"دوري في إيصال معاناة الناس مهمّ جداً"... قصص عاملين عراقيين في منظمة إنسانية

الخميس 1 أكتوبر 202012:10 م

عندما سمع صهيب ماجد في عام 2017 عن منظمةٍ تستقبل طلبات التوظيف توجّه فوراً إلى سوق حمام العليل علّه يستعيد جانباً من الحياة التي توقفت في الموصل خلال الأعوام الثلاثة حتى ذلك الوقت. لم يكن شديد التفاؤل في حصوله على وظيفة لم يدعمه أو يتوسّط له أحدٌ لتولّيها، كما أنّ سيرته الذاتية شبه فارغة على حدّ قوله، لكن كان يكفيه شرف المحاولة.

يقول صهيب، "عندما تقدّمتُ للعمل مع منظّمة "أطباء بلا حدود"، كان حالي كحال أي شخص يحتاج وظيفة. لم أكن أعرف الكثير عنها، كما اعتقدتُ من اسمها أنّها توظّف الأطباء فقط". لكنه قرأ في إعلان الوظائف الشاغرة عن حاجة المنظّمة لمترجمين ولوجستيين وصيدلانيين، وكان منصب المترجم من نصيبه بعد اجتيازه الاختبار والمقابلة بنجاح.

كما أنهم جميعاً عازمون على المضي قدماً يحدوهم أملٌ بغدٍ أفضل.

أظهرت التظاهرات الأخيرة في العراق أنّه ليس من السهل على العراقيين، لا سيما الشباب منهم، إيجاد وظائف، وفي الموصل -كما في باقي أرجاء البلاد- أصبحت فرص العمل محدودة. خلال العمليات العسكرية لاستعادة الموصل عام 2017، دخلت منظمات دولية عدة إلى المدينة وبدأت عملها الإغاثيّ، فتوفرت بذلك أنواع جديدة من الوظائف لمئات الأشخاص في الموصل ومحيطها.

منظمة "أطباء بلا حدود" هي إحدى هذه المنظمات التي تستجيب للحاجات الإنسانية الكبيرة في المنطقة. إنّ اسم المنظمة يوحي بطبيعة عملها، ولو أنَّ طابعه طبي، لا يمكن أن يتمّ من دون مجهود الكادر غير الطبيّ الذي يعمل "خلف الكواليس". في المنظّمة الطبية الإنسانية، يتّسم دور الموظفين غير الطبيين بالأهمية ذاتها في توفير الرعاية الطبية للسكان.

يعمل صهيب اليوم في وظيفته الرابعة ضمن الكادر غير الطبيّ مع "أطباء بلا حدود"، وتحديداً في مرفق "الرعاية الشاملة التالية للجراحة" في الجانب الأيسر من الموصل. يتولّى من خلال منصب مساعد منسّقة المشروع مهمة تمثيل المنظّمة لدى السلطات المحلية، ويساعده اطّلاعه على مختلف المستجدات في المنطقة وشغفه  بالكتابة في صياغة تقارير دورية تصبّ في ضمان استمرار الأنشطة.

أظهرت التظاهرات الأخيرة في العراق أنّه ليس من السهل على العراقيين، لا سيما الشباب منهم، إيجاد وظائف، وفي الموصل -كما في باقي أرجاء البلاد- أصبحت فرص العمل محدودة

عمل العراقيين مع المنظّمات كان أمراً مستبعداً

 قد يُخيّل للكثيرين أنّ عمل المنظمات الدولية في العراق أو المنطقة ينفذه موظفون أجانب فقط، وهذا ما يثير ريبة الناس حولها. تشرح زميلة صهيب، ياسمين محمد، التي تعمل حارسة في المشروع أنّ تقبّل الناس للمنظّمات الإنسانية لم يكن كبيراً مع بداية عملها في الموصل بعد معركة استعادة المدينة من سيطرة جماعة الدولة الإسلامية: "كان عمل العراقيين مع المنظّمات أمراً مستبعداً في بادئ الأمر، فالمجتمع لم يرحّب بفكرة تعاملنا مع الأجانب نظراً لما عاشه العراق على مدى أكثر من عقدٍ من الزمن. لكن سرعان ما تغيّرت نظرة الناس عندما وفّرت هذه المنظّمات خدمات اشتدّت الحاجة إليها، فلولاها لما بدأ حال الموصل يتحسّن".

ومع مرور الوقت لاحظ الأشخاص الذين ترددوا إلى مرافق المنظمة لتلقي الرعاية الصحية أنّ الموظفين العاملين فيها أمثال صهيب وياسمين هم بغالبيتهم عراقيون. إذ يعمل مع منظّمة "أطباء بلا حدود" في العراق ما يزيد عن 1,700 موظف، أكثر من 90 في المئة منهم عراقيون. وعلى اختلاف مهماتهم، بين سائق وطبيبة ومسؤولة النظافة وتقنيّ الأجهزة الطبية وصيدلانيّ ومسؤولة الإمداد وغيرهم، فإن لهم دوراً مفصليّاً في تسيير المشروع. يجتهدون جميعاً لإتمام عملهم، وقد يبدو ذلك فعلاً بسيطاً بحدّ ذاته، لكنّه تماماً كرفرفة الفراشة لجناحيها، يُحدث تأثيراً كبيراً على الصعيد الأوسع، فمن دونهم لا يمكن أن تتحقق أو تستمرّ أنشطة المنظّمة.

مساهمة ياسمين في المشروع تقتصر على تفتيش النساء قبل دخولهنّ إلى المرفق، بهدف ضمان سلامة الجميع. خلال قيامها بعملها تسألهنّ عن حالهنّ وترحّب بهنّ بحرارة. هي تحبّ عملها الذي يعطيها فرصة نشر البسمة بين أشخاصٍ لربما احتاجوا جرعةً من الإيجابية في ذلك اليوم.


الالتزام بأعلى معايير السلامة والنظافة في تحضير الوجبات 

والحال نفسه خلف نهر دجلة في الجانب الأيمن من الموصل، حيث يتفانى أيضاً الموظفون العراقيون في تسيير أنشطة "أطباء بلا حدود" في مستشفى نابلس. يولي عبدالله زرزور أهمية كبيرة لعمله رئيساً للطباخين في المشروع، وينفّذه على قدر عالٍ من الإخلاص والجِدّ.  يخبرُ أنَّ "وظيفة الحارس  حماية المستشفى من أي أخطار خارجية محتملة، بينما عليّ حماية المرضى من المخاطر الداخلية. إطعام الناس مسؤولية كبيرة، لذا نحرص على الالتزام بأعلى معايير السلامة والنظافة في تحضير جميع الوجبات للمرضى ومقدمي الرعاية لهم". عبدالله الذي واجه خسارات كبيرة في حياته يسعى دائماً للعطاء وإسعاد الآخرين. يردّ السؤال عن حاله بأبيات شعرٍ تنضح بثقافته وإقباله على الحياة بحلوها ومرّها.

لكلّ من الموصليين العاملين مع منظّمة "أطباء بلا حدود" قصته مع العزم والصمود اللذين يعطيان الحياة في المدينة بُعداً آخر

جمع البيانات الطبية وتحديد المشاكل الصحية 

أما زميلته نور الزهيري، مشرفة البيانات الطبية التي تعمل في مستشفى نابلس منذ حوالى عامين، فترى أنها تساعد مجتمعها بطريقة غير مباشرة: "يفيدنا جمع البيانات الطبية في تحديد المشاكل الصحية التي يعانيها الناس، فيمكننا بالتالي توفيق أنشطتنا بحسب حاجة الناس إليها. يشعرني ذلك أنّ دوري في إيصال معاناة الناس مهمّ جداً حتى لو لست جزءاً من الكادر الطبيّ". يعني لنور الكثير أن تكون قادرة على مساعدة الآخرين بطريقة أو بأخرى، ويسعدها أن تساهم في مساعدة مدينتها الموصل كما يفعل والداها اللذان يعملان في القطاع الصحيّ الحكوميّ.

لكلّ من الموصليين العاملين مع منظّمة "أطباء بلا حدود" قصته مع العزم والصمود اللذين يعطيان الحياة في المدينة بُعداً آخر. صهيب وياسمين وعبدالله ونور هم أربعة من مجموع الموظفين العراقيين غير الطبيين الذين يستحقون كلّ التقدير والامتنان، فهُم لا يتلقّون من الذِكر ما يفيهم حقهم وتعبهم في مساهمتهم في العمل الإنسانيّ، مع أن دورهم جوهريّ في توفير المساعدة للمجتمع الموصليّ. وكما الكثير من العاملين الإنسانيين في العراق وخارجه، يجمعهم الإصرار على مساعدة أفراد مجتمعهم الذين يحققون جزءاً منها من خلال عملهم اليومي، كما أنهم جميعاً عازمون على المضي قدماً يحدوهم أملٌ بغدٍ أفضل. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard