"شيء ما خرج من قلبي وذهب معه"... أمهات بديلات في دور رعاية الأيتام بالأردن

الاثنين 3 مايو 202102:19 م

تنظر رنا عودة إلى نافذة الحافلة وبجانبها حقيبة متوسطة الحجم تكفي مستلزماتها لمدة أسبوع. تضع كفها على جانب رأسها الأيسر وتنظر إلى الشوارع والعلامات المرورية طوال طريق إربد-عمان الذي يتجاوز الوقت اللازم لقطعه الساعتين، وتتنفس الصعداء فور مشاهدتها للافتة كُتب عليها فوق إشارة سهم "عمّان".

هنا، تحديداً عند لحظة وصول الحافلة القادمة من إربد شمالاً إلى العاصمة، يعود ذهن رنا إلى السكينة، بعد أن قضى يومين مشغولاً بأفكار وتخمينات، خلال فترة إجازة نهاية الأسبوع التي قضتها مع عائلتها: "أكلوا؟ تدفوا؟ حدا فيهم مرض؟ حدا زعلهم؟ ناموا مرتاحين؟"، وغيرها من التساؤلات التي تراودها في فترة يفترض أن تكون إجازة للراحة.

هذا ما تعيشه الفتاة الثلاثينية في كل إجازة عمل لها، فقلبها وعقلها طوال اليومين مع "أبنائها" الثمانية في دار الرعاية بعمّان، وتبرر ذلك في حديثها لرصيف22: "روحي معلقة فيهم، بتعب نفسياً وأنا بعيدة عنهم، هم متعلقين فيي وأنا متعلقة فيهم أكتر. هكذا حال الأم عندما تكون بعيدة عن أبنائها".

الأمهات البديلات يعوضن الأطفال في دور الرعاية عما هم محرومون منه من حنان وعطف ومشاعر جميلة.

رنا عودة وأطفالها الثمانية، هي "أم بديلة" التقى بها رصيف22 إلى جانب أمهات أخريات في زيارة لمؤسسة الحسين للرعاية الاجتماعية، وهي واحدة من عشرين دار رعاية في الأردن. حاولنا خلال الحديث معها، أن نطرح تساؤلات عن الأمهات البديلات، أي اللواتي يرعين الأيتام في دور الرعاية، حول قدرتهن على تعويض الأطفال عما هم محرومون منه، حول الحنان والعطف والصبر، وكل المشاعر والمواقف الجميلة، والهدف أن نسلط الضوء على فئة قلّما يتم الحديث عنها، في حين أن ما تقوم به أمر نبيل للغاية.


"أمتلك ست حواس"

تصر رنا عودة، وهي تحدثنا عن مشاعرها خلال إجازتها، على تسمية الأيتام في دار الرعاية بأنهم "أبناؤها"، وتعود إلى سبب قرارها دخول هذا المجال مع حيازتها على بكالوريوس في الاقتصاد. تقول: "طلقت الاقتصاد، وقررت أن أصبح أماً بديلة لأنني أحب الأطفال كثيراً، وفئة الأيتام تحديداً تغرس جرحاً عميقاً في قلبي، فالحرمان من مشاعر الأمومة عجز قاس جداً على أصحابه".

ورغم بعدها جغرافياً عن مكان المؤسسة التي تعمل فيها، تحدت المسافات وحرية التنقل والتواصل مع المحيط، وتوضح ذلك: "ما إن أدخل باب المؤسسة قادمة من إربد، أغلق هاتفي وأبتعد مثل باقي الأمهات البديلات عن أي شكل من أشكال التواصل مع العالم الخارجي. قد يبدو ذلك حجزاً للحرية، لكننا نحرم أنفسنا من ذلك حماية لأطفالنا، وخوفاً من أن تقع أيديهم على هواتفنا الذكية مثلاً ويصطدمون بمحتويات أو حتى معلومات قد تؤثر على سلامتهم الذهنية والنفسية، ناهيك من تخوفنا أن يلهينا انشغالنا بالهواتف عن احتياجاتهم".

"أنا لا أملك خمس حواس، بل ست"، تقول رنا مستعرضة هذه الحواس: "عيني التي تراقب تحركات أبنائي منذ صحوتهم وخلال تناولهم وجبات الطعام، مروراً بفترة دراستهم ولعبهم، إلى حين إغلاق الضوء في غرفهم والغرق في نومهم. أذني التي يصل مدى سمعها أسرّتهم، خاصة أولئك حديثي الولادة لأركز في حال استيقاظهم ليلاً. الشمّ للتأكد من أن رائحة أولادي العطرة بعد الاستحمام ملأت المكان، والتذوق لأتأكد من أن الطعام مطبوخ جيداً وملائم قبل أن يتناولوه، وحاسة اللمس التي أستخدمها وأنا أضع يدي على جبينهم للتحقق من درجة حرارتهم".

وما هي الحاسة السادسة؟ سألت رنا، فأجابت: "قلبي، وتحديداً ما يحس به، أستخدمه بكثرة وأنا بعيدة في إجازتي، فقلبي دليلي لطريق إربد-عمان داخل أسوار مؤسسة الرعاية، وداخل بيتي الأسري أنا وأطفالي الثمانية".


جهود استثنائية

حوالي الأربعين دقيقة والطفلة منى تشارك زميلاتها داخل غرفة صفّية مزينة بالألوان والرسومات المعلقة على الجدران، وتحمل تواقيع صغيرة من عمر من رسمنها. تصنع منى فانوساً رمضانياً من ورق الكرتون زهري اللون وترسم عليه نجوماً، وبعد أن فرغت من تشكيله لم تقم كما باقي زميلاتها بتقديمه للمعلمة، بل جاءت حاملة معها فانوسها وضحكتها وقدمته هدية لنا، وعند سؤالها لماذا لم تعطه لمعلمتها؟ أجابت: "هاي هدية لك لأنك صاحبة ماما أمل"، وهي تقصد بذلك مديرة المؤسسة أمل نادر الريحاني.

هذا الموقف، ورنين صدى كلمة "ماما" الذي يتردد في أروقة المكان وجدرانه وبيوته الأسرية التي يصل عددها إلى عشرة بيوت، وضحكات الأطفال وحماسهم خلال اللعب والحصص الدرسية، تبين حالة الألفة بين الأطفال وأمهاتهم البديلات، وهو ما تحدثت عنه الريحاني لرصيف22، شارحة بأن المؤسسة تحتضن فاقدي السند الأسري، سواء بسبب التفكك الأسري أو لأنهم مجهولو الأبوين، وتستقبل تلك الفئات من عمر يوم، إلى عمر العاشرة للذكور والثانية عشر للإناث، ثم يتم ترحيلهم لدور رعاية أخرى. وتبلغ نسبة اليتم بين الأطفال في الأردن 3%، وفق آخر الأرقام الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة.

ما يميز أولئك الأمهات هو أنهن لا يتعاملن مع عملهن كأنه وظيفة، وإنما رسالة. هن حاضرات طوال اليوم بكامل قواهن العاطفية من حنان وحب واحتواء، ويصبرن على ما يتعرضن له أحياناً من إساءات لفظية من قبل بعض الأطفال القادمين من أسر مفككة وبحالة نفسية مضطربة

وعادت بنا "ماما أمل" لأول يوم عمل لها في المؤسسة: "عندما عُينت كمديرة للمؤسسة علمت بوجود 140 طفل وطفلة. شعرت بمسؤولية كبيرة، فهذه المهنة لا تتعامل مع أوراق وملفات كأي مهنة إدارية، وإنما مع أرواح، وأرواح مكسورة تحديداً. اتجهت لمكان عملي الجديد ودموعي تنهمر من الخوف والقلق، لكن فور وصولي المؤسسة تغيرت أحاسيسي عندما رأيت الأمهات البديلات وما يقمن به من عمل"، وترى المتحدثة بأن جهود السيدات يجب أن تقدر تماماً مثل المعلمين والجيش الأبيض من أطباء وممرضات، فهن حالة فريدة من العطاء والرعاية.

وتضيف الريحاني بأن ما يميز أولئك الأمهات هو أنهن لا يتعاملن مع عملهن كأنه وظيفة، وإنما رسالة. "من الطبيعي لكل أم أن تمر بمراحل تتضارب فيها مشاعرها تجاه أولادها بين الحب والغضب والملل والحزن، لكن الأمهات البديلات حاضرات طوال اليوم بكامل قواهن العاطفية من حنان وحب واحتواء، ويصبرن على ما يتعرضن له أحياناً من إساءات لفظية من قبل بعض الأطفال القادمين من أسر مفككة وبحالة نفسية مضطربة".

وعن تعلق الأطفال بأمهاتهم البديلات تقول الريحاني: "هو تعلق كبير للغاية. مثلاً عندما يخرج طفل من الدار لموعد مع طبيب الأسنان، أسمعه وهو يبكي منادياً اسم أمه البديلة. يؤلمني قلبي لكن أشعر بالفرح لما حققته هؤلاء السيدات الاستثنائيات".

هذه المهنة لا تتعامل مع أوراق وملفات كأي مهنة إدارية، وإنما مع أرواح، وأرواح مكسورة تحديداً.


بيت الترحيب

رفعت عن وجهها النقاب عندما جلسنا وحدنا داخل غرفة المكتبة، واستهلت حديثها بابتسامة ملازمة لوجهها الصافي. هي نسرين أبو عواد، أم بديلة التقينا بها وهي مسؤولة عما يسمى "بيت الترحيب"، ويعني كما قالت: "أول مكان يستقبل الطفل فور دخوله المؤسسة. وعند استقبالي له وبعد ترحيبي به بكلمات مداعبة أقدم له حماماً ساخناً، من ثم ملابس جديدة ووجبة طعام، بعدها أجلس معه فترة معينة حتى احتويه، خصوصاً وأنه يكون خائفاً على الأغلب لأنه في مكان جديد مع أناس غرباء بعيداً عن أهله. وبعد أربعة عشر يوماً يقضيها معي أكون قد غرست فيه شعور الاطمئنان وأنه في مكان آمن وجميل".

"برتاح بس أشوفه نايم مرتاح"، تقول الأم نسرين، معتبرة أن نوم الطفل مرتاحاً في بيت الترحيب هو إنجاز بحق ذاته، ويرفع من منسوب قوتها العاطفية وقدرتها على أن تنزع الخوف الذي يرافق كل طفل فور دخوله المؤسسة.

ومن المواقف التي أثرت بها تسرد: "مرة قضى عندي طفل قادم من تفكك أسري بضعة أيام. أذكر عندما أتى أهله لاسترجاعه، شعرت أن هناك شيئاً ما خرج من قلبي وذهب معه".

جبر الخواطر عبادة، وجبري لخواطر أطفال مكسوري الجناح وفاقدي سند الأب وعطف الأم، أهم بالنسبة لي مما يحدث في العالم الخارجي الممنوعة من التواصل معه، فالعالم الخارجي فيه أشرار كثر، لكني هنا في منزلي مع أطفالي أتغذى كل يوم بوجبة البراءة والنقاء

"اشتقنالك ماما نسرين"، عبارة تؤثر بالأم نسرين عندما تسمعها من أطفال بعد خروجهم من بيت الترحيب إلى البيوت الأسرية. يقولونها مصطحبين معهم أساور ورسومات، "بعز عليّ كتير بس يطلعوا من عندي ويروحوا للبيوت الأسرية، روحي معلقة فيهم".

تكريس نسرين كل جهدها البدني والذهني والنفسي في مهمتها التي تعتبر الأصعب عن باقي مهام الأمهات البديلات، ذلك لأنها أول من تتلقف الطفل القادم من تفكك أسري، زرع فيها بحسب قولها إلغاء غاية الذات ومنحها للآخر، وتوضح: "أبناؤنا دفعوني لأن ألغي مصالح ذاتي وأكرس كل ما بي من مشاعر واهتمام لأطفال ليسوا فاقدي النسب فقط، بل هم فاقدو الحياة الطبيعة التي هي حق لكل البشر".

وتضيف: "منحنا أولوية اهتمامنا للآخرين بدلاً عن أنفسنا، هو علاج نفسي بحد ذاته، يحررنا من الشر ويقربنا من عالم جميل اسمه عالم الخير".

وتختم نسرين: "جبر الخواطر عبادة، وجبري لخواطر أطفال مكسوري الجناح وفاقدي سند الأب وعطف الأم، أهم بالنسبة لي مما يحدث في العالم الخارجي الممنوعة من التواصل معه، فالعالم الخارجي فيه أشرار كثر، لكني هنا في منزلي مع أطفالي أتغذى كل يوم بوجبة البراءة والنقاء".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard