صفع على الوجه وضرب على الفخذين… حوامل يشتكين من "إهانات" في غرف الولادة في غزة

الخميس 26 سبتمبر 201906:21 م

كانت الساعة تشير إلى العاشرة ليلاً، حين اعترى ألم المخاض جسد أمل عبد الغني (29 عاماً). بالكاد استطاعت قدماها نقلها للمستشفى، متكئةً بيديها على كتفي شقيقتها ووالدتها، رفيقتي رحلة الولادة، بينما زوجها منشغل في تحضير أوراق الميلاد الرسمية للمولود.

حاولت والدتها التي جلست بجانبها في التاكسي أن تربِّت على كتفيها، محاولةً التخفيف عنها طيلة طريقها إلى مستشفى حكومي في غزة. وفور وصولها إلى قسم الاستقبال الذي يسبق قسم الولادة، ازداد توترها وخوفها، فالمكان كان مزدحماً بأصوات أنين النساء وصراخهنّ، والكادر الطبي يأتي ذهاباً وإياباً، وينهرهن لخفض حدّة أصواتهن. لم تستطع كبح جماح خوفها، وبدأت تتصبب عرقاً في توتر شديد حتى سقطت أرضاً مغمى عليها.

"بعد الإهانة فقدتُ جنيني"

استفاقت الشابة مفزوعة بعدما لطمتها إحدى الممرضات على وجهها بعنف لإيقاظها، وبعد أن فحصتها اتهمتها بأنها قدمت إلى المستشفى كنوع من "الدلع"، رافضةً تصنيفها كحالة ولادة رغم تعرضها لنزيف داخلي، وفق ما ذكرت لرصيف22.

تفاصيل تجربة ولادتها ظلت عالقة في ذهنها، وظل في بالها ما تعرّضت له من أذى نفسي أثناء الولادة، نتج عن سوء المعاملة، التهميش، والإهمال الطبي.

تقول أمل لرصيف22: "لسوء حظي، حالتي كانت ولادة مبكرة، لكن الطاقم الطبي لم يدرك ذلك جيداً، وأذكر في ساعات قدومي الأولى للمستشفى أن شقيقتي حاولت الاستنجاد بإحدى الممرضات علها تأتي لتسعفني، فكانت الصدمة ردها بنبرة صوت متعجرفة: 'بكفي تصرخي هو ما فيش غير أختك بالقسم؟. مش فاضية إلها'، وتركتنا لتجلس على مكتبها، وبقيت لوحدي رهن الألم في قسم الاستقبال حتى تم نقلي بعد ساعة ونصف إلى غرفة الولادة".

"بكفي تصرخي هو مافيش غير أختك بالقسم؟. مش فاضية إلها".

تكمل أمل: "بعدها وُضعت تحت المراقبة الطبية شكلاً فقط، ومكثت ليلة كاملة مستلقية على سرير الولادة الذي كان مهترئاً، ويفتقد للمعايير الطبية، والخصوصية، إذ لم يكن هنالك أي ستار بيني وبين من هم بالخارج، لكني مضطرة للقبول به، فلا خيارات أخرى متاحة لي، حتى تدهورت حالتي الصحية بشكل خطير. في نفس الوقت جاء زوجي للاطمئنان على صحتي، فشاهدني، وجُنّ جنونه، ونشب بينه وبين الأطباء تلاسن شديد اللهجة، حتى جاء أحدهم وأمر بنقلي إلى غرفة العمليات، ولكن بعد فوات الأوان. أخبروني أني أمام خيار وحيد للحفاظ على حياتي وهو إجهاض الجنين، فوافقنا متأسفين".

بعد يوم ونصف من المكوث بين أجهزة غرفة العناية المركزة، خرجت أمل خاوية اليدين لكنها نجت بروحها وظلت بحالة نفسية سيئة، لا سيما أنها فقدت جنينها ولم تعش تجربة الأمومة التي كانت تحلم بها، في حين كانت النساء بجانبها في قسم الولادة يحتضن أطفالهن بكل حب وحنان.

مكثت أمل في المستشفى عشرة أيام حتى أُذن لها بالخروج، لكن ظل كابوس الولادة يلاحقها، وأصيبت بحالة اكتئاب لا زالت تعاني من آثارها حتى الآن.

استفاقت أمل مفزوعة بعدما لطمتها على وجهها ممرضة بعنف لإيقاظها، وبعد أن فحصتها، اتهمتها بـ"الدلع"، ولكنها نزفت، وفقدت جنينها، ولا تزال تعاني من الاكتئاب حتى الآن

سخط فعراك فاستدعاء للشرطة

المتابع لحالات الولادة بين أروقة مستشفيات غزة يلاحظ نشوب جدال عادة ما يكون مصحوباً بحالة من السخط والتذمر، وقد ينتهي بعراك شديد بين أهالي النساء في قسم الولادة والكادر الطبي، ما يستدعي تدخل الشرطة التي تتواجد باستمرار بين الأقسام الطبية من وقت إلى آخر.

تقرّ عطاف أبو ناموس التي تعمل في قسم الولادة في أحد مستشفيات غزة، أنه بالفعل قد تتعرّض بعض النساء في قسم الولادة للضرب على الفخذين، أو النَهْر لخفض الصوت، ولحثهن على وضع قطعة قماش بين الفكين لكتم الصراخ، لكن في حالات معينة تستدعي ذلك، كأن تتعرض المرأة لتشنجات أثناء الولادة، أو عدم معرفتها الكافية بالوضعية المناسبة للولادة، وأحياناً أخرى يعيق الخوف الشديد واللاواعي للنساء خروج الجنين بشكل صحيح، ما يسبّب له نقصاً في الأوكسجين أو تشوهات، ويتم تحويل الحالة للولادة غير الآمنة.

"عنف التوليد هو فعل غير مشروع تتعرض له النساء أثناء الولادة، ويسبب لهنّ ضرراً معنوياً، جسدياً، صحياً، ومادياً"... صورة معتمة لدى نساء غزة اللواتي خضن تجارب ولادة سابقة

وأضافت أبو ناموس لرصيف22: "نحاول تجنب هذه الأفعال قدر المستطاع، لكن يبقى هنالك لوم على المرأة أيضاً، لا سيما أن بعض النساء لا يساعدن الطبيب في اتباع الإرشادات التي يقدمها لهن لحظة الولادة، لأن أي حركة مخالفة منها قد تودي بحياة الجنين، وحينها يلجأ الطبيب إلى تنفيذ الطرق التي يراها مناسبة للحفاظ على صحتي الجنين والأم".

"قد تتعرّض بعض النساء في قسم الولادة للضرب على الفخذين، أو النَهْر لخفض الصوت".

وبررت أفعال الكادر الطبي بأسباب عديدة منها الضغوطات النفسية التي يتعرّضون لها، وطول ساعات عملهم، وقالت إنه يجب مراعاة أن الطبيب بشري في النهاية، وقد تصدر منه أفعال خارجة عن إرادته، فالبيئة التي يعمل فيها الأطباء في غزة صعبة ومعقدة للغاية.

"تخيلتها غرفة بالونات وورود"

اطلع رصيف22 على حالات أخرى لنساء عايشن تجارب ولادة سيئة داخل أحد أكشاك الولادة (غرف الولادة) في غزة. تروي هالة محمود (26 عاماً)، والتي لم تكمل فرحتها الأولى بولادة طفلها الجديد بعد تسعة شهور، متحملة عناء ومشقة الحمل، أنها لطالما تخيلت أن قسم الولادة يضم غرفة صغيرة ممتلئة بالبالونات الملونة والورود، لكن الواقع بدا لها مختلفاً تماماً.

توضح ما تعرضت له أثناء ولادتها قائلة: "في الأسبوع الأخير من الشهر التاسع أخبرني الطبيب الخاص المتابع لحالتي بأنه يجب عليّ التأهب للولادة في أي لحظة، لذا تشاركت مع زوجي تحضير حقيبة الطفل التي جهزنا محتوياتها بعناية فائقة، فكنّا متحمسين جداً لاستقبال طفلنا الجميل والبكر، وفي اليوم الرابع من الأسبوع ذاته جاءني ألم المخاض، وكنت مستعدة نفسياً وجسدياً للولادة، فتوجهت للمستشفى سريعاً، مع فظاعة ألم المخاض".

تكمل: "في طريقي مع زوجي للمستشفى بدأت طائرات الاحتلال الإسرائيلي تقصف في أنحاء متفرقة من القطاع. أخذت انقباضات المخاض تزداد، فتملكني الرعب على الجنين، رغم محاولاتي تناسي أي أفكار سوداوية، حتى وصلت إلى المستشفى وكانت حالة طوارئ، لكن ليست هذه المعضلة الكبيرة، فقد تم إدخالي سريعاً إلى كشك الولادة، وهنا كانت الكارثة بالنسبة لي".

"بدأت طائرات الاحتلال الإسرائيلي تقصف في كل مكان بأنحاء القطاع، فتضاعفت انقباضات المخاض"

وتضيف لرصيف22: استُقبلت بسلوكيات فظة من قبل الممرضات في قسم الولادة، إذ أنهن لم يراعين الحالة النفسية السيئة التي رافقها ألم شديد مضاعف". لم تتوقف عن البكاء بصوت مرتفع، ما دفع إحداهن للصراخ عليها حتى تصمت، في الوقت الذي كانت بأمس الحاجة إلى الرعاية والاهتمام، ولأنها رفضت الخضوع للفحص الطبي لمعرفة حالة جنينها لأنها كانت تتألم بشدة، قوبلت بنعتها من قبل ذات الممرضة بألفاظ نابية تشير بها إلى العلاقة الجنسية مع زوجها.

ووصفت ما تعرضت له في المستشفى الحكومي بـ"الأمر المهين"، وهذا ما دفع زوجها لنقلها فوراً للولادة في مستشفى خاص على حسابهما الشخصي، ودفع مقابل ذلك 300 شيكل، أي 320 دولاراً أمريكياً، مقابل خضوعها لولادة آمنة، رغم أن وضعهما المادي لا يسمح، فزوجها يعمل موظفاً حكومياً لدى سلطة رام الله، ويتقاضى أقل من نصف راتبه.

وأوضحت القابلة أبو ناموس أن هناك اختلافاً كبيراً في التعامل مع النساء داخل كشك الولادة في العيادات الخاصة وفي المستشفيات الحكومية، فالطبيب الخاص يوجه لها عناية كاملة واهتماماً شاملاً ما أن تطأ قدماها عيادته وحتى خروجها منها، لأنه يريد أن يحافظ على سمعته، وهنالك بعض الحالات تدفع مبالغ مالية مرتفعة، على عكس المستشفيات الحكومية.

"الطبيب مضغوط والحوامل بلا وعي"

نفى د. هاني مهدي، مدير مستشفى الولادة في مجمع الشفاء الطبي، إمكانية تعرض النساء في قسم الولادة لحالات عنف، مبيناً أنه قد تكون هنالك سلوكيات فردية لبعض أفراد الطواقم الطبية، لا تُصنَّف حالة عامة، ناجمة عن حالة سيئة قد تكون مسيطرة على أحدهم لظرف ما، وأحياناً كثرة مرافقي المرأة الواحدة، الذين تصدر عنهم سلوكيات فظة، كالتهجم على الأطباء واتهامهم بالتقصير في العمل، فيلجأ الطبيب للدفاع عن نفسه، مؤكداً أنه في حال تم التأكد من أن هنالك معضلة كبيرة تتم إحالة الأطراف المتهمة للتحقيق.

وقال مهدي لرصيف22: "هناك لوم على النساء بسبب نقص وعيهن حول آليات الولادة، فمن المفروض تلقي الحامل جلسات رعاية أولية لتبقى مهيئة وجاهزة لأي حدث أثناء الولادة ولا تُصدم بالواقع، فهذا يسهل عليها الولادة والتعاون مع الفريق الطبي".

وأشار إلى أن جميع الطواقم الطبية العاملة في قسم الولادة مجهزة نفسياً ومهنياً، رغم تعقيد البيئة الصحية وضعف كافة الإمكانات، إذ يستقبل المستشفى وحده دون باقي المستشفيات شهرياً 1400 حالة ولادة، بينما يضم القسم 6 غرف تحوي فقط 12 سريراً، وهذا يعرضهم لضغوطات مضاعفة، وإرباك في العمل.

ويعرَّف عنف التوليد على أنه فعل غير مشروع تتعرض له النساء أثناء الولادة ويسبب لهنّ ضرراً معنوياً، جسدياً، صحياً، ومادياً، ويرتب عليه القانون عقوبة أو إجراءً احترازياً، بحسب الحقوقي علاء سكافي.

"ما تتعرض له الحوامل انتهاك صارخ لحقهنّ الصحي".

وقال سكافي لرصيف22 إن ما تتعرّض له النساء أثناء الولادة من سلوكيات سيئة غير مبرّر، مهما كان الوضع، وهو انتهاك صارخ لحقها الصحي الذي كفلته لها منظمة الصحة العالمية، وقانون الصحة الفلسطيني، الذي ينص على أنه من حق المرأة الحصول على رعاية صحية شاملة تراعي حالتها وحالة جنينها النفسية والصحية.

وتحدث سكافي عن التداعيات السلبية لمثل هذه التصرفات، إذ تتعرض المرأة لاضطراباتٍ نفسية، أهمها ما يسمى بـ"فوبيا الولادة"، أي الخوف من تكرار التجربة، واكتئاب ما بعد الولادة.

ودعا النساء لعدم التراجع عن المطالبة بحقوقهن في حال تعرضهن لأي نوع من العنف داخل أروقة المستشفيات، وهذا ما يشكل أداة ردع تخفف من حجم تلك السلوكيات التي وصفها بـ"اللاإنسانية" في حق النساء.

الجدير بالذكر أنه لا توجد إحصاءات لعدد النساء اللواتي يتعرضن لعنف التوليد في غزة، ما يدفع البعض إلى إنكار حدوثه كظاهرة، لكن هنالك صورة معتمة لدى النساء اللواتي خضن تجارب ولادة سابقة، وتحاول كل منهن نقلها إلى غيرها من المقبلات على الولادة، تحسباً لأي وقائع قد تعرض حياتهن للخطر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard