حمدوك في مكة... هل ابتعد السودان عن مسار الدولة المدنية؟

الخميس 11 مارس 202105:54 م

تداول السودانيون بكثرة صور وفيديوهات لرئيس الوزراء عبد الله حمدوك، في صحن الحرم المكي، أثناء تأديته مناسك العمرة في زيارته الأخيرة للمملكة العربية السعودية.

وبعيداً عن الموقف الشخصي لحمدوك من قضية التدين، أعادت الزيارة للأذهان التساؤلات التي يتجنبها السودانيون عادةً بشأن هوية دولتهم الخارجة لتوها من قبضة الحكم الإسلامي بقيادة المخلوع عمر البشير (تموز/يونيو 1989 – نيسان/ أبريل 2019).
وتساؤلات أخرى من شاكلة مصادر التشريع في بلادهم، وعن موقف التيار العلماني، ومدى قوة أطروحة الدولة المدنية، والأهم مدى تقبل المجتمع لهذه الاتجاهات والتوجهات الفكرية.

موقف منصات التواصل

للتأسيس لهذا الموضوع انطلاقاً من عمرة حمدوك، يلزمنا ابتداءً أخذ جولة سريعة على ما أحدثته هذه الزيارة من ردات فعل في مواقع التواصل الاجتماعي.
تراوحت ردات الفعل بين أنصار مباهين بعمرة حمدوك باعتبارها دليلاً دامغاً لمن يقول بإلحاده أو معاداته للدين.

وكان الداعية عبد الحي يوسف، وهو من الموالين للنظام السابق اللائذين بتركيا، فظهر في فيديو يصف حمدوك بالكافر والدهري.

في نفس فسطاط عبد الحي، تفاعل مناوئو حمدوك ممن يعتقدون أن أداءه العمرة لا يعني بالضرورة أن حكومته توقفت عن سلوكها المعادي للدين.

وانحصرت حملة الفريق الثالث في الدعاء لرئيس الوزراء بأن يتقبل الله منه العمرة، وثوابها، لا سيما وهي تصادف ليلة الإسراء والمعراج.

هوية الدولة السودانية بين التدين والعلمانية

عقب استقلال السودان في العام 1956 احتكمت البلاد إلى دساتير مدنية، وأخرى عسكرية، وظهرت أنظمة دينية ثيوقراطية خلال حقبتين زمنيتين.
أول ظهور حقيقي للدولة الدينية في السودان الحديث كان في العام 1983 حين أعلن الجنرال جعفر النميري تطبيق الشريعة الإسلامية، وبدأ في تطبيق الحدود وإلغاء الأحكام العرفية.
ويرى مؤرخو تلك الفترة أن تحول النميري الواصل للحكم عن طريق الانقلاب بدعم من الحزب الشيوعي في العام 1969 إنما كان في محاولة لضخ دماء جديدة، وكسب أنصار جدد بعد ضربات عديدة تلقاها جراء المعارضة الشرسة، والتردي الاقتصادي، وموجة جفاف حادة وتصحر ضربت البلاد والإقليم في مطلع الثمانينيات.
أعادت زيارة حمدوك للأذهان التساؤلات التي يتجنبها السودانيون عادةً بشأن هوية دولتهم الخارجة لتوها من قبضة الحكم الإسلامي بقيادة المخلوع عمر البشير، وتساؤلات أخرى من شاكلة مصادر التشريع في بلادهم، وعن موقف التيار العلماني، ومدى قوة أطروحة الدولة المدنية

وكانت تلك الحقبة سوداوية في تاريخ البلاد، حيث تنامت ظواهر قطع الأيادي، والجلد العلني، وعاد التمرد في جنوب السودان (المسيحي)، إلى أن وصلنا ذروة المأساة بإعدام زعيم الحزب الجمهوري، وأحد التجديديين في العصر الحديث، محمود محمد طه في العام 1984 بتهمة الردة عن الدين الإسلامي.

وبعد الإطاحة بالنميري إثر ثورة شعبية (نيسان/أبريل 1985)، جرى إلغاء أحكام الشريعة الإسلامية، وأعيد العمل بالقانون المدني.
بيد أن ذلك لم يستمر طويلاً، إذ أطاح الجنرال عمر البشير، بدعم من الجبهة الإسلامية القومية (الأخوان المسلمون)، عبر الانقلاب بالحكومة المنتخبة، وبدأ في إعادة أحكام الشريعة الإسلامية مباشرة.
ورفع البشير شعارات دينية لتبرير حروبه في جنوب السودان الذي انفصل لاحقاً إزاء هذه المعاملة التمييزية، عقب استفتاء شعبي، صوت فيه 99% لصالح الانفصال في 2011.
وأدت نزعات البشير الدينية إلى تحول السودان قبلة لعدد كبير من الشخصيات والتنظيمات الإرهابية، يأتي على رأس ذلك استضافة زعيم القاعدة أسامة بن لادن.
ومن ثم تحول البشير إلى دعم عدد من الأنظمة ذات التوجهات الإسلامية في المنطقة والإقليم (الحركات الجهادية، حماس، التنظيم الدولي للأخوان المسلمين)، والدخول في أحلاف مع دول معادية للغرب (إيران وتركيا).
ومع رفع شعارات معادية للغرب (أمريكا روسيا) جرى تصنيف الخرطوم عاصمة راعية للإرهاب منذ العام 1993 ولم تبارح هذا التصنيف إِلَّا في تشرين الأول/أكتوبر 2020 وبعد قرابة عام ونصف من رحيل نظام البشير.
داخلياً، أدت محاولات أسلمة المجتمع، بصورة جبرية، وإعطاء مسوغات لقمع المعارضين بدعوى خروجهم على الدين والحاكم، إلى تنامي كره الأخوان المسلمين، لا سيما أن ذلك تزامن مع فساد مالي كبير، وتحول رجالاته إلى أصحاب ثروات ضخمة في بلد يرزح 80% من سكانه تحت خط الفقر، بجانب انحرافات كان يطل بعض منها في تقارير المراجع العام.
كذلك سن البشير قوانين (النظام العام) السيئة الصيت، والموجهة إلى النساء على نحوٍ خاص، بل محاكمة سلوكهن وأفعالهن وحتى أزيائهن، ومعاقبتهن وجلدهن علانية، علاوة على وضع نصوص في قانون الأحوال الشخصية تعطي الولاية للرجل في قضايا (الزواج، الطلاق، سفر الأطفال)، الأمر الذي كان سبباً في أن تكون النسوة حاضرات بقوة في مواكب الثورة.

بمَ يحكم السودان الآن؟

يحتكم السودان حالياً إلى وثيقة دستورية (آب/أغسطس 2019) لفترة انتقالية، تستمر لأربع سنوات. تقول الوثيقة في ديباجتها: "إيماناً بمبادئ ديسمبر 2018 المجيدة، ووفاء لأرواح الشهداء، وإقراراً بحقوق كافة المتضررين من سياسات النظام السابق، وإقراراً بدور المرأة ومشاركتها الفاعلة في إنجاز الثورة، واعترافاً بقيادة الشباب للحراك الثوري، واستجابة لتطلعات الشعب السوداني، لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، وفقاً لمشروع نهضوي متكامل، وإرساء لمبدأ التعددية السياسية، وتأسيس دولة القانون التي تعترف بالتنوع، وترتكز على المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، وتعلي قيم العدالة وحقوق الإنسان".
يتأسف الناشط اليساري، عبد الناصر مجذوب، من حالة الاكتفاء بقراءة (عمرة حمدوك) ضمن سياقات الكفر والإيمان فقط.
ويقول في حديثه مع رصيف22 إن المخلوع البشير كان حريصاً على الحج والعمرة، وأداء الصلوات، وإقامة المساجد، ومع ذلك فصل جنوب السودان، وقتل عشرات الآلاف في دارفور، وجعل السودان متصدراً قوائم الفساد، وفي آخر قوائم الشفافية.
تقدر المتخصصة في شؤون الجماعات الدينية، سماهر بشير، العلمانيين السودانيين بناء على إحصاءاتها بنسبة دون 5% في الأوساط المجتمعية، وتعلو هذه النسبة إلى قرابة  25% حين يتصل الموضوع بأنصار دولة المواطنة والدولة المدنية
ويواصل مجذوب: "بناء على ذلك، تكون فكرة الإصرار على محاولة إثبات خطل فكرة الإسلاميين عن حمدوك بأنه (كافر ودهري وشيوعي)، دليلاً على مدى مشكلات العقل الجمعي الذي يرى في إمام المسجد، إماماً للناس والجماعة".

معبراً عن اعتقاده بصعوبة إقرار دستور علماني في البلاد، لصعوبات تتصل بإمساك نظام المخلوع البشير ذي التوجهات الإسلامية بجميع مفاصل البلاد طيلة ثلاثة عقود.
زد على ذلك –والكلام لمجذوب- وجود أحزاب مهمة على مستوى الخارطة السياسية ما تزال ترفع شعارات إسلامية (حزب الأمة)، أو تستند إلى طوائف دينية (الحزب الاتحادي الديمقراطي)، علاوة على انتشار التدين الشعبي (الطرق الصوفية)، وقوة صوت التيارات السلفية التي تصور العلمانية بأنها عداء سافر للدين الإسلامي، في مقابل عجز العلمانيين والليبراليين عن إيجاد لغة خطاب مشتركة مع الشارع.
ويعتقد مجذوب أن المناداة بدولة المواطنة، أو بإقامة الدولة المدنية، في المرحلة الحالية إنما هي هروب من التصريح بعلمانية الدولة خشية ردة الفعل الشعبية.
لكنه عاد وأكد أنه لا يمانع من التقية والتواري خلف دثار الدولة المدنية إذا كان ذلك لتقبل المجتمع للنصوص العلمانية.
وأضاف: "على الأقل حتى يتهيأ المجتمع لقبول فصل كامل بين الدين والدولة".

صعوبات

تقدر المتخصصة في شؤون الجماعات الدينية، سماهر بشير، العلمانيين السودانيين بناء على إحصاءاتها بنسبة دون 5% في الأوساط المجتمعية، وتعلو هذه النسبة إلى قرابة  25% حين يتصل الموضوع بأنصار دولة المواطنة والدولة المدنية.
تقول بشير لرصيف22 إن التدين الشعبي والشعبوي ما يزال سائداً، وتدلل على ذلك بأزمة المناهج التي أجبرت رئيس الوزراء للتدخل لصالح التيار الديني.
ونشبت أزمة كبيرة جراء تعديلات على المناهج الدراسية، حيث تعترض الجماعات الدينية على حذف كثير من مواد التربية الإسلامية، مع رفض نشر صور (خلق آدم) لرسام عصر النهضة مايكل أنجلو ضمن كتب التاريخ باعتبارها مسيئة للذات الإلهية.
وانحنى حمدوك لعاصفة احتجاجات الجماعات الدينية وقرر وقف التعديلات الجديدة، وهو ما تعده سماهر دليلاً على صعوبة تقبل الأفكار العلمانية بأوساط المجتمع السوداني في الوقت الراهن.

فرص نجاح

وترفض الحكومة الانتقالية البت في مسألة هوية الدولة الدينية، باعتبار أن ذلك منوط ببرلمان منتخب.
مع ذلك يؤكد الباحث السياسي، عثمان الطاهر، بأن فرص إقامة دولة علمانية في السودان بات أمراً متاحاً أكثر من أي وقتٍ مضى.
يقول الطاهر لرصيف22 إن نجاح النظام العلماني مسنود في هذه اللحظة بالإرث الكارثي لتجربة النظام البائد ذي التوجهات والشعارات الإسلامية في الحكم، وإيمان شريحة شبابية واسعة –قوام الثورة- بضرورة إحداث تغيير في فكرة العقل البنيوي السوداني، وإسناد المجتمع الدولي وحثه للخرطوم للانضمام إلى المواثيق الدولية.
لا يجوز قراءة ظهور حمدوك في بيت الله الحرام، على أن مقصده رسالة سماوية عن مدى تدين الرجل، كما ليس هو رسالة أرضية تعطي إشارات عن اتجاهات الدولة بالفترة المقبلة، وعليه ينبغي للأنصار والمناوئين التهيؤ لإحدى أهم المعارك الفاصلة، معركة التشريع بين الدولة الدينية والعلمانية
أما العنصر الحاسم لصالح العلمانية فمتمثل في اتكائها على البندقية هذه المرة.
يفسر الطاهر ذلك بأن أكبر حركتين متمردتين (الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة جيش تحرير السودان بزعامة عبد الواحد نور)، تقولان بضرورة إقرار مبدأ علمانية الدولة، كشرط رئيس لانخراطهما في مفاوضات سلام مع الحكومة الانتقالية.
وإزاء هذا الضغط الذي دفع رئيس الوزراء لابرام اتفاق إطاري مع عبد العزيز الحلو، يوافق فيه على فصل الدين عن الدولة، يرى الطاهر أن الحكومة ذاهبة إلى تبني العلمانية وتسويقها للشعب بأنها مهر عزيز للسلام.
هنا يطل سؤال غاية في الأهمية عند هذه النقطة، بشأن رفض العسكريين وبعض القوى السياسية لمبدأ فصل الدين عن الدولة.
يجيب الطاهر بأن العسكر يأنفون من إظهار أنفسهم في موقف المنقاد للحكومة المدنية، وبالتالي فإن هذا الرفض رسالة موجهة للشعب (بأننا هنا) فيما الواقع يقول إن العسكريين يخشون من سطوة المدنيين المسنودين بالخارج ومؤسساته الدولية، واتخذوا قراراتٍ غاية في الأهمية كقبولهم ضمن مجلس وزرائهم ببعثة أممية لمساندة الفترة الانتقالية (يونيتامس)، وإلغائهم قانون النظام العام، والمصادقة على جملة من المعاهدات الدولية، آخرها اتفاقية مناهضة التعذيب، واتجاههم للتوقيع على بقية الاتفاقيات بما فيها اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، والتوقيع على اتفاقية (أبراهام) الممهدة للتطبيع مع إسرائيل، أو في قراراهم الأخير بتعويم الجنيه رغم المخاطر التي تكتنف هذا الخيار.
الواضح للعيان أنه لا يجوز قراءة ظهور حمدوك في بيت الله الحرام، على أن مقصده رسالة سماوية عن مدى تدين الرجل، كما ليس هو رسالة أرضية تعطي إشارات عن اتجاهات الدولة في الفترة المقبلة، وعليه ينبغي للأنصار والمناوئين التهيؤ لإحدى أهم المعارك الفاصلة، معركة التشريع بين الدولة الدينية والعلمانية الصرفة، وتلك المتوارية في أشكال أخرى.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard