"أنا بنت الله وتفكيري حر"... نوال السعداوي وإبحار مستمر ضد اتجاه الريح

الاثنين 22 مارس 202104:07 م

بعد مسيرة حافلة كانت خلالها نموذجاً حياً للإلهام والشجاعة والصلابة في الدفاع عن أفكارها التنويرية، رحلت الدكتورة نوال السعداوي أمس 21 مارس تاركةً ميراثاً كبيراً يليق بمشروعها البارز في الثقاقة المصرية والعربية، والدفاع عن الحريات، كما تركت معارك حامية الوطيس بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي داخل مصر، تلك المعارك التي كانت رفيقة للسعداوي طوال حياتها، ويبدو أنها لن تتوقف حتى بعد أن طوت السيدة الشجاعة آخر صفحات أيامها.

وقد أثارت شماتة الجهلاء وأعداء الحريات والمتطرفين والتكفيريين بوفاة السعداوي خلال الساعات الماضية غضب الوسط الثقافي المصري والعربي.

بحر متلاطم الأمواج هو الذي وضعت فيه السعداوي نفسها، ولكنها أصرت على أن تبحر فيه ضد اتجاه الريح على مدى 90 عاماً، تلك الريح التي عاندتها كثيراً، ولكنها لم تمنعها من ترسيخ كفاحها من أجل المرأة العربية، بكتاباتها وإبداعاتها.

أنا بنت الله وتفكيري حر

"أنا بنت الله وتفكيري حر"، بهذه الكلمات الأربع خط الحساب الرسمي لنوال السعداوي آخر تغريداتها التي أطلقتها قبل نهاية مسيرتها الراحلة بـ 18 ساعة،  التغريدة المرفق بها رابط يوتيوب تلخص حالة الاعتزاز بالنفس التي أعطت للدكتورة السعداوي القوة التي أستطاعت بهما الصمود في معاركها، وهي نفس حالة الاعتزاز التي واجه بها المثقفون المصريون المنشورات الهمجية الشامتة في رحيلها.

الروائي والصحافي المصري وليد علاء الدين، كتب في منشور عبر حسابه على "فيسبوك" تعليقاً على ما يجري: "خبر رحيل أديبة وباحثة ومفكرة إشكالية في قامة نوال السعداوي، خبر كاشف لأصناف الناس على مستوى علاقتهم بالقراءة، التي تهدف في المقام الأول إلى تكوين عقل قادر على بناء مواقفه بنفسه، وليس تبني أطروحات الآخرين بلا فحص، وإلا فلا قيمة لقراءة أو مقروء".

وأضاف: "ردود أفعال مرتادي فيسبوك - ولن أقول القراء- تجاه خبر رحيل السعداوي، صنَّفتهم مباشرة وكشفت طبيعة عقولهم، فالجاهل المغتر الذي لم يقرأ للسعداوي تبنّى- مغمضاً عينيه وعقله- صورةً ذهنية مصنوعة عنها، تقدس السيدة أو تنجسها، فقط صاحب العقل القارىء أفلتَ من هذا الفخ، وكان قادراً على رؤية شياطين السيدة وملائكتها، هؤلاء الذين صنعوا رحلتها شديدة الثراء بسلبياتها وإيجابياتها، الرحلة الجديرة بأن نتعلم منها منهجها حتى لو اختلفنا مع كثير مما طرحته، رحم الله نوال السعداوي".

صاحبة قضية

الدكتور محمود الضبع، رئيس دار الكتب والوثائق المصرية الأسبق، قال لرصيف22: "كثيراً ما أتساءل لو أن القضايا الفكرية التي طرحتها نوال السعداوي كانت قد تمت على يد رجل وليس امرأة، فهل كانت ستثير كل هذا الجدل، والجناية على صاحبها بالفصل من العمل الحكومي، والسجن، والتعسف الفكري والاجتماعي؟ ويبدو أن المعضلة ليست في ذلك وإنما في الوعي العربي الذي يحتاج دائماً "لصدمة فكرية" كي يعالج قضاياه وينتبه لخطورتها، سواء كان الخطاب ناتجاً عن رجل أم امرأة".

"كثيراً ما أتساءل لو أن القضايا الفكرية التي طرحتها نوال السعداوي كانت قد تمت على يد رجل وليس امرأة، فهل كانت ستثير كل هذا الجدل، والجناية على صاحبها بالفصل من العمل الحكومي، والسجن، والتعسف الفكري والاجتماعي؟"

وتابع: "كانت نوال السعداوي – رحمها الله- في عداد الذين أنتجوا العديد من الصدمات الفكرية للوعي في مراحل مبكرة، ويمكن الآن قياس الآثار الإيجابية التي ترتبت على بعضها، مثل قضية ختان الإناث وما تم تعديله من وعي تجاهها، ومثل حرية المرأة، وغيرها كثير مما انتبهت إليه الشعوب العربية وعالجته، وتبقى هناك الكثير من القضايا التي طرحتها وما تزال محل نقاش سيصل إلى نتيجة يوماً".

فخر لمصر

الناقد السينمائي المصري محمد سيد عبد الرحيم، كتب: "إذا كانت فرنسا تفخر بسيمون دي بوفوار وأمريكا بغلوريا ستاينم، فمصر لا بد لها أن تفخر بنوال السعداوي، اللي لولاها لكانت المرأة المصرية ما زالت تعيش في عصور الظلام، بالطبع كانت هناك محاولات قبل نوال السعداوي، لكنها كانت كلها محاولات خجولة، ليس بها أي صدام مع الأصول الحقيقة المسببة لتردي وضع المرأة في المجتمع المصري، نوال حررت بشكل مباشر الآلاف، وبشكل غير مباشر الملايين، الذين استفادوا من آرائها ونضالها وتبنوا أفكارها ورددوها، لولا نوال ما كانت الحكومة حالياً تعتبر الختان جريمة على سبيل المثال".


صورة لنوال السعداوي مع عمر أحمد مدير أعمالها السابق

"أول باليرينا في تاريخ مصر" تقول الدكتورة ماجدة صالح لرصيف22 من نيويورك، وأضافت أن "نوال السعداوي كانت في نظرها دائماً عنوان لتنطلاقة المرأة، هي سيدة جريئة ومتمردة وملهمة، استطاعت أن تدافع عن أفكارها ومشروعها بشجاعة وقوة، ولذلك استطاعت تحقيق كل تلك النجاحات ووصلت إلى ما تريد وفتحت الطريق لكل من يأتي خلفها".

بطولة السيدة الشجاعة

كانت الحكاية الرومانسية لنضال الدكتورة السعداوي بعيدة كل البعد عن حالة القبح والجهل التي قابلها بها معارضوها أثناء حياتها، ثم بعد رحيلها، الطبيبة المصرية الشابة التي قدمت من أطراف دلتا مصر لتخوض معاركها العنيفة في العاصمة بهدف تحرير المرأة المصرية، كتبت العديد من الكتب عن المرأة في الإسلام، وأسست جمعية تضامن المرأة العربية عام 1982، وساعدت في تأسيس المؤسسة العربية لحقوق الإنسان، وحصدت درجات الدكتوراه الفخرية من ثلاث قارات.

وداعاً سيدة المعارك ?

المحاربة الشرسة بسيف الفكر في خنادقنا المظلمة

من وقفت وحدها تصرخ ب (لا)

في وجه من قالوا...

Posted by Amjad Abu Alala on Sunday, 21 March 2021

ابن قريتها الشاعر المصري سمير درويش، رئيس تحرير مجلة ميريت الثقافية، كشف عن العالم الذي نشأت فيه تلك السيدة الشجاعة، يقول لرصيف22: "نوال السعداوي من قريتي (كفر طحلة)، وهي قرية صغيرة جدًّا تابعة لمدينة بنها، عبارة عن شارع واحد بتفريعاته، من عائلة السعداوي إحدى العائلات الأصيلة، وترتبط بقرابة ونسب كل العائلات الأخرى، أول مرة شاهدتها فيها كنت في العام الرابع الابتدائي، تقريباً عام 1970، جاءت بمحافظ القليوبية إلى القرية، وأقامت مؤتمراً كبيراً تعرض فيه مطالب الكفر وناسه، وقد ظل دورها الإجتماعي معروفاً للجميع، وهي التي سعت لدى المحافظة ووزارة الثقافة من أجل بناء بيت ثقافة الطفل على أرض حكومية كانت تحت يد بعض الناس، وتنازلوا عنها لهذا الغرض".

خبر وفاة الكاتبة نوال السعداوي المنشور على جروب نادي القراء المحترفين عامل 80 إيموشن بيضحك حتى وقت كتابة تعليقي.. فعلا...

Posted by Sameh Fayez on Sunday, 21 March 2021

ويضيف: "بعد ذلك بسنوات كانت تسكن في الخلفاوي على النيل، يوميّاً كنت باشوفها وأنا في الميكروباص، في طريقي لشغلي في اتحاد الكتاب، وهي تجري بالملابس الرياضية على الكورنيش، هي وزوجها شريف حتاتة، وكانت قد تخطت السبعين من عمرها وقتها، لكنها كانت تمتلئ بالطاقة والحيوية رغم الإشاعات اليومية التي كانت تسمعها عن موتها".


حرب السوشيال ميديا

موجة من الحب لنوال السعداوي خرجت بحرقة ضد التعليقات الغاضبة على التنمر الذي تتعرض له حتى في لحظة رحيلها، المفكر المصري نبيل عبد الفتاح قال في نعيه للسعداوي: "السلام لروح نوال السعداوي الكاتبة والناشطة النسوية الكبيرة، التي فتحت طريقاً جديداً للخطاب حول حقوق المرأة بأسلوب جديد، تمثل في الدمج بين الناشطة النسوية والكاتبة والحركة في الإطار الدولي".

"أنا بنت الله وتفكيري حر"، تلخص نوال السعداوي في تغريدتها تلك حالة الاعتزاز بالنفس التي أعطتها القوة، ومكنتها من الصمود، وهي نفس حالة الاعتزاز التي واجه بها مثقفون مصريون المنشورات الهمجية الشامتة في رحيلها

االصحافي المصري سامح فايز قال في منشور عبر فيسبوك: "خبر وفاة الكاتبة نوال السعداوي المنشور على غروب نادي القراء المحترفين عامل 80 إيموشن بيضحك حتى وقت كتابة تعليقي، فعلاً ألاف الناس اللي بتقرا وتشتري كتب ما يعبروش غير عن البلاعة اللي عايشين فيها، الثقافة الحقيقية في الكتاب اللي ما باعش نسختين طالما عينة القراء بالشكل دا!".

ياولاد الهرمة لو الموت حدث انتقامي بيحصل للمخالف ليكم ويستحق الشماتة مكانش اهاليكم والناس اللي تفكيرهم زيكم ماتوا،كفاية...

Posted by Samia Bakry on Sunday, 21 March 2021

الروائية والصحافية سامية بكري كتبت عبر حسابها على فيس بوك: "يا ولاد الهرمة لو الموت حدث انتقامي بيحصل للمخالف ليكم ويستحق الشماتة مكانش اهاليكم والناس اللي تفكيرهم زيكم ماتوا، كفاية عبث بقى وسيبوا دماغنا تتنفس بعيد عن خرافاتكم، رحمة الله مش في إيديكم ولاعذابه، ما تصغروش ربنا ياجهلة، ثم شماتتكم ملهاش اي مبرر، نوال ماتت لكن فكرها وكتبها هيعيشوا غصب عنكم".

صندوق الذكريات

عمر أحمد، مدير الأعمال السابق لنوال السعداوي أهدى لرصيف22 مجموعة خاصة من الصور الفوتوغرافية للسعداوي، وقال: "نوال السعداوي كانت لناس كتير كاتبة وروائية ومثيرة للجدل، بالنسبة لي كانت إنسانة فوق الوصف، علمتني محتوى أفضل من الشهادات الجامعية، سافرت معاها العالم كله، وشفت إزاي بيتم تكريمها من أول وصولنا للمطار، وكيف تفتح لنا قاعات الاستقبال الكبرى، وتقام مواكب الشرف والحراسة، وكيف يستقبلنا جمهور لا حصر له، مفيش مكتبة حول العالم فيها كتب لكتاب عرب، وتخلو من كتب نوال السعداوي ونجيب محفوظ، 60 كتاب ترجم لأكثر من 40 لغة، رُشحتِ لنوبل، وناضلتِ طول حياتك، ووجب علينا استكمال النضال".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard