9 سنوات. بينما سن الزواج عند الدروز هو 18 سنة للذكر و17 للأنثى مع جواز أن يصير 16 عاماً للذكر و15 للأنثى بقرار من شيخ العقل.

هل يمكن القضاء على زواج الأطفال؟

رغم وجود القانون وتصريحات دينية تناهض زواج الأطفال، إلا أن الممارسة لا تزال مستمرة. فلماذا؟

تختلف الأسباب المؤدية إلى هذه الممارسة أو الجريمة. يحتلّ الفقر نصيب الأسد، لأن بعض الأسر تعتقد أن تزويج الفتاة يخفف من العبء الاقتصادي عليها، أو يؤمّن للفتاة مستقبلاً أفضل. أيضاً، يكثر زواج الأطفال وقت الأزمات والكوارث، لإعالة الفتيات أو حمايتهن من العنف الجنسي الذي تزيد وتيرته في هذه الظروف.

"تبدأ المشاكل الصحية في الكثير من الأحيان في ليلة الزفاف في صورة نزيف أو تهتك في الجهاز التناسلي للفتاة، كما أن الحمل في سن مبكر يضعف جسم الفتاة ويسبب لها نقصاً في عناصر هامة مثل الكالسيوم"

هناك العديد من الجهود التي تقوم بها مؤسسات محلية ودولية لمناهضة زواج القاصرات، ولكن ربما تكون غير كافية.

تستعرض نبهان التدخلات المتعددة لمواجهة تفشي هذه الظاهرة، وتشرح أنها تكون بالعمل على عدة مستويات، إمّا حملات توعية للفتيات والأهل، أو حملات ضغط ومناصرة لتعديل قوانين كما حصل في رفع سن الزواج.

وتضيف أن التدخلات ممكن كذلك أن تأتي في صورة دعم التعليم وتوفير منح دراسية، أو إصدار دراسات تحليلية واستهداف الإعلام لإبراز هذه القضية من خلال البرامج والأفلام، وأخيراً حماية الأطفال من العنف والتمييز من خلال شبكة حماية الطفولة.

أما طاهر فتشرح لرصيف22: "نقوم بتدريب الشباب على استخدام عدة حجج لإثبات مضار زواج الأطفال للمحيطين بهم، سواء أكانت تلك الحجج طبية أو دينية أو غير ذلك، حتى نضمن قدرة أكبر على التأثير".

وتضيف أن هناك مَن لا يقتنع إلا بسماع المعلومة من متخصص، كرجال الدين أو الأطباء ونحو ذلك، فيقوم المدرب في هذه الحالة بتوفير الخبير بالفعل.

وبينما تتزايد الجهود التنموية والتوعوية في مجال حقوق الطفل ومناهضة زواج الأطفال، إلا أن المعدلات لا تزال عالية، ولا يُنتظر أن يحدث تغيير جذري في المستقبل القريب.

فعلى الرغم من أن الأسباب المؤدية لزواج القاصرات تبدو وكأنها تنحصر في الفقر والجهل وقلة الحيلة، إلا أن الحقيقة التي نعرفها جيداً هي أن لهذه الممارسة علاقة بالصورة الذهنية المكوّنة عن الأنثى في مجتمعاتنا العربية، فهي حلقة في مسلسل يحكي قصة الفتاة من خلال عدسة تركّز على الجنس، عدسة ترى ولادتها شؤماً، وجسدها فتنة، والتحرش بها مقبول، والإنفاق عليها عبء، وتعليمها هدر، ورغباتها نذير بالفضيحة...

فهل بالإمكان تغيير هذه العدسة ورؤية نصف المجتمع الذي لطالما غضضنا الطرف عنه؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard