جبر الخواطر... شمعة في قلب باغتته العتمة

الاثنين 1 مارس 202103:51 م

بالقرب من القصر العدلي بدمشق، هناك محل لبيع الفطائر. وضع لافتة على الواجهة مكتوبٌ عليها: "فطائر مجانية لمن لا يستطيع دفع ثمنها". اقتربتُ من المحاسب وقلت له: "هل لي بفطيرة محمّرة مع قشقوان، مع أنني لا أملك نقوداً؟". مباشرةً طلبها من عامل الفرن وقدَّمها لي بمحبة، قائلاً: "صحة وهنا". دفعت له ثمنها شاكراً كرمه. "أحببت أن أتأكد من صدق اللافتة"، قلت فأجابني: "الله بيجبر يلّي بيجبر". منذها وفكرة "جبر الخواطر" تُلاحقني من مكان إلى آخر، لما فيها من عطاء إنساني لا يخبو وهجه، وقدرة على إزاحة الهمّ والغمّ، ودَمْل الجراح الغائرة، وتحلية مذاق الحياة. هذا ما حصل ذات مرة أمامي في مكتبة "كلمات" في صحنايا، حيث دخلت امرأة يبدو من لكنتها أنها من ريف حلب، لتخبر مدير المكتبة أنها مضطرة لإيقاف ابنها عن الاستمرار في دورة اللغة الفرنسية، وفي صوتها غصّة واضحة. يبتسم الأستاذ حسام أبو فرح بوجهها قائلاً: إن كان السبب هو عدم قدرتك على دفع تكاليف الدورة الجديدة، فلا تهتمي. لتجيبه بحزن كبير: "أنت تعلم واقع الحال، يؤسفني ذلك، لكنني مجبرة عليه". هنا تزداد ابتسامة الأستاذ حسام المُطمئنة، ويقول لها: "ابنك مجتهد، ويسعدنا أنه من طلاب مكتبتنا. اعتبري هذه الدورة الجديدة هدية من مكتبة كلمات، وأرجو منك أن تقبليها". "لكنني لا أريد تحميلك ما لا طاقة لك به". فيرد عليها: "ابنك ابني وانتهى الأمر". يُدَوِّن لها أوقات الدروس في الدورة الجديدة، يناولها إياها بابتسامة، فتخرج وهي تردد: "الله يجبر بخاطرك". 

جبر الخواطر قادر على انتشال المرء من كَمَدِه، وإشعال شمعة في قلب باغتته العتمة، لكثرة ما تعرَّض من خذلانات الواقع، وضغوطات المعيشة، وعبثية الحياة، وما تفرضه على الكائن من عزلة إجبارية، ليشعر وكأنه "فأر كافكا" لا سبيل لديه في ظل جميع الجدران التي تُحاصره، والفخ الذي ينتظره، إلا الإصغاء إلى نصيحة القط بتغيير اتجاهه. وما إن يفعلها حتى يلتهمه. لكن يبقى هناك من يفتح ثغرة في الجدار سامحاً لأخيه الإنسان بأن يتنسَّم قليلاً من الهدوء والسكينة، تماماً كما حصل في القصة التي رواها لي أحد الأصدقاء عن "أبو فجر"؛ الرجل الفلسطيني ذي الخمسة والستين عاماً. تراجعت صحة أبو فجر، مما منعه من الذهاب إلى الأرض؛ مصدر رزقه الوحيد. وبعد ثلاثة أسابيع من فترة مرضه، التي جعلته طريح الفراش، ذهب إلى أرضه ليجد أن كل ما تحتاجه من تقليب التربة وتقليم الأشجار والري، وما إلى هنالك، قد تم على أكمل وجه. استغرب أشد الاستغراب، ليكتشف أن جيرانه وأولادهم كانوا يذهبون باكراً إلى أراضيهم، وما إن ينتهون من أشغالهم، حتى يجتمعون في أرضه ويقومون بما ينبغي عليهم من دون أن يخبروه، رغم أنهم كانوا يعودونه في بيته بشكل يومي بعد عودتهم من الأرض.

جبر الخواطر قادر على انتشال المرء من كَمَدِه، وإشعال شمعة في قلب باغتته العتمة، لكثرة ما تعرَّض من خذلانات الواقع، وضغوطات المعيشة، وعبثية الحياة، وما تفرضه على الكائن من عزلة إجبارية

هذا السخاء في العطاء والبَذْل، لا يجبر المكسور فقط، بل يجعل روحه تُزهِر، وقلبه يمتلئ بالعرفان، خاصةً في زمن بات فيه الشواذ قاعدة، والمثالية مُعابَة بأنها ليست واقعية. لكن مع ذلك هناك من يتعامل مع الحياة برومانسية قَلَّ نظيرها، مثل تلك الشابة الثلاثينية، التي أخبرتني عنها صديقتي شذى الموعي قائلةً: "رغم توسُّط بيتها عدّة محالّ، لكنّ الشابة تنتظر أن تمرَّ بالكورنيش البحري في طرطوس لتشتري علبَ محارم من رجلٍ مسنٍّ يفترش، الرصيف صيفاً وشتاءً مع أكياس متواضعة جدّاً في جودتها، لكنّه يعتقدُ عكس ذلك، كيف لا وتلك الشابة تمنحه دوماً شعوراً أنّ المحارم ستنقطع من الوجود لولاه، ليطمئنها بدوره، وبجدّيّةٍ مطلقة، أنّه باقٍ هنا، وأنّها لن تنقطع من المحارم طالما في روحه نفس، وفي قلبه نبض".

"جبر الخواطر" قد يكون بكلمة أو اتصال أو إيماءة أو نظرة أو تعاطف. وقد يكون مجرد وجود إنسان ما بالقرب منك هو أكبر جبر للخاطر. كما أن ذاك الجبر قد يأتي على هيئة قصيدة أو رسالة أو رواية أو كتاب، وربما يتجسَّد بضَمّة أو قبلة أو حتى مجرد مُصافحة أو مُلامسة، هذا الطيف من تَمَثُّلات "جبر الخواطر" يعيدني إلى ما قرأته مرَّة في كتاب تفسير "أبو اسحق الزجاج" لأسماء الله الحسنى، ومنها "الجَبَّار" وجاء فيه: "الذِي يَجْبُرُ الفَقرَ بِالغِنَى، والمَرَضَ بِالصِحَّةِ، والخَيبَةَ والفَشَلَ بالتَّوْفِيقِ والأَمَلِ، والخَوفَ والحزنَ بالأَمنِ والاطمِئنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ الخَلَائِقِ". وعلى سيرة جَبر المرض بالصحة، فإن ذلك ذكَّرني بالدكتور السوري إحسان عز الدي" الذي لُقِّب بـ"طبيب الفقراء" لأنه ظلَّ، في عيادته الواقعة بمنطقة جرمانا، يداوي مرضاه لسنين طويلة بأجرة معاينة خمسين ليرة فقط. كما أنه خجل خجلاً كثيراً واعتذر من مرضاه عندما رفع تعرفة معاينته إلى المائتين منذ فترة قصيرة. وفي كلا الحالتين، فإن أجرة سيرفيس داخل أي بلدة تتخطى عتبة تلك التعرفة. ومثله ما يذكره سكان حي مصر القديمة عن برسوم المجبراتي، وهو طبيب عجوز عاش حتى اقترب من التسعين عاماً. وقد جاء اسمه من تخصّصه في جبر العظام. كانت عيادته القريبة من النيل من أهم معالم الحي، وكان مرتادوها بالعشرات يومياً، لندرة هذا تخصّصه في الماضي. اشتهر بعلاجه للفقراء مجاناً، وكان يُردّد دائماً أن الله جبر خاطره بالشهرة والمال، لذا وجب عليه مراعاة الفقير والعناية به كالأغنياء.

دخلتْ إلى صيدلية بالقرب من منزلي، وطلبت من الصيدلاني أن يفتح دفتر الدّيون، وينتقي اسم فقير يستدين باستمرارٍ ثمن أدويته، وأن يشطب ما عليه من دَين لتدفعه هي فتريحهُ هذا الشهر من عبءِ مصروف الأدوية، شرط ألاّ يعلم باسمها، لا هو، ولا غيره.

"جَبَرَ خاطِرَهُ" في معجم المعاني الجامع، والمعجم الوسيط، معناه "أجاب طلبه، عزّاه وواساه في مصيبة حلَّت به، أزال انكساه وأرضاه". وأجمل ما فيها، في بعض الأحيان، أن يكون فاعلها مُستتراً، مبنياً على المحبة الخالصة، والإحساس بالآخر، بغض النظر عن المعرفة الشخصية. فهناك من يؤمن بأنه إذا أعطيت فلا تجعل يُسراك تعرف بما أعطته يُمناك. ومن بين أولئك سيدةٌ سورية، دخلت إلى صيدلية بالقرب من منزلي، وطلبت من الصيدلاني أن يفتح دفتر الدّيون، وينتقي اسم فقير يستدين باستمرارٍ ثمن أدويته، وأن يشطب ما عليه من دَين لتدفعه هي فتريحهُ هذا الشهر من عبءِ مصروف الأدوية، شرط ألاّ يعلم باسمها، لا هو، ولا غيره.

يقول الشاعر جهاد جحا: "وتراهُ في جبر الخواطر ساعياً... وفؤادُهُ متصدِّعٌ مكسورُ"، وكأن الفاعل هنا مُحتاجٌ لأن يكوناً مفعولاً به بمثل فعلته. وفي هذه المفارقة تأكيد على عظمة ألم مكسوري الخاطر، أصحاب الجراح الغائرة والأرواح المكلومة. يذكّرني ذلك بقصة روتها لي صديقة لبنانية عن طفلة من طرابلس دخلت إلى محلِّ أجبان، وبين أصابعها تتكوّر ورقة نقدية من فئة قليلة، تطلب من البائع بكل لطف وثقة، أن يضع لها بعض الجبن. وقبل أن ينطلق البائع لا شعورياً في قهقهته العفويّة، تلاقيه من الخلف غمزة رجل يقف بانتظار دوره في زاوية المحلّ، أن ضعْ لها ما تشاء وأنا سأحاسبك. لكن لا تجرحها ولا تُحرجها، فهذا أثمن بكثير من سعر قطعة جبنٍ لا تتجاوز نصف حجم الكفّ.

وبين كسر الخواطر وجبرها، تلعب الموسيقى والأنغام دوراً كبيراً، فكم سمعنا أغنية هدَّأت البال، وأراحت الخاطر؟ وكم قابلنا أشخاصاً يستكينون عندما يستمعون إلى لحن ما يرتبط بوجدانهم بذكرى طيبة؟ وكم من معزوفة تألفها الروح وتُدغم معها، فيشعر الإنسان بأنه حصل على تطهيره الأرسطي المشتهى؟ ولعل من أجمل الأغنيات التي تدور في فلك موضوعنا ما غناه المطرب السوري فريد الأطرش في فيلم "تعالى سلم" في الخمسينات، وجاء فيه "جبر الخواطر على الله.. مش طالب منِّك غير طلّة.. تعالى سلّم وأنا أسلّم بالعين وبس ما نتكلم"، ومنها أيضاً ما غناه المصري "محمود شكوكو" بالقول: "جبر الخواطر على الله.. والله ما أحب غيرك والله.. وأنت ليه ماتحبنيش؟ إلهي تحب.. قول إن شاء الله".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard