"العالم واسع من نافذة منزلي"... مشوار أطفال قرى فاقدي/ات السند في تونس

الأحد 7 مارس 202105:32 م

تدور باسطة ذراعيها نحو السماء، تُشرق ابتسامتها على محيّاها، يخيّل إليك أنها تضيء ساحة "باب بحر" في العاصمة، التي تعجّ بالمارين ذهاباً وإياباً.

تردّد، دون اكتراث ببعض الفضوليين الذين يسترقون النظر إليها، مقطعاً من قصيدة لمحمود درويش بأعلى صوتها، واثقة ثابتة: "على هذه الأرض ما يستحِق الحياة؛ تَرَدد إبريل، رائحَة الخبْز فِي الفجْر، آراء امْرأة في الرِّجال، كتابات أسخِيْلِيوس، أول الحب، عشب على حجرٍ، أمهات يقفن على خيط ناي...".

مع آخر عبارة في القصيدة، تنضمّ إليّ أمل (اسم مستعار) مجدداً إلى طاولة المقهى، وقد حظيت بتصفيق بعض الجالسين بالقرب منا، الذين شدّهم مدى انسجام جسدها مع كلمات القصيدة حدّ الانصهار.

"قالها درويش وأؤكدها أنا، نعم على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة... رغم جبروتها"، تقول أمل، وهي تشعل سيجارة وتنفث الدخان إلى أعلى، ثم تتبعه بنظراتها حتى يتلاشى: "انظري إلى أيّ مدى وصل، سأصل أبعد".

أمل، شابة في الـ 23 من العمر، ممثلة صاعدة، أدت أدواراً عديدة في مسلسلات ومسرحيات حصدت نجاحاً في تونس، وهي بصدد تسلّق سلّم النجومية درجة درجة.

تربّت منذ نشأتها في إحدى قرى الأطفال فاقدي السند "SOS"، ثم وقع تبنيها في مرحلة ما من قبل عائلة بإحدى مدن العاصمة.

"لن أخبر أحداً بحقيقتي"

"كنت فتاة خجولة حدّ الانطواء، ربما حدّ البلاهة حتى... لكنّ تجارب الحياة وصفعاتها أنضجتاني باكراً، حتى صرتُ على النقيض تماماً لما كنتُ عليه. أحببت المسرح في سنّ مبكرة جداً، والعروض التي كانت تُقدّم لنا في قرية الأطفال، على بساطتها، ثم لمّا كبرتُ قليلاً تخصّصتُ في دراسة فنون المسرح والتمثيل. وها أنا الآن أخوض تجربتي الخاصة وأرفرف بجناحيّ نحو السماء وأبعد..."، تضيف وعيناها لا تزالان تحدقان إلى أعلى.

"من السابق لأوانه جداً أن أكشف للعلن أنني ابنة الـ 'SOS'"، تقول أمل في حديثها لرصيف22، موضحة: "تعلمين جيداً العقلية في تونس، سأتحوّل من ممثلة تكافح من أجل مكانها في الساحة الفنية، إلى 'شيء' مثير للشفقة، فتدعوني القنوات للظهور في المنابر الإعلامية، لا للحديث عن أدواري التمثيلية، وإنما للحديث عنّي كطفلة فاقدة للسند، وهذا ما أرفضه".

تصمت قليلاً، ثم تضيف: "لا أحد في الوسط الفني يعرف حقيقة كوني ابنة قرية أطفال... فأنا أرفض قطعاً أن أكون محلّ شفقة، بل بالعكس أنا معروفة في محيطي بشخصيتي القوية والثابتة".

تقول أمل، التي تربت في قرية أطفال فاقدي السند، وهي تشعل سيجارة، وتنفث الدخان إلى أعلى، ثم تتبعه بنظراتها حتى يتلاشى: "انظري إلى أيّ مدى وصل، سأصل أبعد".

تردف قائلة: "تعلّمتُ القوة والصبر والتعويل على الذات في مرحلة مبكرة من العمر، لمَّا كنتُ بالقرية، وأنا مدينة حقاً لأمّي (البديلة) هناك، ولإخوتي الذين لازلت أتواصل معهم، وسأظلّ ما حييت".

"الحياة في قرى الأطفال فاقدي السند، رغم كلّ المساعي لتيسيرها وتوفير أدنى متطلبات العيش فيها، تظلّ صعبة. أكون كاذبة لو قلت لكِ إن العائلة في قرى الـ 'SOS' تعوّض الإحساس بالفقد والحاجة إلى عائلة حقيقية، لكن صراحة أن تكون لك عائلة بديلة، تحاول قدر المستطاع أن تحتويك، أفضل من أن تكوني دون عائلة بتاتاً".

تلقي بما تبقى من سيجارتها في المطفأة، وتعود إلى الساحة لترقص على إيقاع قيثارة شاب، يعزف ألحاناً بهيجة، بالقرب من النافورة التي تتوسط ساحة "باب بحر".

"جعلتني سيدة قانون"

كثيرة ومتنوعة هي قصص النجاح التي حققها أطفال ترعرعوا في قرى الأطفال بتونس، كلّ أبدع في مجال اختصاصه، عاند الظروف ليخلق من الضعف قوّة، ويخطّ لنفسه مسيرة يمضي بها قُدماً بثبات، بطريقة تكاد تتفوّق على أشخاص تربوا في كنف آبائهم الأصليين.

مريم (47 عاماً)، مستشارة قانونية في شركة خاصة، نشأت بإحدى قرى الأطفال. درست بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، وتنشط في جمعيات ومنظمات وطنية ودولية عديدة، تقول لرصيف22: "كلّ الفضل فيما وصلت إليه من نجاح يعود إلى قرية الأطفال التي جعلت منّي سيدة قانون".

تضيف، وابتسامة الاعتزاز تكسو محيّاها: "تم نقلي إلى القرية وأنا في الرابعة من العمر، بالكاد أذكر تفاصيل انضمامي إلى أسرتي بالقرية، لكنّ أحاسيس الدفء والاطمئنان والاحتواء التي غمرتني منذ يومي الأوّل هناك لم ولن أنساها ما حييت".

"تربّيت في عائلة بديلة مكونة من 8 أطفال وأمّ، وكلّما غادرنا أخ (أو أخت) ينضمّ إلينا فرد جديد، ويحظى بنفس درجة الاهتمام التي نحظى بها جميعاً"، توضّح مريم.

"لم أحسّ يوماً أنني عالة أو نكرة".  

"لم أحسّ يوماً أنني عالة أو نكرة في القرية، بالعكس، كنا نحظى بأقصى درجات الاهتمام، بل كنّا مدللين، تأتينا أفضل الملابس في الأعياد، نحتفل بمناسبات ودونها، ونقوم بمختلف الأنشطة".

تؤكّد مريم أنها تعلّمت في قرية الأطفال، النظام واحترام الغير وإيثار الآخر، وحسن تقسيم الوقت بين الدراسة والأنشطة والعائلة. "هكذا بدأت قصة حبّي للقانون من القرية، وها أنا اليوم مستشارة قانونية ناجحة"، تقول ضاحكة.

ويُنظَّم عمل قرى الأطفال في تونس، وفق القانون عدد 34 لسنة 1983 المؤرخ في 2 أبريل/نيسان 1983، المتعلّق بالمصادقة على الاتفاق المبرم بتونس في 26 مارس/آذار 1981، بين الجمهورية التونسية ومنظمة قرى الأطفال العالمية. وهو يندرج في إطار رعاية الطفولة فاقدة السند العائلي، والتعاون الدولي بين الدولة التونسية والمنظمات الدولية المختصة في هذا المجال.

"ممتن لعائلتي البديلة"

ويحرص القائمون على قرى الأطفال على إشراكهم في مختلف الأنشطة، وتحفيزهم على صقل مواهبهم في مختلف المجالات، منهم اليتامى، وأبناء خارج أطر الزواج الشرعي، أو مشردون.

ولعلّ الطفلة نسرين بوشناق (10 سنوات)، ابنة قرية الأطفال بمحرس (صفاقس)، خيرُ نموذج لذلك، فقد قادتها عذوبة صوتها وموهبتها في غناء التراث الفولكلوري التونسي إلى المشاركة في برنامج اكتشاف المواهب العربي "ذ فويس كيدز"، وشدّت الأنظار إليها بصوتها الشجيّ، ما دفع الفنان التونسي لطفي بوشناق لتبنّي صوتها ودعمها.

ويقول وائل (36 عاماً) لرصيف22: "ترعرعت في قرية للأطفال، درست وتخرّجت، وكانت نتائجي دائماً متميزة، تخصّصت في دراسة الإعلام، وأنا اليوم مهندس بشركة كبرى بفرنسا".

"فتحت عينيّ على هذا العالم الشاسع من نافذة منزلي الصغيرة بإحدى قرى 'SOS'. نافذة، على ضيقها، فتحت لي آفاق الكون بأسره. من كان ليتوقع أن أحلّق ليس خارج قريتي فحسب، بل أيضاً خارج وطني، لأكون مهندساً بإحدى الشركات المرموقة في أوروبا؟ ماذا كان ليحصل لي لو بقيتُ في الشارع أو في كنف عائلة ترفضني؟".

يضيف وائل مؤكداً: "أنا حقاً ممتنّ لعائلتي البديلة في القرية".

يوجد في تونس 4 قرى للأطفال فاقدي السند "SOS"، بقمرت (تونس العاصمة)، أكودة (سوسة)، محرس (صفاقس)، وبسليانة.

وتضم قرية قمرت 12 منزلاً، فيما تضمّ قرية أكودة 14 منزلاً، ويوجد بقرية محرس 13 منزلاً، فيما تتكون قرية سليانة من 12 منزلاً، ويكوّن كلّ منزل من 7 أو 8 أطفال وأمّ بديلة، وفق ما أكده المدير الوطني للجمعية التونسية لقرى الأطفال "SOS"، فتحي المعاوي، لرصيف22.

نجاحات حققها أطفال لأم وخالة بديلة، في قرى الأطفال بتونس، بشكل يكاد يتجاوز كثيراً من تربوا في أسر طبيعية

وأضاف المعاوي: "تتبنى الجمعية الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم 6 سنوات (تحدث بعض الاستثناءات في بعض الحالات)، يعيشون في المنزل العائلي بالقرية حتى يصل سنهم إلى 14 عاماً في الغالب، ثم يقع تحويل البنات إلى مبيت الفتيات الشابات المتواجد أيضاً داخل القرية (لأن البنات في حاجة إلى إحاطة أكثر)، فيما يقع تحويل الأولاد إلى مبيت الفتيان الشبان، المتواجد خارج القرية لكنه قريب منها، من أجل مواصلة المرافقة والمتابعة والتأطير".

ويتابع المسؤول بالجمعية: "أما المرحلة التالية فتتمثل في مرحلة السكن المؤطّر، وهي بين سن 18 و23 عاماً، يخرج كلّ شابيْن أو 3 شبان لكراء مسكن، وتظلّ القرية تتابعهم، وتقدّم لكل واحد منهم منحة شهرية بـ 400 ديناراً، حتى يبدأ الشاب في العمل، سواء أكان قد اتبع المنهج التكويني أو الجامعي. بعد 3 أو 4 أشهر من العمل، عندما تتأكد الجمعية أنه استقرّ في مهنته، حينها يتوقف دورها".

واستدرك المعاوي قائلاً: "لكن حتى بعد ذلك تظلّ الـ 'SOS' أسرته التي يعود إليها غالباً في المناسبات والأعياد والأفراح والأتراح، ليقاسم إخوته فرحهم وحزنهم، كما تظلّ علاقته بأمه البديلة متواصلة".

وعن معايير اختيار "الأم البديلة" في القرى، أوضح مدير الجمعية أنه في البداية كانت الشروط مشددة، إذ يُشترط أن تكون المتقدمة لهذه المهمة قد تجاوزت 35 عاماً، وأن تكون مطلقة أو أرملة أو عزباء، لأنها ستعيش 24ساعة في اليوم مع الأطفال بمنزلهم بالقرية، وتعمل طيلة 3 أسابيع في الشهر، وترتاح أسبوعاً، لتعوّضها في ذلك الأسبوع "الخالة البديلة"، وتوجد لكلّ 3 منازل خالة بديلة".

وأضاف المعاوي: "من الضروري ألا يكون مستوى الأم أقلّ من الباكالوريا (الثانوية العامة)، لأننا نعوّل كثيراً على تعليم أطفالنا وتكوينهم، وباعتبار الأم تلعب دوراً هاماً في نجاح أطفالها".

واستدرك المسؤول أن الجمعية ارتأت أن تخفّف قليلاً من حدة الشروط، فأصبح منذ 2015 من الممكن أن تتقدم امرأة متزوجة لهذه الوظيفة، شرط أن تسمح ظروفها بعملها لـ 24 ساعة يومياً طيلة 3 أسابيع في الشهر، وألا تنجب إلا طفلاً واحداً، موضحاً أن بإمكانها أن يكون ابنها معها في القرية إلى أن يصل سنّ العامين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard