"صرختنا مقدسة ولن نسمعها للرجال"... طقوس الولادة لنساء زمان في تونس

الاثنين 22 مارس 202104:29 م

تستقبل الخالة مباركة (72 عاماً) ضيوفاً، أتوا لزيارة زوجة ابنها التي أنجبت حديثاً بعد عملية قيصرية كادت تودي بحياتها، وهي تسرد الأحداث بتسلسل دقيق، وتخبر جاراتها أنّ زوجة ابنها وُلدت من جديد، بعد نزيف حاد طرأ عليها فجأة أثناء الولادة.

تجلس المرأة العجوز وسط الضيوف، وتواصل حديثها متنهدة: "الله يرحم أيامنا، أيام الزمان الذي كنا لا نعرف مشافي ولا أطباء، بل كنا ننجب أطفالنا في البيت دون عناء ولا خوف، وكان عدد أطفالنا كبيراً مقارنة بعدد الأطفال الذي تنجبهم نساء اليوم".

تنظر مباركة إلى سلوى زوجة ابنها (30 عاماً) بشفقة، وكأنها تحيل لها الكلمة لإخبار الجارات بتفاصيل معاناتها في المستشفى، تستقيم المرأة في جلستها بحذر، خوفاً على جرحها الطري، وتقول: "الألم الجسدي محتمل أكثر من الألم النفسي، ففي شدة وجعي سمعت أشد عبارات الشتم والتنمّر من الممرضات، ما زاد ألمي أكثر، ثم غبت عن الوعي ولم أستيقظ إلا وأنا في غرفة الإنعاش".

حبل وشعير وقص الصرة

تطلب إحدى الحاضرات من الخالة مباركة أن تحدثها عن الولادة الطبيعية في البيت وطقوسها، فتطلق المرأة تنهيدة من الأعماق، وتلوح برأسها وكأنها تتحسر على أيامها الخوالي. تقول: "أنجبت أولادي السبعة في البيت بمساعدة أمي وحماتي ونساء الحارة، لا أنكر أن الأمر صعب، وأن آلام الولادة لا تحتمل، لكنها تمر بمجرد وضع المولود، فلا عمليات ولا تدخل جراحي من شأنه أن يبقي الآلام مستمرة لأسابيع أو لأشهر، بل أحياناً سنوات بحالها، كما هو الحال في ولادات اليوم".

وبحسب الخالة مباركة، فإن للولادة الطبيعية في البيت طقوساً خاصة، وقوانين وضعتها "نساء زمان" أو القابلات، اللاتي يكن من كبار السن عادة. ومن أهم تلك العادات ربط حبل أو ما يسمى بالحزام على حائط عال، ثم تمسك به السيدة حين تحس بآلام المخاض. وتحضر في الغرفة المغلقة، كبيرة نساء الحارة وحماتها وأمها والمرأة المختصة بالتوليد الطبيعي، وتكون عادة كبيرة السن وذات تجارب عدة.

تقارن فاطمة (60 عاماً) من محافظة مدنين، أم لستة أطفال، بين طريقة الولادتين في البيت والمستشفى، قائلة لرصيف22: "أنجبت خمسة من أولادي في البيت، والسادس في المستشفى، ولا أخفيك سراً أن المعاناة التي عشتها بعد الولادة القيصرية لم أرها في حياتي، ولم أشعر بها في جميع ولاداتي السابقة التي تذهب آلامها بسرعة وبطريقة طبيعية".

"أوجاعي يوم وليلة"

تجتمع النساء في غرفة السيدة التي على وشك الإنجاب، يحضرن المعدات ويتشاورن في أدق التفاصيل، ولا ينسين العادات والتقاليد. تخرج حماتها أو أمها للتأكد من خلوّ البيت من الرجال، إذ يُمنع منعاً باتاً وجود ذكر في البيت أثناء عملية الولادة. تقول الخالة مباركة: "هذه أمور خاصة بالنساء، ولا يجب أن يبقى الرجال هنا أو يستمعوا لصراخ المرأة أثناء الولادة، فتلك لحظات نسوية مقدسة خصّنا بها الله تعالى".

ومن أهم العادات التي كانت تتبعها النساء آنذاك، وضع صاع من الشعير أو القمح أو التمر جانباً، كصدقة على سلامة المرأة والطفل، وتحضّر أختها أو أخت زوجها أكلة العصيدة بزيت الزيتون لتأكلها ساخنة بعد الولادة مباشرة، ثم تطبخ قدراً كبيراً من حساء البقول الجافة لتوزيعه على الزائرات، وتقوم جدة الطفل بقص الصرة، ومداواتها بالملح والكحل العربي الذي تعدّه بنفسها.

تقول سعيدة (55 عاماً): "كانت الولادة بالنسبة لنا أمراً طبيعياً سهلاً، حتى أننا لا نعير الموضوع أهمية كنساء اليوم اللاتي تتحركن بصعوبة منذ الشهر الأول، ربما لتغيّر طريقة العيش وغياب الأكلات الصحية كتلك التي كنا نأكلها في أيامنا".

"هذه أمور خاصة بالنساء، ولا يجب أن يبقى الرجال هنا أو يستمعوا لصراخ المرأة أثناء الولادة، فتلك لحظات نسوية مقدسة خصّنا بها الله تعالى"

تسرح بنظرها بعيداً، وكأنها تسترجع شريط ذكرياتها، وتقول: "أذكر أن ولادتي كانت صعبة جداً، ودامت الأوجاع يوماً وليلة، حتى أن حماتي قلقت علي كثيراً، وكانت هناك عادة أو خدعة لتسريع الولادة وهي زف خبر خطير يخص أقارب المرأة، فتفزع وينزل الجنين من بطنها بسهولة".

وتضيف ضاحكة: "أذكر أن حماتي أتت مسرعة وأخبرتني أن ابن أخي مات بحادث مرور، ولا أذكر سوى صرختي التي دوت في المكان من شدة الهلع، تلاها صراخ ابنتي التي تلقتها جدتها بالزغاريد".

أما الخالة زهيرة (57 عاماً) من محافظة سليانة في الشمال الغربي التونسي، فتروي لرصيف22 تجربتها الصعبة مع الولادة الطبيعية. تقول: "أعيش في منطقة نائية، وشاءت الأقدار أن تنزل كميات كبيرة من الثلوج عندما فاجأني المخاض بابني الأخير سنة 1998".

"رفض صاحب السيارة الوحيدة في القرية نقلي إلى المستشفى، ففوضت أمري لله، وقررت الولادة في المنزل. ساعدتني والدتي ووالدة زوجي في الولادة، قامتا بتجهيز الماء الساخن، وربطتا لي حبلاً في سقف الغرفة كي أتمسك به ولا أقع على الأرض، جلست فوق كرسي مصنوع من أكداس الملابس، وبعض الخشب. كانت لحظات صعبة ومؤلمة، لكنني تمكنت بعد حوالي ساعة من ولادة طفلي سليماً".

"جلّ نساء القرية كن يلدن في المنزل في تلك الفترة، عكس نساء هذه الأيام. أنجبت أبنائي الأربعة بطريقة طبيعية، ففي أيامنا كانت القابلة هي التي تتولى مهمة توليد النساء ورعاية أبنائهن، ولكن الطريف في الأمر هو أن القابلة لم تدرس الطب ولا علوم التمريض، بل إنها أمية لا تقرأ ولا تكتب، ومع ذلك تمارس مهنة التوليد في أرياف تونس دون أن ترتكب أي خطأ".

"لا تزعجينا، تألمي بصمت"

ربما لا تنجح الولادة الطبيعية هذه الأيام لأسباب كثيرة، لكن نساء زمان لم يكن محظوظات من الناحية الصحية فقط، بحسب كلام الخالات، بل بالجانب النفسي أيضاً.

تشتكي كثيرات من نساء اليوم من المعاملة السيئة في المستشفيات العمومية من قبل القابلات والممرضات، تقول صفاء (26 عاماً) من محافظة مدنين: "لم يكن لدي نقود كافية للذهاب إلى المصحة الخاصة، فاضطررت للذهاب إلى المستشفى العمومي حال إحساسي بآلام المخاض التي لم أعرفها سابقاً. جلست على طاولة الولادة والأوجاع تمزقني، ولم أعد قادرة على التحمل، وطلبت من إحدى الممرضات أن تنادي طبيباً يفحصني أو يعطيني إبرة مسكنة، لكنها نظرت إلي باحتقار، ولم تعر صراخي اهتماماً، بل قالت لي بالحرف الواحد: تحمّلي أو اذهبي إلى المستشفيات الخاصة، لدينا الكثيرات هنا ولست وحدك من تتألمين، انتظري دورك بصمت لا تزعجينا أكثر".

"طلبت من إحدى الممرضات أن تنادي طبيباً يفحصني أو يعطيني إبرة مسكنة، لكنها نظرت إلي باحتقار، ولم تعر صراخي اهتماماً، بل قالت لي بالحرف الواحد: تحمّلي أو اذهبي إلى المستشفيات الخاصة"

تعنّف النساء لفظياً ومعنوياً أثناء أقدس اللحظات في حياتهن، وقد كتبت الخبيرة الأممية المعنية بالعنف ضد المرأة في منظمة الأمم المتحدة، في تقرير قدمته إلى الجمعية العامة سنة 2019: " تعاني النساء من انتهاكات تتراوح بين الإساءة اللفظية والسلوك الجنسي والإهانة العميقة، إلى العنف البدني، مثل الإجراءات الطبية غير الضرورية والإلزامية والروتينية، التي تنفذ دون موافقة كاملة ومستنيرة".

وأشارت الخبيرة إلى أن بعض النساء يخضعن للعلاج الجراحي دون تخدير، والإزالة الجراحية للمشيمة والخياطة ما بعد الولادة، مشيرة إلى أنهن قد يتعرضن أيضاً لانتهاكات الخصوصية والإيذاء البدني.

وكتبت أيضاً: "غالباً ما يتم إسكات النساء بسبب مخاوف من المحرمات والخزي والاعتقاد بأن الولادة هي الحدث الذي يتطلب معاناة من جانبهن".

وأضافت أن تلك الأحداث ليست متقطعة، ولكنها جزء من سلسلة متواصلة من العنف القائم على النوع الاجتماعي في السياق الأوسع، المتمثّل في عدم المساواة الهيكلية والتمييز والأبوية التي يجب أن تنتهي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard