معتقلو حراك الريف: هل هي بداية الانفراج؟

الأربعاء 26 مايو 202102:51 م

أعلن المغرب عن استفادة 17 معتقلاً من معتقلي حراك الريف، من عفوٍ ملكي بمناسبة عيد الفطر (13 مايو). وجاء في بيان صادر عن وزارة العدل أن العفو  جاء جرّاء مراعاة ظروف المعتقلين الإنسانية، وقالت وزارة العدل: "اعتباراً من جلالته للظروف العائلية والإنسانية للمدانين في إطار قضايا الأحداث التي عرفتها منطقة الحسيمة، وتجسيداً لما يخص به جلالته حفظه الله رعاياه الأوفياء، وفي كل المناسبات، فقد أسبغ جلالته عفوه المولوي الكريم على 17 نزيلاً من بين المستفيدين بهذه المناسبة، وذلك بالعفو عما تبقّى من العقوبة السالبة للحرية الصادرة في حقهم". فهل هي بداية حلحلة ملفّ فتح جراح منطقة الريف المغربية؟

إقصاء قيادات الحراك

مما يلاحظ أن قياديَّيْ الحركة ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق، المحكوم عليهما بالسجن 20 عاماً، غير معنيَّيْن بهذا العفو. كما تجدرُ الإشارة إلى أن ثمانية أعضاء فقط من الحراك، هم الباقون في السجن، فهل تكون الخطوة بادرة لطيّ صفحة الملف؟

في هذا الصدد يقول الناشط والمعتقل السابق في حراك الريف جواد الصابري لرصيف22 إن خطوة العفو الملكي: "إيجابية في جميع الأحوال، وما علينا إلا أن نبارك لمعتقلينا المفرج عنهم. كان يحذونا الأمل لإنهاء قضية الاعتقال السياسي نهائياً في البلد، وفتح باب الحوار، وخلق جو انفراج حقيقي". وأضاف: "صار الجميع مقتنعاً بعدم جدوى بقاء هؤلاء الأبرياء خلف القضبان، فلا أحد يستفيد من ذلك، لأن مقاربة الدولة لحراك الريف، والمنطقة عامة، كانت مقاربة فاشلة لم تنتج إلاّ المزيد من المآسي والتراجعات الحقوقية التي تضرّ بصورة البلد".

بعد العفو الملكي عن 17 من معتقلي حراك الريف المغربي، ثمانية ناشطين فقط ما زالوا مسجونين، فهل تكون الخطوة بادرة لطي صفحة الملف نهائيّاً؟

بالإضافة إلى ذلك، نشر فريق الدعم الجماعي لمتظاهري حراك الريف #FreeKoulchi على حسابه على تويتر، بعض الأسماء لمعتقلي الحراك الذين تم إطلاق سراحهم في سياق العفو الملكي، وهم: "محمد بوهنوش (محكوم بالسجن 15 عاماً)، وسيم البوستاتي، وحسن باربا، وحسن حاجي (محكوم عليهم بالسجن 20 عاماً)، وبشير بنشيب الناشط في حركة "20 فبراير" (حُكم بالسجن 12 عاماً سنة 2012)، وعبد الحق الفحصي، وبلال أهباض (محكوم عليهما بالسجن عشر سنوات)، وجمال أولاد عبد النبي، وصهيب أكروح (محكوم عليهما بالسجن خمس سنوات)، ويونس الواعي (محكوم بالسجن أربع سنوات)".

كما يرى الصابري في تصريحه أن "حل الأزمة بِيد من هم في مراكز القرار، وما عليهم إلا إعمال العقل والحكمة بدل نهج سياسة الآذان الصماء، والعزوف عن الإنصات لهموم الضعفاء". وأضاف أن "الشروط مؤاتية لانفراج سياسي حقيقي، وفتح نقاش وطني جاد ومسؤول من أجل إعادة الاعتبار إلى مناطق عانت الإقصاء والتهميش لعقود من الزمن".

أما الباحث الجامعي عادل الطاهري (ابن منطقة الريف)، فيرى في تصريح لرصيف22 أن "حراك الريف هو الحركة الاحتجاجية الأولى التي أطلقت إنذاراً بالتراجع عن وعود مغرب ما بعد 20 شباط/ فبراير. كان صرخة سلميّة هادئة، لكن لم تجد لها صدى عند صنّاع القرار. ولهذا لم تتم الاستجابة لمطالب تستحضر البعد التنموي، ولم تُقرّ المشاريع التي نودي بها في ملفهم المطلبي الذي أُعلن على الملأ، وإنما أُطلق العنان لأساليب أخرى تجلّت في المقاربة الأمنية التي أودت بحياة متظاهر (عماد العتابي)، ثم حُرّكت مسطرة القضاء للتخلص من النشطاء البارزين، والزّج بهم في السجون، والتسبب في مأساة هي واحدة من أسوأ المآسي في الريف باعتقال مئات الشبّان، وإصدار أحكام تصل إلى قرون من العقوبات السجنية".

لكن المتحدث يبدو أكثر تفاؤلاً إذ يقول في تصريحه لرصيف22 إن "هناك مؤخراً انفراجاً نسبياً، وذلك بإطلاق سراح العديد من معتقلي حراك الريف، بعضهم كان محكوماً بعشرين سنة سجناً"، ويرى الطاهري أنه انفراج نسبي "لأن المغرب، كما لاحظ جون واتربوري في كتابه "إمارة المؤمنين" (بتطبيق النظرية الانقسامية)، دولة تعيش على وقع الأزمات السياسية والاجتماعية المختلفة، وجدلية الأزمة/الانفراج هي التي جعلت النظام السياسي يستمر في الوجود، لكنه يحفظ حياته فحسب من دون أن يرتقي ويزدهر".

وأضاف الباحث قائلاً: "الانتقائية التي تعامل بها النظام السياسي تبقى غير مبررة، فهو من جهة عمد إلى تقسيم المعتقلين الريفيّين إلى جماعات، ثم رحّب بالتحاور مع جماعات دون أخرى، ولا يمكن هنا التذرع برفض الجماعة التي تتكون من النواة الصلبة للحراك (الزفزافي، أحمجيق...) للحوار، فهذه الأخيرة ومنذ أن زُجّ بها في السجن، وقبل أن تصدر العقوبات، تمد يدها للحوار، بل إنها جلست على الطاولة مع مجموعة من الفعاليات الوسيطة، وأبدت رغبة وحسن نيّة في تبديد سوء الفهم بين الريف والسلطة، وطي الملف بالاستجابة للملف المطلبي للحراك المتمثل في مطالب اقتصادية واجتماعية وثقافية".

وما زاد من تعقيد الأمر ذلك التقرير الذي أصدرته مؤسسة حقوقية رسمية "المجلس الوطني لحقوق الإنسان" حول أحداث الريف، كما يقول الطاهري، إذ "شيطن الحراك وأسقط طابع الاعتقال السياسي عن المعتقلين، وحاول أن يلصق بهم اتهامات إجرامية، في استعادة مكشوفة لرواية وزارة الداخلية، وهو أمر قابله المعتقلون وعائلاتهم، وعموم سكان الريف الذين انخرطوا في هذا الحراك السلمي، بالرفض. ومع ذلك ثمة أمل في طي هذا الملف، لكن مع تحريك عجلة التنمية، لا مجرد تقزيم سقف فترات انتظار المواطن في الحلم بأبسط حقوقه، وهو الحرية".

قيادة حراك الريف تتألم

كشف زعيم حراك الريف ناصر الزفزافي في مقابلة صحافية من سجن طنجة مع الصحيفة الإسبانية "إل موندو"، عن معاملة وصفها بـ"غير الإنسانية" تعرّض لها منذ سجنه، زاعماً أنه تعرض لتعذيب لا يتوقف إلا بترديد عبارة "عاش الملك".

يُذكر أن قائد حراك الريف ناصر الزفزافي، أكد إدانته من طرف القضاء المغربي في نيسان/ أبريل 2019 بعد أن حكم عليه ابتدائياً بالسجن 20 عاماً مع ثلاثة قادة آخرين.

ناصر الزفزافي وفق ما أخبر به جريدة إل موندو الإسبانية، تحوّل بلا مقدمات من "تقني إلكترونيات يكسب قوته من إصلاح الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر"، إلى "زعيم الاحتجاجات في منطقة الريف". وفي المقابلة ذاتها، أعلن ناصر الزفزافي "تنحّيه عن زعامة الحراك"، وهو ما أكده في منشور فيسبوكي نُشر على صفحة والده لاحقاً.

اعتقلت السلطات المغربية مئات الشبّان بعد حراك الريف، وحُكموا بالسجن ما بين عام واحد و20 عاماً. اليوم بقي ثمانية منهم في السجن بينهم ناصر الزفزافي، فهل يُفرج عنه هو الآخر؟

وأضاف ناصر أنه شعر أن أحلام الوحدة تتبخر، وأن أمله خاب بسبب الصراعات الداخلية، متّهماً "الأشخاص المهووسين بالقيادة والشهرة والتركيز على الذات"، بالمسؤولية. كما أكد الزفزافي أنه لم يتخلَّ عن رفاقه، لكنه أراد "إفساح المجال" أمام الآخرين. وهوجمت تلك المقابلة من طرف شريحة مهمة من الإعلام المغربي المقربة للسلطات، لضرب مصداقيتها، واتُّهمت الصحيفة الإسبانية باختلاقها.

ويرى الطاهري أن يأس الزفزافي ورفاقه كان نتيجة لتحييدهم عبر تحويلهم إلى جماعات معزولة، وخلق صراعات بين المعتقلين، وفي صفوف حراك الريف، وهو ما يعرقل تقدمهم بطلب "العفو الملكي" خوفاً من أن يزيد الطلب الاتهامات التي تكال لهم، ويعطيها مصداقية أكبر. وقال الباحث: "تبيّن في ما بعد أن كل الحوارات كانت مناورات فحسب، وهو الأمر الذي أدى إلى نوع من التراجع إلى الخلف من جانب المعتقلين، والحذر من أي مبادرة، وهذا ما يبرر امتناعهم عن توقيع طلب العفو". وهذا اليأس، يزيد من "عزم" المعتقلين الذين يدخلون في "معارك نضالية" من داخل السجن للحصول على حقوقهم. وفي تقرير صادر عن مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل التابع لوزارة الخارجية الأمريكية في 30 آذار/ مارس 2021، فإن السجينَين نبيل أحمجيق وناصر الزفزافي أضربا عن الطعام في 22 شباط/ فبراير 2021 بسبب "مزاعم عن سوء المعاملة في السجن". وطالبوا "بظروف سجن أفضل، ورعاية طبية مناسبة، وحقوق زيارة، وأنهما قاما بإنهاء إضرابهما عن الطعام في 17 آذار/ مارس 2021".

مُبادرات مثل "العفو الملكي" تجاه المعتقلين، قد تساهم في حل المشكلة لو أضيفت إليها مجموعة من الأمور المرتبطة بتنمية منطقة الريف التي تُعدُّ المنطقة المغربية المتاخمة للجوار الأوروبي، وإحداث مصالحة حقيقية، والتعويض عن الأضرار التي تعرّض لها المعتقلون وسكان المنطقة، مثل نظيرتها التي شهدها المغرب، والتي عُرفت باسم "الإنصاف والمصالحة" (1999)، من أجل طي هذه الصفحة بأقل ضرر ممكن.

مسار "اعتقال جائر"

بدأت احتجاجات حراك الريف في مدينة الحسيمة (شمال المغرب)، وامتدت إلى المناطق المحيطة بها في تشرين الأول/ أكتوبر 2016، بعد أن سُحق بائع السمك محسن فكري داخل شاحنة قمامة أثناء محاولته استعادة الأسماك التي صادرتها السلطات المحلية منه. اندلع الحراك وكان المتظاهرون يطالبون بوضع حد لتهميش منطقتهم، وبالعدالة الاجتماعية، وأن تُنتشل المنطقة من الفقر والبطالة، وأن يتم تحسين البنية التحتية، ووضع حد للفساد.

شهدت بعض الاحتجاجات أعمال عنف واشتباكات مع الأجهزة الأمنية في المغرب، وتطور الأمر إلى اعتقال قوات الأمن المغربية مئات المتظاهرين في منتصف عام 2017. ومنذ ذلك الحين، أدانت محكمة الحسيمة العديد منهم في محاكمات وصفتها المنظمات الحقوقية بأنها تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الدولية للعدالة. وكان من بين المتظاهرين المرتضى عمراشن ونوال بن عيسى، اللذين أُدينا على خلفية منشورات فيسبوكية تدعو إلى الاحتجاجات. حُكم على نوال بن عيسى في شباط/ فبراير 2018 بالسجن عشرة أشهر مع وقف التنفيذ، وغرامة قدرها خمسمئة درهم؛ تم تأكيد الحكم في الاستئناف في كانون الثاني/ يناير 2019.

اعتُقلوا، وسُجنوا، و"شُيْطِن" نضالهم لأنهم طالبوا بالإصلاح في منطقة الريف المغربية. فهل يفرج عن آخر ثمانية معتقلين، بعد العفو الملكي عن 17 آخرين

كما وجّهت محكمة الدار البيضاء في البداية، تهماً ضد 54 شخصاً على صلة بحراك الريف. حصل أحد عشر شخصاً منهم على عفو ملكي في آب/ أغسطس 2018، في حين نُقل من يُلقّبون بقادة الحراك إلى سجن عكاشة في مدينة الدار البيضاء.

وأُصدر حكم في 5 نيسان/ أبريل 2019 عن محكمة الاستئناف في الدار البيضاء بتأييد أحكام بالسجن وصلت إلى 20 سنة في حق 43 ممن شاركوا في احتجاجات حراك الريف. هذه الأحكام وصفتها منظمة العفو الدولية بـ"الجائرة"، وطالبت بضرورة إجراء محاكمة عادلة.

بعد تأكيد محكمة الاستئناف للأحكام الابتدائية، أضرب العديد من المعتقلين عن الطعام لمدة 20 يوماً تقريباً احتجاجاً على قرار المحكمة. كما أنه في كانون الأول/ ديسمبر 2018، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من "أن العديد من الإدانات استندت إلى "اعترافات" انتُزعت تحت التعذيب، وأن المحاكمة شابتها انتهاكات لحقوق الإنسان".

لم يُسمح لفريق الدفاع بالاطّلاع على الأدلة المتاحة لتحضير مرافعاته، ورفضت المحكمة قبول شهادة أكثر من 50 شاهداً لصالح الدفاع من دون إبداء مبرّرات كافية. علاوة على ذلك، أُعيق وصول وسائل الإعلام والمجتمع المدني إلى قاعة المحكمة، ما قوّض الحق في جلسة استماع علنية.

كما أن اتهامات عدة تُوجّه للسلطات الأمنية في التعامل مع ناشطي حراك الريف خلال اعتقالهم. ونددت منظمات حقوقية بدورها بـ"انتهاكات حقوقية"، مشيرةً إلى وجود تقارير طبية تشير إلى أن بعض المتهمين على الأقل قد تعرضوا لعنف الشرطة. عنف يضاعفه السجن الطويل، الذي يأمل الثمانية الباقون في غياهب السجن، أن يصبح جزءاً من ماضيهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard