"أقف أمام المرآة عارية وأبتسم"... حكاياتنا كما ترويها أجسادنا نحن النساء

الاثنين 29 مارس 202103:25 م

في كل مرة أنظر فيها لأسفل بطني، أرى خطاً جراحياً يمرّ بعرضها، أشعر وكأن هذا الخط يروي قصتي مع الأمومة،  اكتئابي، تقلباتي النفسية بسبب هرمونات الحمل، رغبتي المحمومة في إنجاب طفلة.

يروي عن كل دواء وكل حقنة دُقّت في جسدي لأثبّت هذا الحمل وأتممه للنهاية، يعبر هذا الجرح وتلك الغرز التي تحاول غلقه عن كل ما مررت به بعد إنجابي لطفلتي الصغيرة، نقاوم معاً وعكة صحية شديدة نجت منها لأنها متشبثة بالحياة، مثلي تماماً.

في النهاية، كلما نظرت للجرح، أرى تجربة صعبة مضت، وتجربة صعبة ولكنها ممتعة آتية، يذكرني جرح القيصري بكل ما أحمله من حلم وأمل اتجاه الحياة كلها.

لست وحدي من يحكي جسدها قصتها، بل كل امرأة تعيش وتشاركنا الهواء والحياة، يحكي جسدها قصة ما، ربما كانت سعيدة أو حزينة، ربما هي تغيير طرأ عليها وعلى أفكارها، ربما كانت قراراً أخذته لتنهي بها قصة أو تبدأ أخرى.

"أدمي جسدي لأنتقم"

"صدق من قال إن أجسادنا يمكنها أن تحكي قصة حياتنا، بل هي أيضاً قادرة على أن تحكي ما تعجز ألستنا عن قوله، سواء خوف أو رغبة في الهروب من تلك الحكاية الكئيبة"، تقول أمنية ابراهيم (37عاماً)، تسكن في القاهرة.

"يتذكر جسدي كل الأذى الذي ألحقته به من حرق، تشويه، قطع وتكسير طوال فترة مراهقتي، فلقد عرف أنني أنتقم منهم على طريقتي، أردت أذى المجتمع وعائلتي بإيذاء نفسي كمحاولة مني للشعور بالسيطرة لبعض اللحظات".

تتساءل أمينة، وهي مدوّنة حرة وصانعة محتوى في إحدى المبادرات النسوية المصرية: "ألم ينشغل المجتمع بجسدي من لحظة ميلادي كامرأة، يجب تغطية كل شبر منها، ستُختن لكي نتأكد من عفافها، ستتحجب لكيلا يرى الرجال فيها ما يثيرهم جنسياً، سنتحرّش بها لكي تعرف أنها ليست في الأمان كما تظن، وسنعتدي عليها بالضرب سواء داخل أسرتها أو في المدرسة أو أياً من يملك زمام الأمور، لكي نطمئن أنها ستظل تحت طوعنا"، تتابع: "أليس هكذا يعاملني المجتمع كامرأة، لذا لم يكن لي سوى دمائي لكي أريقها، أملاً أن تكون ثمناً للتحرر من عبوديتهم".

كانت أمينة تستغلّ كل ما تصل إليه يداها لتؤذي جسدها، تضربه، تخدشه، لترى دماءه، تقول: "ألم ينشغل المجتمع بجسدي من لحظة ميلادي كامرأة، ستتحجب، سنتحرّش، وسنعتدي عليها بالضرب سواء داخل أسرتها أو في المدرسة حتى تظل تحت طوعنا"

كانت أمينة تستغلّ كل ما تصل إليه يداها لإحداث أذى واضح وصريح، يراه الجميع على جسدها المستباح رغماً عنها، عرفت التدخين في سن صغيرة، دخلت في شجارات الشوارع مع الكبار، كانت تمشي بلا حذر، فاصطدمت بكل المحيطات، محدثة كدمات هنا وهناك. اتخذت قرارات متهورة كالقفز من الحافلة المتحركة لمجرد أن صديقتها لم تتمكن من الركوب، تقول: "كل هذا وأكثر".

"جسدي تعلم أيضاً الاختباء"، هكذا تصف أمنية شعورها تجاه الحجاب، توضح أكثر لرصيف22: "ظننت أن إجباري على التحجب مجرد تكملة منطقية لسلسلة القهر والإجبار، ولكن الصدمة كانت في حقيقة أنني لا أتعرف على نفسي من غيره، عندما حاولت بعفوية شديدة إزاحته عن شعري لبعض الوقت، مجرد دقائق لا أكثر كيلا أفسد تصفيفة شعري، لم يكن الأمر سهلاً، وخاصة إنني لم أرتده عن رغبة، ولكن ما حدث كان عبارة عن شلل تام أصاب ساقيّ، فلم أعد قادرة على تحريكها خطوة واحدة للخارج، ولم يحل الموقف سوى بشكل غير واعي، وضعت قطعة قماش على رأسي كيفما اتفق لأجد أنه كالسحر، عولجت ساقي، استطعت المشي كما السابق".

تنهي أمينة حديثها قائلة: "لقد أصبح الحجاب هو جُحري السري، الذي أهرب من خلاله من نفسي ومن الناس، لقد تأقلم جسدي على أن يخاف الناس والمحيطات".

تجاعيد تحت الرقبة

رقية عبد الفصيح (28 عاماً)، من البحيرة، مديرة عيادة طبية، فتروي حكاية جسدها معها، قائلة: "نظراً لكوني ولدت وكبرت في إحدى المحافظات الإقليمية التي تنظر للمرأة باعتبارها عورة كلها على بعضها، وليست إنسانة كاملة الأهلية مثل الرجل، فأجبرتني عائلتي على ارتداء الحجاب منذ سن صغيرة جداً، حتى قبل أن أبلغ المحيض، ثم خلعته وأنا في سن الخامسة والعشرين عاماً".

بعد خلع رقية للحجاب، لم تصب قدماها بالشلل مثل أمينة، ولكنها اكتشفت تجاعيد عدة في منطقة الرقبة، حيث كانت تلف الحجاب، تشده وتثبته بالدبابيس. تقول لرصيف22: "الحقيقة لن أخجل وأنا أروي، أنني جربت مئات الوصفات الطبيعية لشد الجلد، وبحثت عن الحلول الجراحية التجميلية لشد تلك المنطقة، لأخفي تلك التجاعيد".

"في النهاية أدركت أن كل تجعيدة منها تروي قصتي"، هكذا ترى رقية تجاعيد رقبتها الآن، فتصف مشاعرها أكثر: "تصالحت مع تلك التجاعيد، ولم أعد أراها مشكلة كبيرة، بل أصبحت أراها دليلاً ملموساً على مرور 14 سنة كاملة من الإجبار على الحجاب. لم يجعلوني أستسلم أو أتصالح معه بشكل عام، بل ظللت أتمرّد في موجات متعاقبة ومتزايدة العنف والشدة، حتى وصلت للمرأة التي أنا عليها الآن".

"خطوط في جسدي العاري"

تحكي فاتن عبد السيد (37 عاماً) من الإسماعيلية، ربة منزل، قصتها، بروح عالية: "قصتي التي يرويها جسدي ليست درامية أو حزينة كما يتوقع الكثيرون، ولكنها أسعد قصة مررت بها حتى الآن".

"في البداية، أنا منفصلة جسدياً عن زوجي، نظراً أنه ليس هناك طلاق في المسيحية، وسبب الانفصال كان استمراره في إهانتي ومعايرتي بوزني الزائد، كان الأمر محتملاً قبل أن أحمل بطفلي الوحيد، ولكن مع تغيرات الحمل والولادة والرضاعة وفشلي في فقدان الوزن الذي اكتسبته من تلك المرحلة، أصبح الأمر لا يطاق، وتطور ليصبح ضرباً واغتصاباً زوجياً، وأموراً أتمنى أن أفقد الذاكرة يوماً ما لأنساها".

"لم أجد بداً ولا مهرباً من تلك العلاقة المميتة لروحي سوى الانفصال، وهو ما تم بالفعل، بعد الانفصال بدأت أنتبه لصحتي التي أخذت في التدهور كتوابع طبيعية لزيادة وزني بهذا الشكل، والتي كانت قد تخطت الـ 100 كيلو".

"تمردت على نفسي"، هكذا ترى فاتن تجربتها هي وجسدها، فتقول لرصيف22، "تمردت على رغبتي في تناول الطعام غير الصحي، وتمردت على شعوري بالكسل، وتمردت على عدم رغبتي في بذل أي مجهود من أجل إنقاص وزني".

"المرة الأولى والأخيرة التي حاولت فيها خلع الحجاب، أصاب ساقيّ شلل تام، لم أعد قادرة على تحريكها خطوة واحدة، رغم أني ارتديته منذ البداية بالقهر والإجبار"

بدأت فاتن حمية قاسية جداً وصحية جداً، وهي الحمية النباتية 100%، امتنعت عن تناول كافة المواد الغذائية المضرة والمسببة لزيادة الوزن.

"في بداية الأمر كنت كلما أحن لها، كنت أتذكر كلمات زوجي السابق القاسية جداً ولكمه لي، جعلت من تلك التجربة المهينة حافزاً ودافعاً لتطوير نفسي، ليس من أجله أو من أجل أحد، بل من أجلى نفسي وذاتي وصحتي. بعد فترة أجريت عملية جراحية لاستكمال مسيرة إنقاص الوزن التي بدأتها، حتى وصلت لوزن مثالي جداً، فقدت ما يقرب من 50 كيلو على مدار سنة".

تتابع فاتن: "بعدها بدأت بالاهتمام بنفسي وبشعري وبشرتي، وواظبت على ممارسة الرياضة، لكن بالطبع جسدي ملئ بعلامات التمدد والخطوط البيضاء نتيجة لعملية فقدان الوزن".

لم تبحث فاتن عن علاج لتلك الخطوط، ولكنها اعتادت أن تقف أمام مرآتها عارية، وتتأمل خطوطها، مبتسمة، ومتذكرة قصتها، كيف تحولت من تلك المرأة المعنفة، الممتلئة جداً، لتلك المرأة الرشيقة الرياضية التي أنقذت حياتها وعمرها من أجل نفسها وطفلها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard