"زعماؤنا يتعايشون ويمنعوننا من التعايش"... الروائي هاني السالمي عن الحياة على "الرصيف" في غزة

الخميس 21 يناير 202104:31 م

أن تكون كاتباً في بقعة جغرافية "استثنائية" مثل غزة، فهذا استثنائي بذاته، إذ لا تملك ترف التفرغ للكتابة، ولا تقيم حفلات التوقيع الأنيقة. يتلبسك جنّ الكتابة، يستحوذ عليك، ولا تملك منه فكاكاً، لكن إنْ تركت روحك لهذا الجني، واستسلمت لإغراءات الكتابة، فسينهش الاحتياج عائلتك، لأن الخيال والتأليف لا يسكتان الأمعاء الجائعة.

في هذا الواقع المحاصر، يجد الروائي الفلسطيني، هاني السالمي نفسه على الرصيف، يكتب وينتظر جن الإلهام، يحتفي بأعماله الأدبية (التي وصلت إلى 14 عملاً) ما بين القصة والرواية، ويبيع الشاي والقهوة للمارة ليعتاش بعد أن يئس من العثور على فرصة عمل ملائمة، ليجد نفسه في مفترق طرق حي "الأمل" جنوب قطاع غزة، حيث يملك بسطة لبيع المشروبات الساخنة.

الروائي السالمي، الذي تخرج في كلية العلوم بجامعة الأزهر عام 2002، هو واحد من آلاف الخريجين في قطاع غزة، العاطلين عن العمل، أو ينتهي بهم الحال إلى أعمال كالعتالة، البناء، السواقة، البيع على البسطات وفي المحلات التجارية، وغيرها من المهن التي لا تمت بأي صلة لشهاداتهم الجامعية أو تصوراتهم عن المستقبل.

كذلك يجسد السالمي حالة الواقع الثقافي في غزة، والذي يصفه بـ "المترهل"، والمُغيّب عن أجندة المؤسسة الرسمية.

"الرصيف مساحة للبوح"

يقول السالمي (40 عاماً)، وهو عضو اتحاد الكتاب الفلسطيني، لرصيف22، إن شريحة الكتاب والمثقفين في قطاع غزة لا تختلف (بل أدنى) من شريحة النجارين، والسائقين، وغيرهم، فالكل يعاني تداعيات الحصار، والوضع الاقتصادي المتردي، مضيفاّ أن الحالة الثقافية تعاني ترهلاً، فضلاً عن تغيّب المؤسسة الثقافية، وتخلفها عن رعاية الأعمال الإبداعية، والكتّاب، والمثقفين، وتيسير عمليات النشر لهم.

يعيل السالمي خمس بنات، والكتابة وحدها -يقول- لا تلبي احتياجاتهن، ولا تتكفل بدراستهن، فقرر أن يركض بهنّ "خلف الحظ الأعمى" عوض انتظار فرصة عمل في قطاع غزة، الذي تتجاوز فيه نسبة البطالة 45٪، وفق تقرير جهاز الإحصاء المركزي الصادر في أيلول/ سبتمبر 2019.

اللهم أعطيني سعادة وفرحا بعد صبري الطويل على الرصيف...

Posted by Hani Elsalmy on Monday, 11 January 2021

وقد عمل السالمي في عدة وظائف مؤقتة داخل منظمات غير حكومية، كذلك عمل في العتالة، والبناء، إلى أن انتهى به الحال (منذ ما يربو على العامين) إلى الرصيف، يبيع المشروبات الساخنة مقابل 3 دولارات يومية، توفر الحد الأدنى من متطلبات حياته اليومية.

ولعل الرصيف كان صديقاً باراً بالسالمي، فهو يمثل مصدر إلهام له، يقول السالمي: "اخترت الرصيف قبل نحو عامين، أعمل أكثر من 12 ساعة يومياً لتحصيل عدة شواقل"، لكن في المقابل منحه الرصيف أسراره، وفتح له طاقة للإبداع، ونحت شخصياته.

على الرصيف، غزة الآن أمامه عارية من أيّ رتوش أو تعقيدات اجتماعية، يعيد قراءتها على مهل مع القهوة التي تغلي على الموقد، يمر الناس أمامه كفيلم سينمائي بطيء، لا يزعجه صوت السيارات، بل يعيد تركيبه كموسيقى تصويرية للحدث، يستوقف أحد الشخوص، يدقق في ملامحه، فيصنع منه بطلاً أو أحد الشخوص لرواية أو قصة ما.

المارة أيضاً يبوحون بقصصهم وذكرياتهم دون سؤال، يلقون بها إلى السالمي، فيعيد تشكيلها عملًا أدبياً. وقد استلهم عمله الأخير "اليهودي الأعرج"، الرواية التي تروي حكايات يهود أقاموا في قطاع غزة إلى ما قبل الانسحاب عام 2005، من الذاكرة الشفوية لعمال النظافة على الطريق، بالإضافة إلى رواية جدته حول بطل الرواية. يقول: "الرصيف أكثر وضوحاً لمأساة غزة التي نعيشها، على الرصيف تجدين المريض، والعامل المتسول، ومن فقد عائلته وماله، ويبحث عن خيط أمل رفيع للتمسك بالحياة، الرصيف أكثر مساحة للبوح لسكان القطاع، الرصيف مجاني، وللجميع، وللثرثرة، والأحلام وقتل الفراغ السديمي الدائم في القطاع".

على الرصيف، يرى غزة عارية من الرتوش، يعيد قراءتها مع القهوة التي تغلي على الموقد، يمر الناس كفيلم سينمائي، لا يزعجه صوت السيارات، بل يعيد تركيبه كموسيقى تصويرية للحدث

ويتابع: "الرصيف ساعدني كثيراً في الوصول إلى الشخصيات، وتحديد ملامحها في أعمالي الروائية، ففي الأعمال السابقة حين كنت أحتاج إلى وصف مكان أو حدث أو شخصية، كنت أتعب في الوصول إلى مرادي، منذ بداية عملي على الرصيف، وجدت الكثير من الملامح والأحداث والموسيقى التصويرية تعج، بل مزدحمة في المكان".

ذاكرة السكان في قطاع غزة تضج بالذكريات، يلوكها المارة طوال الوقت. يقول السالمي إن حديث الناس على الرصيف يدور غالباً حول العمل في الداخل المحتل، الخروج (القسري) من الدول العربية، الحروب المتكررة على القطاع، المخيم وتفاصيله، الانتفاضات، رائحة البارود في المخيم.


أما أكثر القصص التي تركت أثرها في السالمي، فهي مشاهد عن فتيات جميلات يتسولن لأجل أسرهن، ورجل ينام على الرصيف لأنه لا يملك بدل إيجار منزل، وخريجي الجامعات الذين فقدوا بوصلة الأمل، والشجارات الطويلة حول المواقف السياسية، ودعم الأحزاب.

احتفى السالمي بروايته الأخيرة "اليهودي الأعرج" بحفل توقيع استثنائي على الرصيف بجانب عربة المشروبات، التي يعتاش منها، وهي الرواية الثانية التي يوقعها على الرصيف، بعد تعذر إقامة أي حفل توقيع برعاية المؤسسة الثقافية الرسمية أو أي جهات ثقافية أخرى.

"لا يجوز أن أكتب وأنا جائع"

لكن السالمي يقول إنه "خَجِل وغير سعيد" بمهنة البيع على الرصيف، متمنياً لو كان بإمكانه التفرغ للقراءة، والكتابة، والاهتمام بمولوديه الأدبيين الجديدين. ويضيف: "عندي 14 رواية منشورة في العالم، وحصلت على جوائز عالمية في الرواية، أخجل كثيراً حين يمر أصدقائي المبدعون والكتاب على الرصيف، وأنا أبيع قهوة، يصير وجهي أحمر"، ويستدرك: "شخص مثلي عنده خمس بنات، لا بد أن يعمل، فلا يجوز أن أكتب وأنا جائع".


في عمله الأدبي، الذي يعكف عليه الآن، يطرح السالمي تصوره للخلاص من دوامة الصراع التي تركته على الرصيف، وتركت الفلسطينيين بلا أمل منذ عقود، ويقول: "نحن في هذا الوقت نحتاج لاستراحة مقاتل، وهذا بالتعايش وليس بنفي الآخر، فكرة التعايش هي فلسفة أبدية موجودة داخل البشر، تخيلي فكرة المرض المزمن، صاحب المرض يتعايش معه رغم أنه مكروه".

ويضيف مستنكراً: "الذين يحملون الشعارات الوطنية، هم يتعايشون، ويمنعون الناس من الاقتراب من الفكرة".

يذكر أن للسالمي مجموعة أعمال في الرواية، وأدب الأطفال داخل فلسطين والوطن العربي، تُوّج عام 2007 بلقب أفضل رواية شابة من قبل مؤسسة عبد المحسن القطان، كانت تحمل اسم "الندبة"، متفوقًا على أكثر من 400 رواية، كما حصد عام 2011 لقب أفضل رواية شابة عن رواية "هذا الرصاص أحبه"، وكرمته وزارة الثقافة كأفضل كاتب في أدب الأطفال عن روايتيه "سر الرائحة و "حين اختفى وجه هند"، وحصل على أفضل عمل روائي في أدب الأطفال على مستوى العالم العربي من دار الشارقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard