شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
حيلة تسويقية ذكية تجعلنا ننفق المزيد من الأموال دون أن ندري

حيلة تسويقية ذكية تجعلنا ننفق المزيد من الأموال دون أن ندري

حياة

الجمعة 2 أبريل 202104:48 م

لنفترض أننا دخلنا أحد المقاهي ولاحظنا أن سعر كوب القهوة المتوسط يقترب إلى حدّ كبير من سعر الكوب الكبير، على الأرجح أننا سنقع في "الفخ" ونقرر ابتياع الحجم الكبير، من منطلق أننا بذلك نميل إلى الخيار الأذكى، ولكننا في الحقيقة نقوم بإنفاق المزيد من المال على أمر لم نكن نفكر في شرائه.

هذه الظاهرة تُعرف في عالم البزنس والتسويق بـ"تأثير الشَرَك" أو "تأثير الطُعم" (The Decoy effect)، أي تقديم خيار إضافي أقل جاذبية بغية دفع الأشخاص نحو المنتجات الأعلى ثمناً، وبالتالي جعل المرء ينفق أموالاً أكثر مما كان يخطط له.

وفي حين تم بحث "تأثير الطُعم" في البداية كاستراتيجية تسويقية محتملة للتأثير على خيارات المستهلكين، فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أنه يمكن أن يكون لهذه الاستراتيجية تأثير قوي في التوظيف والرعاية الصحية وحتى في السياسة.

تأثير الشَرَك

تم توثيق استراتيجية "تأثير الطُعم" لأول مرة في الثمانينيات من القرن الماضي، وفق ما ذكره موقع بي بي سي في تقريره.

ولعلّ أفضل طريقة لفهم هذه الحيلة التسويقية هي النظر إلى أمثلة عملية.

لنفترض أننا دخلنا أحد المقاهي ولاحظنا أن سعر كوب القهوة المتوسط يقترب إلى حدّ كبير من سعر الكوب الكبير، على الأرجح أننا سنقع في "الفخ" ونقرر ابتياع الحجم الكبير، من منطلق أننا بذلك نميل إلى الخيار الأذكى، ولكننا في الحقيقة نقوم بإنفاق المزيد من المال على أمر لم نكن نفكر في شرائه

لنتخيل أنه يتعين علينا اختيار رحلة جوية من بين الخيارات التالية:

تبلغ تكلفة الرحلة (أ) 400 دولار مع توقف لمدة 60 دقيقة، بينما تكلفة الرحلة (ب) 330 دولار مع توقف لمدة 150 دقيقة، أما الرحلة (ج) فتبلغ تكلفتها 435 دولار مع توقف لمدة 60 دقيقة.

في مثل هذه الحالة، وجد الباحثون أن معظم الناس سيختارون الرحلة (أ) لكونها أرخص من الرحلة (ج)، على الرغم من أنها أغلى بكثير من الرحلة (ب).

والآن لننظر لمجموعة مختلفة من الرحلات:

تبلغ تكلفة الرحلة (أ) 400 دولار مع توقف لمدة 60 دقيقة، في حين الرحلة (ب) بتكلفة 330 دولار مع توقف لمدة 150 دقيقة والرحلة (ج) 330 دولار مع توقف لمدة 195 دقيقة.

في هذا السيناريو، فإن معظم الأفراد سيختارون الرحلة (ب).

قد يبدو الأمر غير منطقي، بحيث لا ينبغي أن تكون الرحلة (ب) الآن أكثر جاذبية مما كانت عليه في المثال الأول، لأن وقت الانتظار والسعر لم يتغيرا، لكن تغيير تفاصيل الرحلة (ج) للحصول على فترة توقف أطول، غيّر الطريقة التي ينظر بها الأفراد إلى الخيارات الأخرى، فقد فضلوا تحمل وقت انتظار أطول مقابل سعر أرخص.

وعليه، تم جعل خيار الرحلة (ج)، في كلا الحالتين، كطُعم، بحيث يبدو الخيار مشابهاً ولكنه أقل جاذبية من الخيارات الأخرى.

وفي هذا الصدد، وجدت التجارب أن استخدام خيار تشتيت جيد، يمكن أن يغير الرأي بين الخيارات الأخرى بنسبة تصل إلى 40%، ما يظهر مدى سهولة تغيير قراراتنا بالطريقة التي يتم من خلالها طرح الخيارات، بمعنى آخر، إن إضافة خيار ضعيف يمكن أن يجعل المستهلك على استعداد لدفع المزيد من المال.

يؤثر "تأثير الشرك" على التصويت في الانتخابات، فعند وجود مرشحين متقاربين، مع تفوق أحدهما على الآخر ولو بنسبة قليلة، فإن فرص المرشح الأقوى تزداد بشكل كبير

هذا وقد لوحظ أن تلك الأنماط السلوكية تنطبق على العديد من السلع المختلفة، بدءاً من المشروبات الكحولية وصولاً إلى أجهزة التلفزيون والسيارات والمنازل، فالخيار الثالث غير الجذاب يجعل المرء يركز اهتمامه على الاحتمالين الآخرين.

في كتابه "Predictably Irrational"، وصف المؤلف دان آرييلي، كيف تقوم الإيكونوميست بتطبيق "تأثير الطُعم" لتشجيع القراء على اختيار اشتراك أكثر تكلفة، عن طريق عرض اشتراك رقمي مقابل 59 دولار فقط، أو الاشتراك في النسخة المطبوعة مقابل 125 دولار، أما الخيار الثالث فهو الاشتراك بالنسختين المطبوعة والرقمية معاً بنفس السعر أي 125 دولار.

من الواضح أن خيار الاشتراك في النسخة المطبوعة هنا في العرض ليس سوى "تشتيت" لكونه يقدم حزمة خدمات أقل بنفس السعر، لكن بحسب آرييلي، فإن مجرد وجود هذا الخيار زاد بشكل كبير من الإقبال على الاشتراك المشترك، بدلاً من الاشتراك الرقمي فقط، وفي حين أنه لو لم يكن هناك سوى خيارين فقط، لكان القراء قد اختاروا الخيار الأرخص أي الاشتراك الرقمي فقط.

واللافت أن تأثير الطعم قد يكون منتشراً أيضاً في مبيعات السلع عالية الجودة، فقد وثّقت ورقة بحثية حديثة من جامعة بريتيش كولومبيا، تأثير الشرك على سوق الماس، ووجدت أن وجود منتجات أقل جودة لكنها باهظة الثمن، يمكن أن تساهم بأكثر من 20% من أرباح تجار التجزئة.

ماذا عن المواعدة والسياسة؟

بحث العلماء في كيفية تأثير الشرك في ظروف مختلفة.

فقد وجد دان آرييلي أن هذه الحيلة قد تكون حاضرة أيضاً في عالم المواعدة، بحيث نميل للانجذاب أكثر نحو شخص معيّن إذا ظهر إلى جانبه خيار آخر يشبهه ولكنه أقل جاذبية، وهو أمر ملاحظ كثيراً على تطبيق تندر، بحيث تختلف نظرتنا إلى جاذبية شخص ما وفق صورة الشخص الذي يأتي قبله أو بعده.

وفي السياق نفسه، قد يؤثر "تأثير الشرك" على التصويت في الانتخابات، فعند وجود مرشحين متقاربين، مع تفوق أحدهما على الآخر ولو بنسبة قليلة، فإن فرص المرشح الأقوى تزداد بشكل كبير.

وفي سياق مختلف، بدأ العلماء في المملكة المتحدة في التفكير في كيفية استخدام "تأثير الطُعم" كاستراتيجية لتشجيع الناس على اتخاذ أنماط حياة صحية.

فقد بحث كريستيان فون واغنر، وهو باحث في العلوم السلوكية والصحة في جامعة كوليدج لندن، في مدى استعداد الأشخاص للخضوع لفحص الكشف عن الإصابة بسرطان القولون والمستقيم، ووجد أنه بين تحديد موعد للفحص من عدمه، قد يختار العديد من الأشخاص عدم الخضوع للفحص على الإطلاق.

هذه الحيلة قد تكون حاضرة أيضاً في عالم المواعدة، بحيث نميل للانجذاب أكثر نحو شخص معيّن إذا ظهر إلى جانبه خيار آخر يشبهه ولكنه أقل جاذبية، وهو أمر ملاحظ كثيراً على تطبيق تندر

ولكن إذا قُدم لهؤلاء خيار ثالث هو تحديد الفحص في مستشفى غير ملائم وانتظار أطول، وهو الخيار الطُعم، فعندها يزداد إقبال المرضى على الفحص، لكون الخيار الثالث جعل خيار المستشفى الأصلي يبدو أقل إرهاقاً.

وعليه، يمكن القول إن استخدام تأثير الطُعم في المجال الطبي يمكن أن ينقذ الأرواح ويحثّ الناس على الاهتمام أكثر بصحتهم، هذا ويمكننا جميعاً الاستفادة من هذه الحيلة بغية زيادة قدراتنا على الإقناع، سواء كان ذلك على المستوى الشخصي أو المهني.

الجدير بالذكر أنه ليس كل شخص معرض بنفس القدر لتأثير الطُعم، فالمسألة تعتمد بشكل كبير على طريقة التفكير، بحيث يمكن للاستبيانات، على سبيل المثال، تحديد ما إذا كان بعض الأشخاص أكثر عرضة للاستماع إلى حدسهم، فيكونون أكثر تأثراً بحيلة التشتيت أو ما إذا كانوا أكثر ميلاً للتفكير المنطقي.

هذا ويمكن للهرمونات أن تلعب دوراً كبيراً في هذه المسألة، إذ إن زيادة هرمون التستوستيرون مثلاً يجعل الناس أكثر اندفاعاً وأكثر عرضة لتأثير الطُعم.

Website by WhiteBeard