"مش من حقك تقعد على كرسي"... الإحساس بالتميز وسكان الكمبوندات في مصر

الأحد 16 مايو 202105:19 م

يقف مؤمن، ذو الخمس سنوات، ليُمسك بسور الحديقة الخاصة بالحضانة التي بجوار مسكنه، مسترقاً النظر لنظرائه من الأطفال وهم يلعبون، ويضحكون بالداخل. يسرح بخياله لو أن أحدهم يُخرِج له لُعبة ليُجربها. تقطع أحلامه الوردية صرخة مديرة الحضانة، تنهره ليبتعد عن السور ولا يحتك بأطفال الحضانة.

هذا ما يحدث لمؤمن ابن حارس عقار بأحد كمبوندات مدينة نصر في القاهرة، تضيف أخته، أمنية محمود (11 عاماً) لرصيف22: "يعود مؤمن كل يوم باكياً لأمي إثر ما يحدث معه، الظروف لا تسمح لأهلي أن يشتروا له ألعاباً، ولا أن يدخلوه الحضانة، فأنا أنزل وحدي أو مع أمي لأساعد سيدات في العقارات المجاورة في نظافة منازلهن، لأساعد في إيجار الغرفة التي نسكنها".

تشتكي أمنية من السيدة التي تعمل لديها: تسبها أثناء العمل بألفاظ "قذرة"، وفور أن تنتهي من تنظيف غرفة وإغلاقها، يدخلها الأولاد ليعبثوا بها من جديد، فتطلب السيدة منها إعادة تنظيفها، هكذا... طوال اليوم.

"وفي نهاية اليوم تبخس حقي، وتقول لي: إنت 11 سنة لسه، هتعوزي فلوس ليه؟".

"ابني عينه خضرا"

يتم الترويج في معظم إعلانات الكمبوندات أنها ليست مجرد عقارات راقية في مساحات واسعة ومناخ خالٍ من التلوث، ولكنها أيضاً لأشخاص يعيشون في محبة وتناغم، أو كما تقول إحدى الإعلانات: "الناس هنا شبه بعض"، ويندر نشر أخبار في الإعلام المحلي مرتبطة بالعنف، أو الجرائم، وكأنها "يوتوبيا" جديدة في بلاد مليئة بالتلوث، والزحام، والمشاكل الاجتماعية.

تسكن حنان جمال (20 عاماً) في الكمبوند (تجمّع سكني راقٍ) ذاته بمدينة نصر، وهي زوجة حارس عقار، تضطر أحياناً لمساعدة سيدات يسكنّ العمارة في نظافة بيوتهن، تحتار في المكان الذي يمكن أن تترك فيه ابنها أحمد، الذي يبلغ من العمر عاماً ونصف.

تقول حنان لرصيف22: "إحداهن ترفض تواجد أحمد ابني معي أثناء الشغل؛ فاضطر لتركه في الحضانة، وحين أطرق بابها أجد الناني ترد علي: في تعليمات من المديرة ما نستقبلش أحمد".

"رغم إن ابني عينه خضرا وأبيضاني إلا إنهم رفضوا يستقبلوه في الحضانة عشان ابن البواب، وكنت هدفع لهم حق الاستضافة، مش لله يعني".

ويعاني أ. ع، عامل زراعي "لاند سكيب" داخل كمبوند "مدينتي" هو الآخر من التعامل الطبقي له ولزملائه في استخدام الحافلات الخاصة بالمدينة. يقول لرصيف22: "نواجه أنا وزملائي طبقية في استخدام الباصات الخاصة بالمدينة، ندفع الأجرة كالسكان بالضبط، وحين نجلس على الكراسي، أجد سيدة كبيرة ترفع صوتها، وتنهرني، وتقول لي: مش من حقك تقعد على كرسي، احنا دافعين ملايين عشان نعيش هنا، ملقاش فلاح، ولا صعيدي عاوز يقعد زيه زيي في الباص".

عنصرية ضد المدنيين

من مدينة نصر إلى "مدينة المستقبل" حيث كمبوند الضباط الذي سمح لبعض المدنيين بالعيش فيه، تواجه الدكتورة إيمان عامر (32 عاماً) نوعاً "غريباً" من العنصرية. تقول: "نحن المدنيون نعامل معاملة درجة ثانية داخل الكمبوند، لو حاجة اتسرقت من العمارة يقولوا أكيد مدني اللي سرق، أكيد مدني اللي كان سائق، ومعلّي صوت الكاسيت بالليل، كل شيء سيء داخل الكمبوند يلحقوه بنا كمدنيين، ناهيك عن التعقيدات التي تحدث معنا عند التعاقد على إيجار الوحدات أو فتح المشاريع داخل الكمبوند. نحن في آخر القائمة، والأولوية للضباط وعائلاتهم في كل شيء".

"نحن المدنيّون نعامل معاملة درجة ثانية داخل كمبوند الضباط، لو حاجة اتسرقت من العمارة يقولوا أكيد مدني اللي سرق، كل شيء سيء يلحقوه بنا كمدنيين"

جنة الله في الأرض، حصون بأسوار عالية، أمن خاص، وجاهة اجتماعية، ثقافة جديدة تغزو المجتمع المصري، برزت بعد ثورة يناير/ كانون الثاني 2011، ثقافة العيش بالمجتمعات المغلقة "الكمبوندات".

بالتأكيد لهذه الظاهرة أصول، فالقاهرة نفسها عندما بناها جوهر الصقلي للخليفة المعز لدين الله الفاطمي، سنة 970، كانت تلفّها أسوار عالية، وكان ممنوعاً دخولها لغير الفاطميين والأعيان إلا بتصريح، وتبعها بعد ذلك مجتمعات النخبة: "الجاردن سيتي"، "الزمالك" وغيرها، وانتهينا إلى كمبوندات مشرقة في كل أرجاء المحروسة، يتم الترويج لها بشكل مكثف على شاشات التلفزيون.

"مجموعة من الناس، دفعتهم قدرتهم المالية إلى اقتناء وحدات داخل هذه الكمبوندات فقط لا غير".

يروج سكان تلك الكمبوندات لأنفسهم، باعتبارهم المجتمع الأرقى والأكثر فضيلة، وتعضدهم في ذلك الإعلانات المتكررة، ولكن الدكتورة حسنية البطريق، الاستشاري النفسي والأسري، ترفض هذا التعريف لتلك الشريحة من الناس. تقول: "من واقع حالات العنف التي ترد إلينا سواء من المعنِّفين/ات أو المُعنَّفين/ات داخل الكمبوندات، أستطيع القول إنه من الخطأ ربط الرقي بالعيش داخل الكمبوندات، ولكن التصنيف الحقيقي الذي خلصت إليه أن هذا المجتمع ما هو إلا مجموعة من الناس، دفعتهم قدرتهم المالية إلى اقتناء وحدات داخل هذه الكمبوندات فقط لا غير".

أما الإعلامي والمذيع بقطاع الأخبار بماسبيرو، محمد حسان، ويسكن في كمبوند "الياسمين" بالسادس من أكتوبر، فيرى أن "هناك فئة ليست بقليلة من سكان الكمبوندات، هم من امتلكوا المال على كبر؛ ما ولد لديهم عُقد نقص، تظهر في تعاملاتهم مع عمال الأمن واللاند سكيب وغيرهم. تجد الساكن يستيقظ ليصرخ بوجه عامل اللاند اسكيب لفتحه رشاش المياه في السابعة صباحاً لأن صوته يزعجه؛ رغم أن هذا هو الوقت الطبيعي للرش".

الحيوانات أيضاً كان لها نصيب، يشعر حسان باستياء من طريقة التخلص من الكلاب بوضع السم في طعامهم، ويعلق: "كان من الأولى سد الفتحات بالسور الشجري لمنع دخولهم من الأساس".

هربت بملابس البيت

قصص ليست بالقليلة، لا تقل مأساوية عما تنشره الصحف والمواقع المحلية من ضرب وتحرش وعنصرية واكتئاب، وهي ظواهر منتشرة في مصر بشكل عام، تحكيها البطريق، من واقع المترددين على عيادتها من سكان الكمبوندات، ما يثير التساؤل حول غياب الإعلام عما يحدث هناك.

تقول البطريق: "من واقع التجربة، تتردّد على العيادة حالات يشيب لها العقل من العنف الناتج عن الجهل، العنف المعنوي، المادي، الجنسي، الديني وغيره من أنواع العنف".

تحكي البطريق عن حالة امرأة أربعينية تعمل في منصب مرموق، تسكن في أحد كمبوندات مدينة "الرحاب"، تشكو من غيرتها حيال خادمتها الريفية، وتقول لها: "ليه الجربوعة الفلاحة دي تبقى أحسن مني؟ ليه يبقى شعرها ناعم؟ ليه قوامها ممشوق كدا وأنا لأ؟". دفعتها غيرتها لسكب الشاي الساخن على جسدها ليحترق وتتشوه، وتظاهرت بعدم قصدها ذلك. منعتها عن الطعام، وصل بها الحال أن اتهمتها زوراً بالسرقة حتى تجد حُجة لزوجها لتقنعه بطردها من المنزل.

رجل خمسيني يسكن بأحد المناطق الراقية في مدينة العبور، قال لها في أحد الجلسات: "كنت أعنّف الخادمة وأضربها أمام زوجتي، وأهددها بالطرد"، وتعلق البطريق: "كان يستخدم العنف غطاء على تحرّشه، وحتى لا تُصدَق، عندما تحاول الشكوى مما يفعله معها".

"ملناش دعوة، دي مشاكل عائلية يحلوها مع بعض".

وحكى مصدر رفض ذكر اسمه من مؤسسة قضايا المرأة المصرية لرصيف22: "عندنا حالة تم ضربها على يد زوجها، وظلت تصرخ داخل الكمبوند، واستغاثت على الجروب الخاص بالكمبوند، والردود كانت: ملناش دعوة، دي مشاكل عائلية يحلوها مع بعض، حتى تمكنت من الهرب بملابس البيت ومفاتيح سيارتها فقط، قضت 3 أيام داخل سيارتها حتى تمكنت من التعافي البسيط الذي يسمح لها بقيادة السيارة والخروج من الكمبوند".

ويضيف المصدر: "من المؤكد أنه تحدث أشياء جميلة داخل الكمبوندات، لكن نصدم بحالات العنف الشديد هناك. نحن اعتدناها في الأوساط العشوائية والأكثر فقراً".

وحسب البيان الصادر عن المركز المصري لحقوق المرأة بالتعاون مع المجلس القومي لحقوق المرأة، والجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن هناك 5 مليون و600 ألف امرأة يعانين من عنف على يد الزوج أو الخطيب سنوياً، وهناك 2 مليون و400 ألف امرأة أصبن بنوع واحد أو أكثر من الإصابات نتيجة لعنف على يد الزوج أو الخطيب.

الخوف من الوصمة

تشير البطريق إلى وجود حالات أيضاً تعكس قسوة الآباء في التعامل مع أبنائهم، يضعونهم في تحديات عملية أكبر من عمرهم، ولا يتسامحون مع الأمراض النفسية، حرصاُ على سمعة العائلة وسط سكان الكمبوند.

تحكي البطريق عن حالة طفل (12 عاماً) يسكن في كمبوند بالتجمع الخامس، يتابع معها حالة من الاكتئاب الشديد جرّاء إجبار والده له على حفظ جزء من القرآن الكريم خلال 3 أيام فقط، وحين عجز عن ذلك، استخدم معه والده عدة أساليب من التنكيل.

"ليه الجربوعة دي تبقى أحسن مني؟ ليه يبقى شعرها ناعم؟ ليه قوامها ممشوق كدا وأنا لأ؟". دفعتها غيرتها لسكب الشاي الساخن على جسدها ليحترق وتتشوه

العديد من الأسر التي تصنف نفسها بـ"الراقية" ترفض ذهاب ابنها المدمن إلى المصحة لتلقي العلاج، وتستبدل ذلك بالضرب والحبس كعلاج فاشل للإدمان، خوفاً من الوصمة الاجتماعية: "إزاي يقولوا علينا مدخلين ابننا مصحة؟"، وفي بعض الحالات يزوّجون الولد بحالته وتحدث الكوارث مع الزوجة.

اشتكت لها إحدى الزوجات المعنَّفات لرجل مدمن، رفض أهله علاجه داخل مصحة خوفاً من العار، قالت لها: "كان يربطني بالحبل، يضربني ويقف على رقبتي حتى أعطيه المال ليشتري المخدرات".

أما أكثر الحالات إيلاماً، تتحدث البطريق عن طفل يبلغ من العمر 11 عاماً، وصلت به أمه إلى العيادة بعد عرضه على 3 أطباء، عجزوا عن التعامل مع حالة الاكتئاب والعزلة غير المفهومة التي دخل فيها الطفل، بعد سفر الخادمة الأجنبية إلى دولتها.

تقول البطريق: "اكتشفت في إحدى الجلسات أن الخادمة كانت تمارس الجنس مع الصغير منذ أن كان بعمر الـ 5 سنوات بشكل مستمر، وكانت دائماً ما تهدده وتصوره وهو يفعل ذلك، وتهدده بالقتل إن أفصح بكلمة واحدة لأبويه".

تعلق البطريق قائلة: "كل هذا يحدث من قلب مناطق الرقي كما يصنفونها. الوضع كارثي، العنف ألوانه وأنواعه كثيرة، ولا يفرق بين مجتمعات راقية أو عشوائيات، الفارق الوحيد هو تابوهاتنا، وتصوراتنا تجاه الحياة داخل الكمبوند".

ويشير الإعلامي محمد حسان إلى وجود تعتيم إعلامي عن كثير مما يحدث داخل الكمبوندات، والسبب الرئيسي "انشغال القنوات الإعلامية بتغطية المشروعات القومية"، كما يُرجّح أن هناك "علاقة بين رجال الأعمال أصحاب القنوات، وأصحاب شركات تنفيذ الكمبوندات، فلا مصلحة لهم في تسليط الضوء على سلبيات الكمبوندات".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard