"عندما كلمت الله أنكر صوتي"... سنية صالح ضحية الذكور في الحياة والموت

الأربعاء 14 أبريل 202104:30 م

برحيلها المفجع عام 1985، بعد رحلة حياة قصيرة، إثر وقوعها فريسة بين براثن السرطان، اكتملت الحكاية التراجيدية للشاعرة السورية الكبيرة سنية صالح، فيما قصائدها ما زالت جرحاً مفتوحاً ينزف: طفولتها المعذبة، وحزنها الوجودي العميق، وعذابات الحب، وأحلامها المنكسرة.

تلك الأحلام التي أرادت صاحبة "الزمان الضيق" أن تقولها شعراً، هي صاحبة الرؤى، التي رأت الشعر منقذاً ومخلصاً لها، بالأدق، رأته وسيلتها للارتقاء على حطام هذا العالم، الذي قالت عنه يوماً في إحدى قصائدها: "أطلق رصاصك أيها العالم، أطلقه، أطلقه على جثتي، على أفكاري، أطلقه حيث تشاء"، وكتبت أيضاً: "عندما كلّمت الله أنكر صوتي. وصفق الباب. إن لبابِ السماء صدى يقهر ويُذلّ".

"لأبوين عائدين من دفن ابنهما الذكر الوحيد" بحسب تعبير الشاعرة، ولدت البنت الثانية في الأسرة، سنية بنت فاطمة شريف وخليل صالح، في مدينة مصياف السورية يوم 14 نيسان/أبريل 1935.

مبكراً، فقدت الأم حاسة السمع، ولم تكد سنية قد أكملت عامها الثالث، هذا الأمر الذي لم يُشجع الطفلة الصغيرة على الكلام، حتى أن شقيقتها الناقدة والكاتبة خالدة سعيد، تقول في مقدمتها للأعمال الشعرية الكاملة لسنية صالح: "لا أكاد أذكر من كلامها في تلك السنوات الأولى إلا ما يعبر عن حاجة. كان موت الأم هو الفجيعة الأولى التي فتحت باب الحزن في حياة الشابة الصغيرة، وكانت سنية تواجه ذلك بالصمت، والانطواء على جرحها السري الذي تتحاشى الإشارة إليه. لكن صمتها، لم يكن صمتاً خالياً مقفراً، بل كان ينحني على أسراره وآلامه وأخيلته. كأنه صمت من رأى ولم يجد لما رأى تعبيراً. لقد لمست سنية صالح في سن مبكرة، بروحها الشفافة، فداحة المصير البشري، وأتاح لها الصمت، والوحدة والتأمل في العالم وما يكتنفه من حزن، وغموض، وظلت هذه الآلام، المنبع الذي تنهل منه قصائدها: أيها الشقاء/ لو رميتك أعظم رمية/ لسقطت في قلبي".
"عندما كلّمت الله أنكر صوتي. وصفق الباب. إن لبابِ السماء صدى يقهر ويُذلّ"

كانت قصيدة "جسد السماء" بمثابة البيان الشعري الأول لسنية صالح، وانطلاقتها المدوية، التي وضعتها في قلب الساحة الشعرية، وسط مجموعة من الشعراء الطليعيين مثل أنسي الحاج، وشوقي أبو شقرا، وأدونيس، إذ فازت قصيدتها بجائزة جريدة "النهار البيروتية" عام 1961، متفوقة على زوجها الشاعر الكبير محمد الماغوط، وكانت سنية صالح آنذاك تدرس الأدب الإنجليزي بلبنان، قبل أن تنتسب إلى جامعة دمشق في خريف 1962.

وصف الشاعر عباس بيضون القصيدة الفائزة بأنها يتيمة، بمعنى أنها لا تنحدر من سلالة، وبحسب خالدة سعيد، كانت القصيدة علامة على مجيء سنية صالح من خارج الموروثات، ومن خارج المألوف، وأيضاً من خارج التيارات الجديدة التي كانت تُصارع للصمود.


كان هذا اليتم والانفصال عن الموروث الشعري، بشكل ما، دليلين على تفرد صوت الشاعرة، وإحساسها العارم بأصالة وقوة ما تختزنه من رؤى شعرية، إنها تريد أن تقول شيئاً يخصها، أن تنزف ألمها الشخصي، وعذاباتها شعراً، نائية بنفسها عن السجالات والجدل المثار دائماً حول القصيدة الجديدة. "لا صوت لي ولا أغاني/ خلعت صوتي على وطن الرياح والشجر/ الظلال أكثر تعانقاً من الأهداب/ وما من أغنية تضيء ظلمات الأعماق/ لكن الأصداء تدق صدر الليل/ فأنام في صدري".

في بيت الشاعر والمفكر السوري الكبير أدونيس زوج شقيقتها خالدة، بدمشق، كان اللقاء الأول بين سنية صالح والماغوط، لا شك كان لقاءً صاعقاً. هي الشاعرة الرقيقة الخجولة، وهو البدوي الأحمر، الحاد، صاحب المزاجات المتقلبة. اندلع الحب في قلب الماغوط، ولم يستطع الصمود، حتى أفضى بكل ما في صدره لخالدة:

"أيتها العزيزة خالدة، منذ شهور وفكرة واحدة تضرب رأسي وأعصابي كالرصاصة: ما هو العالم لولا تلك الإلهة النّحيلة، تلك الإلهة الرقيقة الحنونة، تلك التي سُمّيت صدفة "سنيّة"، والتي كان يجب أن تُسمّى "العالم يبكي" أو العالم ذو القدمين الصّغيرتين. خالدة، لتذهب الكلمات الشعريّة إلى الجحيم. "سنية حياتي". آه يا خالدة، أنت شقيقتها! هل تأمَّلتِ أصابعها ذات يوم؟ أبداً. إنه جاهل وطائش كلّ من يقول إنها أصابع… إنها مجموعة مشرّدة من القيثارات. أبواق بدائية تغنّي لوحوش تقوّست ظهورها من الزمهرير والوحدة… أروع ما في سنية روحها… إنني أستطيع أن أراها تماماً… كما أرى قطرة المطر وراء الزّجاج… كما أرى الطائر بين الأغصان".

رسالة الحب الرقيقة، ستتحول فيما بعد إلى مرثية مليئة بالندم والحزن، ضمنها الماغوط في مؤلفه: "سياف الزهور"، كتبها لزوجته وحبيبته سنية صالح، وهي على فراش الموت، معترفاً فيها بقسوته وظلمه، للمرأة والشاعرة، التي عانت كثيراً من أجل حياتهما معاً، فيما هو – بحسب تعبيره- لم يكن وفياً أو مبالياً، بحب أو شرف أو بطولة. "ثلاثين سنة، وأنتِ تحملينني على ظهركِ كالجندي الجريح، وأنا لم أستطع أن أحملك بضع خطوات إلى قبرك، أزوره متثاقلاً، وأعود متثاقلاً، لأنني لم أكن في حياتي كلها وفياً أو مبالياً، بحب أو شرف أو بطولة"، وثمة قول آخر أفضى به الماغوط يوماً إلى الصحافة، جاء كاشفاً عن السبب وراء خفوت حضور الشاعرة الكبيرة: "سنية هي حبي الوحيد، نقيض الإرهاب والكراهية، عاشت معي ظروفاً صعبة، لكنها ظلت على الدوام أكبر من مدينة، وأكبر من كون، ربما آذاها اسمي، فقد طغى على حضورها، وهو أمر مؤلم".


كانت شهرة الماغوط مدوية، أعماله يتلقفها النقاد، وتفرد لها الصفحات في الجرائد، فيما كانت سنية صالح، تكتب وتنشر في صمت مطبق، هو يزداد حضوراً، وهي تزداد خفوتاً.

كانت دائماً في الظل، بالرغم من فرادة قصيدتها، وحداثتها، ورؤاها الفلسفية التي عمقتها على مدار دواوينها الأربعة "الزمان الضيق، حبر الإعدام، قصائد، ذكر الورد". وكان ذلك مثار نقاش وجدل دائمين من جانب محبي شعر سنية، وقد طرح هذا النقاش في سياق الإشكالية الدائمة والمعضلة التي تزداد حدة، عندما يتزوج الشاعر والشاعرة.

"عندما سألت زوجها محمد الماغوط عن صورة لزوجته الشاعرة المتوفاة سنية، ردّ: لها صورة في غرفة النوم، دخلتُ، فوجدت لها صوره وحيدة بالأبيض والأسود محشورة بين صوره الكثيرة"

تقف الشاعرة السورية رشا عمران أمام هذه الإشكالية، وتقول لرصيف22: "لم تكن الشاعرة الكبيرة سنية ضحية لشهرة محمد الماغوط فقط، بل كانت ضحية للمؤسسة الثقافية العربية، بعقليتها الذكورية المحضة. تم تهميش سنية صالح من جانب الجميع، بما فيهم أدونيس، وشقيقتها الناقدة خالدة سعيد".

وأضافت عمران أن الهيمنة الذكورية هي الحاكمة للأوساط الأدبية والثقافية العربية. وعن التجربة الشعرية لسنية صالح، قالت عمران: "سنية صالح صوت شعري متفرد، هي أهم شاعرة عربية، وللآن لم تضاهِها أي شاعرة أخرى. ستظل قصائدها حية إلى الأبد، لأنها منبثقة من المادة الحية للوجود، هي قصيدة ذات أفق إنساني، ممتد من أول البشرية إلى اللانهاية".

وتحكي عمران صاحبة "التي سكنت البيت قبلي" عن المرة التي زارت فيها بيت الماغوط بدمشق، تقول: "وجدت الجدران في صالة بيته ممتلئة بعشرات الصور والبورتريهات له، وعندما سألته عن صورة لسنية، ردّ: "لها صورة في غرفة النوم، دخلت، فوجدت لها صوره وحيدة بالأبيض والأسود محشورة بين صوره الكثيرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard