"يزدري وجهي الشاحب ويهدّدني بالخيانة"... عن تشوّه نفسي يلاحقنا حتى نصبح "جميلات"

الاثنين 8 مارس 202104:36 م

أكملت نيرمين ياسر عامها السابع عشر في كانون الثاني/ يناير الماضي، وبهذه المناسبة طلبت من والديها الذهاب إلى عيادة تجميلية لتكبير منطقة الصدر، إذ تعاني من النحافة المفرطة، التي تكسبها مظهراً طفولياً.

تحكي نيرمين لرصيف22: "أبدو كطفلة في الثانية عشرة ربما، وهو ما يعرضني لتنمر من زميلاتي في المدرسة، كما يجعلني غير مرغوبة من الفتيات ومن قريناتي، أحاول منذ سنوات زيادة وزني لكن الأمر لا ينجح، وبالنسبة لي ستكون عملية تكبير الثدي هو ختم الأنوثة التي أتطلع إليها".

باتت عمليات التجميل أمراً واقعاً في عالمنا الحديث، الذي يعد النساء بالشباب الدائم، دون أن يمسّ الزمن من جمالهن شبراً، كما حفزّت مواقع التواصل الاجتماعي أسوأ ما في النفس البشرية من نواقص، وباتت سبباً لجلب البؤس والشقاء لأناس أصبحوا يشاهدون حيواتهم عوضاً عن أن يعيشوها.

مراهقات وتكبير المؤخرة

في عالم يغلب عليه طابع الاستعراض بعدما أصابته حمى استهلاك مزمنة، يأبى أن يُشفى منها، تمّ تقديم أجساد النساء كسلعة في أنشطة هادفة للربح، عزّزتها مواقع التواصل في عقول الصغار والكبار.

وباتت مقاييس الجمال ومواصفاته رهن ما تقدمه أحدث تقنيات التجميل، التي تشبه آلة زمنية خادعة، تحاول إيقاف الزمن المنفرط كحبات اللؤلؤ رغماً عن الجميع.

"زوجي يزدري وجهي الشاحب، ووزني الزائد من تجربة الحمل والأمومة، ويقول لي باحتقار: بصي لنفسك في المرايا، رغم أنه بدين وأصلع ولا يحاول تغيير شكله"

يرى أخصائي جراحات التجميل، الدكتور أحمد خفاجي، أنّ هناك الكثير من الفتيات اللواتي هن أقل من 18 عاماً في مصر يرغبن في إجراء جراحات تجميلية، وأغلبهنّ يرغبن في تكبير الثدي والمؤخرة، لكن ما يمنعهنّ عن ذلك هو الرفض القاطع من أولياء الأمور، لذلك يحاولن اتخاذ إجراءات تجميلية بسيطة لا يلاحظها الأهل. ويقول خفاجي لرصيف22: "بالطبع ازداد الإقبال على جراحات التجميل في السنوات الأخيرة، ومع وجود الناس بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب النساء بجراحات لتصبح على هيئة معينة لفنانة شهيرة ما، وبعضهنّ يحاولن استعادة ما أفسدته علامات الحمل والولادة، أمّا البعض الآخر فيأتين رغماً عنهن مدفوعات برغبة الزوج في تعديل مظهرهن، حتّى أنّ بعض الجراحات التي أجريتها، تقوم بها الزوجة فقط خوفاً من الطلاق، بعد أن يصبح الزوج مهووساً بنمط نسائي معيّن لا يريد التنازل عنه".

ذكرت آخر تقارير الجمعية العالمية لجراحات التجميل (ISAPS) أنّ نسبة جراحي التجميل في مصر بلغت 2.4% لعام 2019، بإجمالي 1215 طبيباً، وهو ما يعكس الطلب الآخذ في الارتفاع على جراحات التجميل لا سيّما في العقود الأخيرة، كما أشار خفاجي.

الجسد والمشرط والسلعة

تقيم منار السيد (28 عاماً)، في مدينة دبي منذ 5 سنوات مع زوجها الذي يعمل مديراً مالياً بأحد مراكز التجميل الكبرى، ما حفزّ بداخله عامل المقارنة بين زوجته ذات الجمال الطبيعي، وبين زبونات المركز الأكثر جمالاً من وجهة نظره.

تقول منار لرصيف22: "بدأ الأمر في التفاقم بعد إنجاب ابنتنا الأولى، وكان من الطبيعي أن اكتسب وزناً زائداً، لكن زوجي لم يتقبل شكلي، ودائماً يخبرني "بصي لنفسك في المرايا"، دون مراعاة فترة ما بعد الإنجاب، وتقلبّاتي المزاجية، خاصة أنني أعيش في الغربة دون عائلة أو أصدقاء".

وتضيف: "بعد مرور فترة اصطحبني إلى جرّاحة تجميل في المكان الذي يعمل فيه، وأخبرته أنني لا أحتاج أي جراحة تجميلية على الإطلاق، وأنّ سبب وجهي الشاحب الكثير من الضغوطات النفسية لتجربة الأمومة والرضاعة وسوء التغذيّة، ومع ذلك لم يرضه كلام الطبيبة، واستمرّ في ازدرائه لمظهري الخارجي، بالرغم من أنّه يعاني من الصلع، والبدانة المفرطة لكنه لم يفكر يوماً في خسارة بعض الوزن".

تُعد مستحضرات التجميل، إلى جانب الجراحات التجميلية، أهم السلع النسائية في عالمنا الحديث. يعرّف الفيلسوف الفرنسي جي ديبور في كتابه "مجتمع الاستعراض" مفهوم الاستعراض الذي صار سمة أساسية للمجتمعات الحديثة، بأنّه اللحظة التي تحقق فيها السلعة احتلالها الكلّي للحياة الاجتماعية، ولا تصبح العلاقة بالسلعة مرئية فحسب، بل إنّ المرء لا يعود باستطاعته أن يرى سواها، فالعالم الذي يراه هو عالمها.

وبذلك التوحد بين الإنسان والسلعة، تصبح المرأة ومستحضرات تجميلها ومشرط جراحها كياناً واحداً، لا سيّما إذا توقفت حياتها على الاحتفاظ بمظهرها الشاب إلى الأبد، وهو ما يخلقه نمط الإنتاج الحالي، الذي يمارس ديكتاتورية بشكل شمولي على الجميع، لكن العبء الأكبر منه يبقى على كواهل النساء اللواتي غالباً ما يتّم اتهامهنّ بفرط الاستهلاك دون إدانة المجتمع المحكوم بنظام طبقي أبوي يدفعها إلى هذا النمط من الاستهلاك المحموم.

النحت والشد

تعاني أميمة إبراهيم (37 عاماً) من الوزن الزائد منذ طفولتها، وفشلت محاولات إنقاص الوزن المتكررة منذ مراهقتها، وبعد إنجاب طفلين بات إنقاص الوزن أكثر صعوبة، لكنها ما زالت تحاول، ومع ذلك يجبرها زوجها على إجراء جراحة شفط دهون ونحت للجسد، حتى ترضي تصوراته عن المرأة المثالية.

تحكي أميمة لرصيف22: "بالرغم من أن زواجنا جاء بعد قصّة حب، دائماً يتذمّر من زيادة وزني، وأجبرني على الذهاب إلى أكثر من جراح تجميل حذّروني من إجراء مثل هذه الجراحة غير الضرورية لأنني مصابة بداء السكري منذ طفولتي، ومع رفضي المستمر للمجازفة بحياتي، يهددني زوجي بالطلاق. حتى بعدما فقدت الكثير من الوزن في العامين الآخرين، يطالبني بإجراء عمليات لشد الجلد، ونحت الجسد، دون مراعاة ظروفي الصحيّة، أو الخوف على حياتي".

"المرأة والسكين: جراحات التجميل واستعمار أجساد النساء".

في كتابها "المرأة والسكين: جراحات التجميل واستعمار أجساد النساء"، تحاول الباحثة النسوية كاثرين باولي مورغان تشريح هذا السعي المحموم من النساء نحو الكمال الظاهري، الذي يطالبها به المجتمع الرأسمالي، وفق تطلعاته ونمط إنتاجه، وتستخدم في تحليلها أفكار ميشيل فوكو وأطروحته عن السلطة والتحكم في الأجساد، كمدخل إلى السلطة التي تمارسها أنماط الإنتاج الرأسمالي على أجساد النساء وتنميطها، وروافدها التي تطارد النساء عبر الإعلام والإعلانات، وفرص عمل غالباً ما تطلب نساء ذوات مظهر محدد.

نشرت مورغان دراستها عام 1998 قبل غزو مواقع التواصل الاجتماعي، التي ضاعفت الضغط الاجتماعي على النساء، وجعلت محددات جمالهنّ متوقفة على الصور المستعرضة لمنتجات وهمية على الأغلب، توحي أن اقتناءها هو الحل الأمثل للوصول إلى الكمال الظاهري.

" يتذمّر زوجي من زيادة وزني، وأجبرني على الذهاب إلى أكثر من جراح تجميل، حذّروني لأنني مصابة بداء السكري منذ طفولتي، ومع رفضي المستمر للمجازفة بحياتي، يهددني بالطلاق"

كذلك نشر موقع مجلة "التايم" مقالاً بعنوان: "لماذا يعد انستغرام أسوأ مواقع التواصل الاجتماعي للصحة العقلية؟"، وفقاً لمسح أجرته الجمعية الملكية للصحة العامة، في بريطانيا عام 2017، تحت عنوان (الحالة العقلية)، فإنّ النتائج الصادمة عكست ما يعانيه مستخدمو موقع الانستغرام من نوبات القلق، والاكتئاب، والتوتر، وعدم الرضا عن الذات، والخوف من الضياع. والجدير بالذكر أنّ عينات هذه الدراسة كانوا من عمر 14 إلى 24 عاماً، كما أنّ الارتفاع في هذه الاضطرابات لدى الفتيات كان الأبرز مقارنة بأقرانهنّ من الفتيان.

النساء وصيد الساحرات

خضعت سمية طارق (36 عاماً) لجراحة شفط دهون من منطقة البطن، بعد إنجابها ثلاثة أطفال، وعدم امتلاكها الوقت والرغبة الكافية لنظام حياة صحي يتضمن الغذاء الجيد والنشاط الرياضي المنتظم، لكن بعد مضي ثلاث سنوات على هذه الجراحة، وجدت زوجها غير راضٍ عن مظهرها الذي تحسّن كثيراً.

تضيف سمية في حديثها لرصيف22: "قبل الجراحة لم أتضرر نفسياً من مظهري الخارجي، وكنت راضية تمام الرضا عن التغيرات الطبيعية التي يمر بها جسدي، لكن استمرار زوجي في السخرية والتنمر دفعني لمحاولة إرضائه على وقع تهديداته بأنّ مظهري الذي لا يعجبه هو مبرر كافٍ لإقامة علاقات مع نساء أخريات أجمل مني".

تعكس حالة سمية ما يحاول النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم دفع النساء إليه، فلم تعد تكفي مقاييس الجمال المتعارف عليها إنسانياً حتى تشعر المرأة بالرضا على مظهرها الخارجي، لكن النظام يدفعها للبحث عن المزيد، وهو ما رصدته النسوية الإيطالية سيلفيا فيدريشي في كتابها الأخير "الساحرات: عن النساء وصيد الساحرات".

تشرح سيلفيا كيف يُخضع النظام الأبوي الرأسمالي أجساد النساء لسطوته، وتتساوى في هذا الخضوع نساء الطبقات المخملية بنساء الطبقات الشعبية، بل ربما تفوقنّ عليهن تاريخياً، فقديماً كان دور هؤلاء النسوّة التجمل وإنجاب الأطفال، أمّا الآن فقد تطورّ الأمر لتنشغل المرأة كلياً بما يحسن مظهرها الخارجي، وتعيش داخل الإطار الذي يرسمه لها النظام، وتتحول إلى ترس ضخم لتشغيل عملية الصناعة، إمّا بإخضاع جسدها لعمل مضنٍ وشاق، أو اللهاث خلف كل ما ينتجه النظام من تقنيّات تعد بالكمال الظاهري واستهلاكه، حتى لو كان يحمل هلاكها الحتمي خلف قناع التجميل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard