الهجرة أو الموت.. أطفال المغرب يرتمون في أمواج المتوسطي ليصلوا إلى "الفردوس الأوروبي"

الاثنين 10 مايو 202103:05 م

أهو اليأس الكبير أم الحلمُ الكاذب، ما يدفع عشرات الشبّان المغاربة إلى محاولة الهجرة سباحةً نحو إسبانيا؟ سؤال يتبادر إلى ذهن كل من شاهد أشرطة فيديو انتشرت خلال الأسبوع الماضي على وسائل التواصل الاجتماعي، تُظهر محاولة العشرات من الشبّان الوصولَ إلى مدينة سبتة الواقعة تحت السيادة الإسبانية، لا على قوارب مطاطية، أو تسلّلاً بين معدّات شاحنات النقل الدّولي كما جرت العادة، بل بالعَوم عكس أمواج البحر العاتية.

خلّف انتشار فيديوهات "الهروب الجماعي" لعشرات الشبّان ردوداً واسعة في المغرب، تجدّد معها النقاش القديم الجديد حول موضوع الهجرة غير النظامية من المغرب، وعن دوافعها وخلفياتها وآثارها، لكن مع تسجيل متغيّر نوعي في الحوادث الأخيرة، كونها تتعلّق بأطفال لم يبلغوا سنّ الرشد بعد، أقدموا بطريقة انتحارية على محاولة معانقة الحلم الإسباني المرغوب، ليسقط اثنان منهم في مياه البحر.

ساعات بعد نشر الصور والفيديوهات، تحدّثت تقارير إعلامية، نقلاً عن السلطات الإسبانية، عن وصول أكثر من مئة مهاجر إلى الجيب الإسباني سباحةً، وذلك على دفعات ضمّت كل منها حوالي عشرين مهاجراً، مسجّلة أنّ غالبية المهاجرين القادمين تم إنقاذهم وإيصالهم إلى البرّ، ونقل ثلاثة منهم إلى المستشفى فور وصولهم، لتعرّضهم لانخفاض في درجة حرارة أجسامهم. حدث هذا أمام حرس الحدود المغاربة الذين لم يحرّكوا ساكناً وتركوا الشبّان يتوجّهون نحو مصيرهم.

سجل محاولات معانقة الحلم الإسباني تغيّراً نوعيّاً في الحوادث الأخيرة، كونها تتعلّق بأطفال لم يبلغوا سنّ الرشد بعد، أقدموا بطريقة انتحارية على محاولة الهجرة سباحة

وبعد لَأْي، وافقت السلطات المغربية على استعادة الشبّان الذين قرروا الهجرة سباحةً، وأعلنت السلطات الأمنية عن فتح تحقيق مع 23 مهاجراً غير نظامي أعادتهم المصالح الأمنية الإسبانية بعد محاولتهم التسلّل إلى جيب سبتة، مشيرة إلى أن التحقيق "يروم الكشف عن جميع المتورطين المحتملين في تنظيم (هذه العملية)، والكشف عن ارتباطاتها المحتملة بشبكات تنشط في تنظيم الهجرة غير المشروعة".

الهجرة المجانية

يُرابط مئات الشبّان والأطفال المغاربة والأجانب في المدن الساحلية لشمال المغرب، خصوصاً تلك المجاورة لمدينتي سبتة ومليلة الواقعتين تحت السيادة الإسبانية، منتظرين فرصتهم لاختراق الحدود البرية الوحيدة بين إفريقيا وأوروبا، أو لقطع البحر الأبيض المتوسط، عبر قوارب في عمليات تنظّمها شبكات متخصصة. لكن التجربة الجديدة طرحت الكثير من علامات الاستفهام حول كيفية تنظيم هذه "الهجرة الجماعية سباحة"، وعن وقوف السلطات المغربية مكتوفة الأيدي. وكشفت مصادر محلّية لرصيف22 عن ازدياد أعداد الوافدين إلى الشمال المغربي من الراغبين في الهجرة، خاصةً خلال الأشهر القليلة الماضية، أي الفترة التي أعقبت الحجر المنزلي وقانون الطوارئ الصحية الصارم الذي أفقد العديد منهم أعمالهم.

رئيس "مرصد الشمال لحقوق الإنسان" محمد بنعيسي، أكّد أن مستويات الهجرة غير النظامية "عادت للارتفاع خلال الأشهر الأخيرة خصوصاً بعد إغلاق المغرب حدوده البرّية مع الثغرين المحتلّين مليلة وسبتة، وتضرّر اقتصاد المدينتين"، نافياً في الوقت ذاته أن يكون الأمر متعلّقاً فقط بشبّان المدن الشمالية، بل بالقادمين من مختلف مناطق المغرب.

وتابع بنعيسي في تصريحه لرصيف22 قائلاً بأن الطريقة الجديدة للهجرة سباحةً "مغامرة قاسية، يلجأ إليها هؤلاء الشبّان المسحوقون لكونها لا تكلّفهم مادياً، بعد ارتفاع بدل الهجرة بالطرق التقليدية إلى آلاف الدولارات، نتيجة تشديد المراقبة والعمليات الأمنية على الحدود. لذلك تبقى هذه الوسيلة المجانية فرصتهم الأخيرة للمحاولة، خصوصاً مع اعتدال الجوّ".

وأكّد رئيس "مرصد الشمال"، أن الأسباب وراء الهجرة تبقى ثابتةً، وتتعلّق أساساً بالظروف الاجتماعية والاقتصادية لهؤلاء الشبّان، الذين ينحدرون من الفئات الاجتماعية الفقيرة والهشّة جدّاً. ومن بين عوامل الدفع الأساسية الأخرى إلى الهجرة، يورد المتحدّث ذاته "انتشار خطاب 'انسداد الأفق' و 'الحكرة'، وتفشّي الفساد وغياب فرص العمل في صفوف هؤلاء الشبّان، مما يشجّعهم على الإقدام على الهجرة كسبيل وملاذ وحيدين يرونهما لتحقيق ذواتهم وأهدافهم الحياتية".

مغامرة قاسية، يلجأ إليها هؤلاء الشبّان المسحوقون لكونها لا تكلّفهم مادياً، بعد ارتفاع بدل الهجرة بالطرق التقليدية إلى آلاف الدولارات أصبحوا يحاولون الهجرة سباحة. هل ينخر اليأس القاصرين المغاربة؟

وبخصوص هجرة القاصرين غير المصحوبين والمنفصلين عن ذويهم، قال الفاعل الحقوقي إنها قد عادت إلى الارتفاع خلال السنوات الأخيرة، ولها حضورها على خارطة الهجرة السرّية بين المغرب وإسبانيا، مُرجعاً أسبابها الرئيسة إلى التحوّلات المجتمعية والقيمية الحاصلة في المجتمع المغربي، بالإضافة إلى فشل السياسات العمومية للحدّ من الهجرة. كما أشار إلى التأثر بالعالم الرقمي، والصور المنتشرة عن الهجرة كملاذ سحري، وعامل جذب أساسي لاستقطاب القاصرين نحو الهجرة.

هل ينخر اليأس الصغار؟

من جانبه، أكّد رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، عبد الإله الخضري، أن بروز السباحة كأسلوب جديد للهجرة "مؤشّر خطير"، ينبغي الوقوف عنده وتحليل خلفياته، بوصفه "مأساة حقيقية ومغامرة شبه مستحيلة، قد تُفقد العشرات أرواحهم خلال المحاولة"، وأشار إلى أن "هذا الواقع المرير نتيجة حتمية لسياسات اجتماعية واقتصادية فاشلة".

وأضاف الخضري في تصريح لرصيف22: "أصبحت شوارع عدد من المدن الساحلية في شمال المغرب تعجّ بالأطفال واليافعين كمتشردين منحدرين من أسر مفككة نتيجة الفقر والهشاشة، وباقي المشاكل الاجتماعية المختلفة"، لافتاً إلى أنهم يعيشون على الحدود البحرية، ويتحيّنون فرصة للهجرة نحو إسبانيا، وكلما اشتدّ الخناق على محاولاتهم، كلما ازدادوا إصراراً، ما حذا ببعضهم للّجوء إلى الهجرة سباحةً.

الخبير في علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، يعدّ خيار الهجرة سباحةً أمراً يعكس اليأس الذي وصل إليه هؤلاء المهاجرون، مشيراً إلى أنّ المأساة تبرز عندما نجد أطفالاً قاصرين يعمدون إلى هذه الوسيلة، مما يدفع للتساؤل عن التفسيرات التي يمكن تقديمها للوضع الجديد بعد أن كنّا في السابق نقدّم تفسيرات للبحث عن حياة كريمة وفرص شغل في النعيم الأوروبي، عندما يتعلّق الأمر بالشبّان البالغين.

وأوضح بنزاكور في تصريح لرصيف22 بأنّ "هذا الحادث تبقى فيه المسؤولية جماعية، ولا يمكن السماح بمرور هذه الصور وكأن المعنيين بالأمر ليسوا أبناء هذا البلد"، مشيراً إلى أنه "عندما يصل أطفالنا إلى هذه الدرجة من اليأس، ينبغي مساءلة الجميع، خصوصاً السياسات العمومية في مجالات التعليم والتنمية والثقافة وتخليق الحياة العامة، بالإضافة إلى مساءلة الأسر بدورها".

وفي ردّه على تفسير تأثّر هؤلاء الأطفال بوسائل التواصل الاجتماعي التي يتمّ استقطابهم عبرها، قال إنّ هذا عامل حاضر من ضمن عوامل أخرى، لكن يبقى السؤال الملحّ "لماذا تأثر هؤلاء الأطفال، وما الذي ولّد لديهم هذه القابلية لخوض مغامرة الهجرة؟ وهل وصلوا في هذه السنّ إلى اليأس الجارف، أم أنّ هناك أسباباً أخرى ستكشف عنها الأيام؟".

القاصرون المغاربة في الشوارع الإسبانية

وفقا لإحصائيات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، يصل عدد القاصرين المغاربة غير المصحوبين والمنفصلين عن ذويهم داخل التراب الإسباني إلى ما يزيد عن عشرة آلاف، ويمثّلون نسبة 68 بالمئة من إجمالي عدد الأطفال القاصرين الموجودين في مراكز إيواء القاصرين في مدن الجارة الشمالية للمغرب.

كشفت منظمة "ضائعون في أوروبا" عن اختفاء ما يقرب من ثمانية آلاف قاصر مغربي، منذ 2018، هاجروا سرّاً إلى أوروبا، وخاصة في إسبانيا

ورصدت دراسات عدة وتقارير مغربية وإسبانية غير رسمية، معايشة هؤلاء القاصرين لمعاناة قاسية إذ تنكسر أحلامهم على أرصفة شوارع المهجر، أو بين جدران المراكز المذكورة، ويصيرون عرضةً لعدد من الممارسات غير الإنسانية، مثل سوء المعاملة والاتّجار بالأعضاء والاستغلال الجنسي، أو أيضاً الخنق حتى الموت، كما حدث للطفل إلياس الطاهري الذي قُتل مخنوقاً من طرف حرّاس إحدى دور الرعاية الإسبانية خلال العام الماضي.

كما كشفت منظمة "ضائعون في أوروبا" (Lost in Europe) المتخصصة في الصحافة الاستقصائية في تقرير لها أعد بشراكة مع صحيفة "الغارديان" البريطانية عن أعداد المهاجرين القاصرين الواصلين إلى أوروبا بين عامي 2018 و2020، الذين اختفوا من غير أثر، تسجيل اختفاء ما يقرب من ثمانية آلاف قاصر مغربي خلال السنوات الثلاث الماضية، معظمهم في إسبانيا.

رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، لفت في تصريحه إلى المشاكل العميقة التي تنتظر الأطفال الذين تمكنوا من مراوغة الموت والوصول إلى أوروبا، مشيراً أنهم "يصبحون تحدياً حقيقياً أمام حكومات دول الاستقبال، مع اكتظاظ مراكز إيواء القاصرين وتدهور أوضاع العيش فيها، أو مع المشاكل الأمنية والاجتماعية المقلقة التي يعيشها من يتسكعون في الشوارع، أين يبقى مصيرهم مجهولاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard