"أبي بخيل وأمي زاهدة وأنا معقدة نفسياً"... حكايات نساء وشعور عدم الاستحقاق

الجمعة 16 أبريل 202104:52 م

"ما نراه حقنا هو في الحقيقة انعكاس لرؤيتنا حول أنفسنا"، قالت صديقتي، وتأملت كلماتها قليلاً، فكم مرت على حياتي نساء لا يرين في أنفسهن أنهن يستحققن شيئاً مادياً أو معنوياً، وكم رأيت من نساء يتنازلن عن كل حقوقهن في الحياة، ليس ضعفاً، وإنما لشعورهن بعدم الأحقية والاستحقاق.

وكم أضعن فرصاً، وحقوقاً، ومكتسبات بل وسنيناً من عمرهن لمجرد أنهن لم تشعرن باستحقاقهن.

"أبي البخيل حدّ الجفاف"

ترى أروى (24 عاماً)، تسكن في القاهرة، لا تعمل، أن أباها هو السبب الرئيسي في زرع "عقدة عدم الاستحقاق" بداخلها، وهو المسؤول أيضاً في زرعها لدى والدتها، تقول لرصيف22: "كان أبي بخيلاً حد الجفاف، ليس بخلاً مادياً فقط، وإنما عاطفي أيضاً، فلم أره مرة واحدة يحادث أمي بكلمة حب، ولم أتذكر أنه حاول أن يقول لي كلمة واحدة عن حبه لي أو فخره بي، أو أنه يراني جميلة، مثل باقي الآباء".

وتضيف: "كان يحطم أمي ويحطمني معها، يقلل من قدرنا، ويتنمر علينا، ومن وقت لآخر يقول إننا لا نستحق أكثر من ذلك، طبعاً ما أرويه الآن هو ما أدركته بعد حياتي معه 24 عاماً، ولكن على مدار كل تلك الأعوام، لم أكن أنتبه لتصرفاته تلك، والحقيقة أنني لا أعلم إذا كان أبي يصنف نرجسياً أم لا، أو ما هو تصنيفه النفسي بشكل عام".

تحكي أروى عن والدتها باعتبارها "نموذجاً حياً لفعلته"، ظلت طيلة الوقت أشبه بالزاهدة في الحياة، ليس لها متطلبات مادية ولا معنوية، راضية بأقل القليل الذي يقدم لها، على النقيض من حياتها قبل زواجها منه، تقول: "كانت منفتحة على الحياة، ومقبلة عليها، متابعة جيدة لخطوط الموضة والأزياء".

تحاول أروى الآن أن تعالج "الشعور بعدم الاستحقاق"، وتنمي تقديرها لذاتها، وأنها تستحق كل ما هو جيد، تقول، منهية حديثها: "كل ما أخشاه أن أفشل أو أن أصبح أنانية وطماعة".

"لا أستحق زوجاً يحترمني"

"أنا خرجت من الظلمات للنور، هكذا أحب أن أصف نفسي، وأصف تحرري من شعوري بعدم الاستحقاق"، تقول فادية غانم (41 عاماً) طبيبة تجميل، من القاهرة. تحكي لرصيف22: "ضيّعت سنوات عمري في علاقة مؤذية جداً مع طليقي، كانت السمة الرئيسية فيها هي الإهانة والتعنيف النفسي، وكنت طوال الوقت أتخيل أن هذا ما أستحقه، ولا يمكنني أن أتطلع لأكثر من ذلك، سواء في الاحترام المتبادل أو الحب والتعبير عنه، أو حتى هدية بسيطة للتعبير عن تقديره لوجودي في حياته، ورغم أننا كنا متحابين خلال الدراسة الجامعية، ثم خلال العمل، ثم تزوجنا".

"ظلت أمي طيلة الوقت أشبه بالزاهدة في الحياة، ليس لها متطلبات، راضية بأقل القليل، بعد أن كانت منفتحة على الحياة، متابعة جيدة لخطوط الموضة والأزياء، وأبي هو السبب"

تقول فادية عن زوجها إنه لم يكن يقتصد من جهده أبداً للتقليل منها، والادعاء بأنها لا نفع منها، ولا تفيد البشرية في شيء، على عكسه هو، حتى دخلها الخاص كان يأخذه منها، "بدعوى أنني سفيهة، ويمكن أن أبذر أموالي يميناً ويساراً بلا عقل".

وتضيف: "عشر سنوات عشتها في هذه الجحيم والتلاعب النفسي، حتى اكتشفت أنه تزوج امرأة أخرى، كانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير، تطلقت، وخضعت للعلاج النفسي المكثف، انعزلت عن العالم تماماً، ثم رويداً رويداً استعدت حياتي".

بعد خضوعها للعلاج وعزلتها، تشعر فادية اليوم أنها تستحق الحب، والاحترام، والمودة.

"تسلط طبيعي"

ترى شروق عصام (28 عاماً)، تسكن في المنصورة، أنه من الطبيعي تحكم وتسلط الذكور، بل حتى التعنيف النفسي، تقول: "لا أستحق سوى أن أكون كائناً تابعاً للرجل، يتحكم في مظهري وحديثي ومجريات يومي، وفي من أصادق ومع من أتحدث، وكنت أمارس إحدى الخدع النفسية الشهيرة، وهي صبغة كل هذا الأذى بكلمات أخرى لتجميل هذه النظرة الدونية لنفسي، مثل الغيرة، والحب، والاحتواء".

تتابع شروق لرصيف22: "بعد ثورة 25 يناير بسنوات قليلة، بدأت أعرف أو بالأحرى أسمع عن تيار يسمى "النسوية"، وأن رائداته مهتمات بحقوق المرأة، كنت وقتها أشارك في حملات التنمر والهجوم والسخرية، حتى بدأت أقرأ بشكل أعمق، وأفهم ماذا تعني النسوية فعلاً، وكيف غيرت العالم ليكون مكاناً أفضل للنساء، وكيف أنني مدينة للنسوية بتعليمي وعملي وعدم ختاني وأنا صغيرة، الأمر الذي بدأ ينعكس على نظرتي لنفسي، ولما أستحقه في العلاقة، وثقتي في ذاتي وأنني لست تابعاً ولا مفعولاً به".

رويداً رويداً، تغيرت رؤية شروق لما تستحقه في العلاقات العاطفية، وتحكي عن حالها الآن قائلة: "وصلت لما أنا فيه حالياً، متزوجة من رجل يحترمني ويشاركني الحياة، ولا يتحكم بي أو أتحكم به".

"اديناكي حريتك"

تعرف المعالجة النفسية دعاء عبد الرحمن، الشعور بعدم الاستحقاق بأنه "شعور نابع من معتقدات ورؤية الشخص لنفسه، إمكانياته وقدراته وما يستحقه، حقوقه سواء المعنوية أو المادية، هذا المعتقد يتكون بناءً على عدة أمور، أهمها تعامل الأسرة مع الفرد، فالأسرة بالنسبة للطفل هي المجتمع الأول الذي يحتك به، ويستقي منه معظم قيمه وتتشكل صورته عن ذاته".

وتتابع: "من الملاحظ أن هناك فارقاً بين شعور الإناث والذكور تجاه استحقاقهم، فالأنثى تبدأ حياتها، وتختبر حدودها وحقوقها عندما تواجه الممنوعات والمرفوضات، التي يتم تبريرها فقط بأنها 'بنت ومينفعش تعمل كدة;، الأمر الذي يترجم على أنها فتاة غير مستحقة لأشياء كثيرة، ثم تكبر لتجد أن تلك الممنوعات تزيد، وتترسخ من قبل المجتمع الأكبر، بداية من المدرسة والإعلام والعائلة الكبيرة وأماكن العمل والتوظيف وشريك الحياة، وكل هذا بسبب نوعها فقط، وقد يظهر هذا الشعور بالضغط على نفسها لتصل للكمال، وتشعر بالاستحقاق والحصول على الحد الأدنى من الحقوق، ويظهر هذا بشكل قوي في العلاقات".

عندما تكون مراهقة، يقول أهلها: "احنا علمناكي، احنا إديناكي حريتك، ربيناكي كويس، مش بنعنفك"، وبعد الزواج، يقول زوجها: "أنا مش باضربك أنا بحبك، أنا مش باجبرك على زي معين، أنا باغير عليكي"

وتشير دعاء إلى أن بعض الأسر تقول عبارات عدم الاستحقاق بطريقة ملتوية، مثل: "احنا علمناكي، احنا إديناكي حريتك، احنا ربيناكي كويس، احنا مش بنعنفك، وكأن تلك الحقوق البديهية منحوها لها تفضلاً منهم، ويشاركهم في هذا الأزواج مستقبلاً، ويقولون عبارات مثل: "أنا مش باضربك، أنا مش باجبرك على زي معين، أنا مش باخونك"، وهكذا، كل هذا يرسّخ في داخلها شعوراً وصورة ذاتية عن نفسها عنوانها عدم الكفاءة، والخطير هنا، أن هذا الشعور ليس لتقصير منها أو قصور أو صفات شخصية سيئة، بل هو بسبب الهوية الجندرية، وحقوق انتزعت منها بمجرد الولادة.

أما فيما يتعلق بالذكور، تقول دعاء: "نرى استحقاقات وحقوقاً تلقائية، وموسعة، ليست لكفاءة ولا لمجهود زائد، ولا سعي من الذكر للاستحقاق، وإنما فقط لنوعه، الذي أمن له تلك الحقوق، وما يترتب على الأنواع من أدوار اجتماعية، واستحقاق أو عدم استحقاق، الأمر الذي ينقلنا لزاوية أخرى، هي ما يصيب الذكور من الشعور بعدم الاستحقاق، منها منعه من إظهار بعض الضعف أو البكاء أو الخوف أو الشكوى".

"عدم قدرة أغلب الرجال على فهم معنى وحق الطرف الآخر في الرفض".

وتكمل المعالجة النفسية: "فيما عدا ذلك نراه مستحقاً بالولادة، أبسط الأمثلة هو حقه في خدمة الإناث حوله، ومساعدة الأسرة مادياً له، وفرص التعليم، ووظائف أكثر تنوعاً، وفرص سفر أكثر، وحقه في القيام بالدور الأبوي والرقابي حتى على الأم نفسها، وفي هذا تداعيات ونتائج أيضاً، منها عدم قدرة أغلب الرجال على فهم معنى وحق الطرف الآخر في الرفض، فهو خرج للحياة و"كل إشاراته خضراء"، دوماً مقبول، ومتوافق عليه، ليس مضطراً لبذل أي مجهود أو تطوير أمر فيه، وأنه كفؤ دائماً لمجرد أنه ذكر".

كيف نعالج هذا التفاوت الصارخ؟ تجيب دعاء عبد الرحمن: "الأمر ليس سهلاً، فهو يحتاج لإعادة النظر لأنفسنا واختبار حدودنا وقدراتنا التي تربينا عليها وتم إخبارنا بها، وهو ما بدأنا نراه بالفعل، فإناث كثيرات من حولنا استطعن تغيير صورتهن الذاتية التي تشكلت على يد المجتمع، وأخرجن صورة جديدة لهن، وأثبتن كفاءتهن، وأنه ليس هناك استحقاق بالميلاد، وإنما وجب على الفرد أن يبذل مجهوداً للحصول عليه، وفهم أن الحقوق الفردية أمر، واستباحة الآخر أمر مختلف تماماً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard