تدريبات "حماة النيل" المصرية السودانية... حدث واحد وقراءات متعددة

السبت 29 مايو 202101:51 م

تعامل كثير من المهتمين بالشأن العربي مع إعلان المتحدث العسكري للجيش المصري عن بدء تدريبات "حماة النيل" المشتركة بين الجيشين المصري والسوداني، والتي بدأت في السادس والعشرين من أيار/ مايو وتستمر أربعة أيام، على أنها رسالة تهديد مباشرة للجانب الإثيوبي، وتلويح بعصا الحرب.

وعزّزت ذلك الشعور، بعض التصريحات التي تظهر بين الحين والآخر في الإعلام المصري، وآخرها تصريح أستاذ العلوم السياسية المصري ومقدم برنامج تلفزيوني معتز بالله عبد الفتاح الذي قال صراحة : "نعم دقّت طبول الحرب، سيذهب جنودنا لتحرير النهر الأسير".

لكن إذا كان الكثيرون قد اختاروا طواعية أن يروا التقارب المصري السوداني العسكري الأخير من تلك الزاوية، فهل تلك هي الصورة الكاملة؟ أم أن للداخل السوداني حسابات أخرى؟

تعقيدات المشهد السوداني

المشهد السوداني شديد التعقيد، والحكومة المدنية بقيادة عبد الله حمدوك تسعى إلى قيادة سفينة المرحلة الانتقالية وسط رياح الأزمات العاتية داخلياً وخارجياً، على الصعد كافة: الاقتصادية والسياسية والمجتمعية.

فذكرى مذبحة القيادة العامة، في 3 حزيران/ يونيو القادم، والتي تستعد العديد من القوى الثورية لإحيائها بالتظاهر، ورفع شعارات ثورية يرونها "حقوقاً شرعية"، يراها السياسيون غير مناسبة في اللحظة الراهنة، مثل محاكمة قادة القوات المسلحة المسؤولين عن وقوع المذبحة، وهو ما يعني ببساطة تحويل القيادات الممثلة للمكوّن العسكري داخل المجلس السيادي كافة. هذا بالإضافة إلى مطالبتهم بحلول عاجلة للأزمة الاقتصادية الطاحنة، مع وجود أصوات يسارية وشيوعية رافضة لكل تحرك في اتجاه الاقتراض الذي يرونه خيانة للثورة، وبيعاً للسودان.

بالإضافة إلى تلك الأمور ثمة ملفات أبرز على الصعيدين الإقليمي، والمحلي.

فعلى الصعيد الإقليمي، يبدو الأمر شديد الضراوة والتعقيد، فمن الغرب جاء اغتيال رئيس تشاد السابق، وحالة عدم الاستقرار هناك، ليلقي بظلاله على الوضع في السودان. ومن الجنوب تأتي الأزمات السودانية-الإثيوبية: أزمة "سد النهضة"، وأزمة الحدود "الفشقة"، ويمكن الحديث أيضاً عن أزمة "بني شنقول" (منطقة بناء سد النهضة).

المشهد السوداني شديد التعقيد، والحكومة المدنية بقيادة عبد الله حمدوك تسعى إلى قيادة سفينة المرحلة الانتقالية وسط رياح الأزمات العاتية داخلياً وخارجياً، على الصعد كافة: الاقتصادية والسياسية والمجتمعية

وفي الشمال أزمة حدودية (حلايب وشلاتين)، لا ينفكّ بعض المعارضين من التلويح بها من آنٍ إلى آخر، خاصةً ممن يرون أن النظام المصري أخطر على السودان من نظيره الإثيوبي، مستندين في ذلك إلى تاريخ العلاقات المصرية-السودانية منذ دولة محمد علي.

دلالة المناورات المصرية السودانية المشتركة

مستشار مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية نبيل عبدالفتاح، شرح الموقف لرصيف22 من زوايا عدة منطلقاً من دلالة تلك المناورات، قائلاً: "دلالة هذه المناورات تبدو أولاً من اسمها ‘حماة النيل’، ما يشير إلى رمزية الدور العسكري وفاعليته في إضفاء الحماية على المصدر المائي الحيوي لكلي البلدين في ضوء التحركات الإثيوبية الرامية لتحويل المياه إلى أداة ضغط سياسي على مصر والسودان. وسعي إثيوبيا إلى تسليع المياه وفق ما كان يدور في بعض مؤسسات التمويل الدولية منذ عقود خلت من القرن الماضي".

رؤية اختلف معها الباحث السوداني المتخصص في الشؤون الإفريقية مصطفى دردق، الذي قال لرصيف22: "لا ينكر أحد أهمية الوضع الإقليمي. لكن هناك أزمات محلية عميقة وحساسة لا يمكن إغفالها في المشهد، حتى وإن قصَرنا رؤيتنا على الجانب الإقليمي، فسنجد أن ملف سد النهضة ليس وحيداً على الطاولة الإقليمية بالنسبة إلى السودان، فالتهديدات الحدودية الناتجة عن أزمات داخلية لدول الجوار مثل إثيوبيا وتشاد، ليست بالهيّنة. فبالإضافة إلى الخلاف على منطقة بني شنقول، محل بناء السد، يشمل الصراع الحدودي مع إثيوبيا منطقة "الفشقة" الشاسعة المساحة والشديدة الخصوبة".

هذه النقطة تحديداً أيّدها عبد الفتاح، إذ أكد على تشكيل المناورات نقطة دعم للسودان تجاه إثيوبيا في ما يخص أراضيه التي احتلتها الأخيرة، وسمح بها البشير ونظامه في مناوراته السياسية (في إشارة إلى منطقة الفشقة).

انقسام المجلس العسكري السوداني

بالنظر إلى الداخل السوداني، نجد أنفسنا في قلب غابة من المعطيات الكثيفة والمتشابكة، فالمجلس السيادي ينقسم بشكل رسمي إلى مكوّنين: مكوّن مدني بقيادة عبد الله حمدوك، ومكوّن عسكري بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان. لكن هناك حديث علني عن معارضة سياسية من قبل أحزاب وكيانات عدة رافضة لسياسات الحكومة الانتقالية.

أيضاً هناك حديث خفيّ عن صدع يشقّ المكوّن العسكري بين القوات النظامية بقيادة البرهان من جهة، وبين قوات الدعم السريع "مليشيات الجنجويد سابقاً" بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي".

عسكرياً، لا يمكن إنكار أن قوات الدعم السريع ولاؤها شخصي لقائدها وحده، وهي في تكوينها ليست قواتٍ عسكريةً نظامية، بل ميليشيا عسكرية تمّت شرعنتها قبل سنوات قليلة بقرار من رأس النظام السابق عمر البشير. وسياسياً يستحيل إغفال التعامل المباشر بين حميدتي وبين الإمارات، إنْ على المستوى الاقتصادي بتصدير الذهب الخام من منطقة جبل عامر، أو على المستوى العسكري عبر مشاركة قواته برّياً في حرب اليمن، والمعروفة باسم "عاصفة الحزم".

في الشمال أزمة حدودية (حلايب وشلاتين)، لا ينفكّ بعض المعارضين من التلويح بها من آنٍ إلى آخر، خاصةً ممن يرون أن النظام المصري أخطر على السودان من نظيره الإثيوبي، مستندين في ذلك إلى تاريخ العلاقات المصرية-السودانية منذ دولة محمد علي

هذا بالإضافة إلى وجود حركات الكفاح المسلح الفاعلة في الداخل السوداني، والتي تسعى الحكومة الانتقالية حالياً إلى تسوية الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية معها لإنهاء حالة الاقتتال، ونشر السلام في ربوع السودان.

حاول دردق أن يقودنا داخل هذه الغابة الكثيفة، فقال: "الكثيرون لا يرون الصورة بتفاصيلها الدقيقة. بل ينظرون إلى الوضع الإقليمي والمصالح المشتركة المباشرة فحسب. لكن بالنظر إلى تفاصيل المشهد، والمصالح المشتركة طويلة الأمد، نرى أن السودان مقبل على مرحلة مهمة ومفصلية. ولن أبالغ إذ قلت إنها الأهم في تاريخه الحديث، فالحكومة المركزية وقّعت اتفاقات مبدئية عدة مع حركات الكفاح المسلح كافة، ومن الواضح أن هناك إرادة سياسية حقيقية لتسوية ملف "السلام" في السودان. الأمر الذي سيحتاج، حال إتمامه، ولاكتمال عملية بناء السلام هناك، إلى إحلال قوات الكفاح المسلح ودمجها في الجيش الوطني السوداني، بالإضافة إلى إعادة هيكلة واسعة للأجهزة الأمنية المتعددة في الشارع السوداني (إحدى المشكلات التي خلّفها نظام البشير)، وهو أمر شديد الأهمية والحساسية، ويحتاج بطبيعة الحال إلى عون ودعم كبيرين جداً لن يتحققا إلا بتوافر دعم وتعاون إقليميين ودوليين".

محاولة لدعم المؤسسة العسكرية التقليدية في السودان

وتابع مستشار مركز الأهرام للدراسات تصريحاته لرصيف22 قائلاً: "داخلياً تشكّل هذه التدريبات المشتركة دعماً للمؤسسة العسكرية التقليدية في السودان إزاء محاولات بعض القوى الإقليمية دعم قوات الدعم السريع في الصراعات المحتملة على السلطة، حرصاً على مصالحها ورغبتها في التأثير على مصر من ناحية، والاستثمار في أراضي السودان من ناحية أخرى".

الأمر الذي اتفق فيه مع رؤية مدير مركز الحكم الرشيد ورفع القدرات في الخرطوم أسامة عبد الرحمن الذي قال لرصيف22: "إن تأثير هذا التعاون سيكون شديد العمق في تركيبة المؤسستين العسكريتين على قدم المساواة، وأيضاً على مستوى وضعيهما في المنطقة، فالمناورات في حد ذاتها يمكن للجانب السوداني أن يسوّقها سياسياً كترسيخ لأقدام مؤسسته العسكرية الرسمية في مواجهة اقتراحات خليجية بتذويبها لصالح قوات الدعم السريع".

مصر واستعادة عافيتها الإقليمية

أما عن التنافس السياسي على مستوى الإقليم، فاتفق كل من أسامة عبد الرحمن الذي قال: "يمكن للجانب المصري تسويقها كتلويح بالقوة في وجه أي منافس إقليمي محتمل".

لا ينكر أحد أهمية الوضع الإقليمي. لكن هناك أزمات محلية عميقة وحساسة لا يمكن إغفالها في المشهد، حتى وإن قصَرنا رؤيتنا على الجانب الإقليمي، فسنجد أن ملف سد النهضة ليس وحيداً على الطاولة الإقليمية بالنسبة إلى السودان

ونبيل عبد الفتاح الذي اختتم مداخلته مع رصيف22 بالإشارة إلى الوضع في الداخل الإثيوبي قائلاً: "الخطير في الأمر، هو أن النخبة الإثيوبية الحاكمة بقيادة آبي أحمد تحاول توظيف سد النهضة كمركز للتعبئة السياسية للمكوّنات العرقية الداخلية، في ظل الصراع الداخلي، والحرب التي يشنها النظام بالتعاون مع النظام الإريتري على إقليم تيغراي. لذلك تأتي سلسلة المناورات بمثابة رسالة واضحة إزاء الطموح الإمبراطوري الإثيوبي في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل؛ من أجل إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة".

من جانبه ذهب مدير مركز الحكم الرشيد نحو الأغراض العملية للمناورات، فقال: "التنسيق الجاري الآن بين المؤسستين العسكريتين أعمق بكثير من أن يكون مرتّباً من أجل أسباب تكتيكية مرحلية فحسب، إنما كل طرف يجد في الآخر مُكمّلاً لما ينقصه بشكل أساسي. الجانب المصري يسعى إلى استعادة عافيته الإقليمية في الشرق الأوسط وإفريقيا، والجانب السوداني يعمل على إعادة بناء ما دمّره النظام البائد. الجانب المصري اعتاد أن يعمل في القضايا الإقليمية مع ظهيره الحيوي، وفي هذا الجانب ليس أقرب من الجيش السوداني ليتعاون معه، ذلك بحكم التجارب التاريخية، والمشاركات العسكرية السودانية في الحروب المصرية منذ 1967. قد لا يعرف البعض أن هناك مواطنين سودانيين يتقاضون رواتب من الجيش المصري، كونهم خدموا في مناطق مصرية لصالح الجيش المصري".

وأضاف: "لكن عدم معرفة العامة بذلك، لا ينفي التاريخ، ولن يوقف التعاملات المستقبلية، خاصةً وأن الجيوش النظامية في الإقليم قليلة جداً، ما يجعل الاختيارات أمام الجيش المصري محدودة للغاية. كان هناك جيش عراقي، وجيش سوري، أما الآن، فليس هناك جيش بالمعنى القتالي الحقيقي سوى في الجزائر والسودان".

استكمل عبد الرحمن توضيحه لهذه الزاوية العملية للأمر، بقوله: "عسكرياً، الجيش المصري متفوق على الصعيد التقني والتنظيمي، وعلى مستوى سلاحَي الطيران والبحرية، بينما يتميّز الجيش السوداني على مستوى المدفعية والمشاة، والأهم خبرته القتالية بسبب الحروب السودانية المتعددة خلال فترة حكم النظام السابق. لذلك أعتقد أن العمل القائم الآن، الهدف منه توحيد نظم الإدارة والقيادة والسيطرة بين الجيشين، وهو عمل كبير وضخم، فإذا ما تم نقل ضابط من أحد الجيشين للعمل كمنتدَب في الجيش الآخر، لن يجد أي فارق على مستوى نظم الإدارة أو النظم العملياتية".

الخلافات المصرية السودانية

لا يمكن إنكار وجود ملفات خلافية بين الجانبين، أبرزها ترسيم الحدود، المتمثل في تنصّل الطرفين من منطقة بير طويل، وصراعهما على منطقة حلايب وشلاتين، لكن وكما قال عبد الرحمن: "لا يصارع جميع منافسيه في اللحظة نفسها إلا الأحمق. والسياسة في مفهومها البسيط هي اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، والآن لدينا أزمة حدود مع إثيوبيا حول الفشقة، وأزمة مائية نحن ومصر مع إثيوبيا بسبب سد النهضة، وأيضاً لدينا أزمة حدودية مع مصر حول حلايب، فلا يعقل أن أفتح كل هذه الملفات في اللحظة ذاتها، إذ لن يخسر إلا السودان".

وختم قائلاً: "المنطق البسيط يقضي بأن يتحرك السودان طبقاً للمعطيات المتاحة، فبما أن هناك صراعاً داخلياً في إثيوبيا بين الحكومة المركزية في أديس أبابا، وبين حكومة إقليم تيغراي، لذلك ستنسحب قواتهم من منطقة الفشقة لتقوية الجبهة الداخلية، فتعيد قواتنا انتشارها بشكل سلمي، وتفرض سيطرتها على المنطقة، وتخلق بذلك أمراً واقعاً جديداً يتماشى والحدود الدولية.

أما الأزمة مع مصر فلنجلس معاً على طاولة المفاوضات، أو فلنذهب معاً إلى المحكمة الدولية، لكن ليس من الحكمة في شيء أن أعلن حالة حرب حول الحدود مع مصر في الشمال، ومع أثيوبيا حول الحدود والماء في الجنوب. إنه أمر جنوني. لا أنكر أن منطق "النقاء الثوري" يبدو برّاقاً وجذاباً، لكن لا يمكن لعاقل إنكار استحالة عدّه منهجاً سياسياً مقبولاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard