شكوك جزائرية حول نوايا رفع السرية عن أرشيف الاستعمار الفرنسي

الجمعة 12 مارس 202101:42 م

خطوة إلى الأمام لتجاوز عقبة الذاكرة والتاريخ المشترك، الذي يعكر صفو العلاقات بين الجزائر وفرنسا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قرر تسهيل الوصول إلى محتويات الأرشيف السري، التي يزيد عمرها على 50 عاماً، خصوصاً تلك المتعلقة بثورة التحرير الكبرى بين 1954 و 1962، عملاً بما أوصى به المؤرخ بنجامين ستورا حسب بيان قصر الإليزيه.

تقارب جزائري فرنسي في عهد تبون وماكرون

تأتي هذه الخطوة الرمزية من قصر الإليزيه، في ظل تقارب جزائري فرنسي واضح في الفترة الأخيرة.
 فمنذ تولي الرئيس عبد المجيد تبون مقاليد الرئاسة في الجزائر نهاية عام 2019، تبادل الرئيسان رسائل شكر، واعترف كل منها بجهود الآخر ودوره في تحقيق مصالحة بين البلدين، ففي الوقت الذي وصف ماكرون تبون "بالشجاع"، تحدث تبون عن ماكرون ناعتاً إياه "بصاحب النية الطيبة"
مشاعر الامتنان ترجلت من الرسائل لتجد طريقها إلى الواقع، حيث سلمت فرنسا في 2 تموز/ يوليو 2020، أربعاً وعشرين جمجمة لشهداء وقادة المقاومة الجزائرية، تلاها تعيين المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا مستشاراً في قصر الإليزيه وتكليفه إعداد تقرير حول الاستعمار الفرنسي للجزائر، وتقديم مقترحات للرئاسة من أجل إنهاء “حرب الذاكرات” بين البلدين، والتي كثيراً ما تسببت في تسميم العلاقات الثنائية.
"الجميع يعرفون أن الأرشيف الفرنسي محمي من وزارة الدفاع الوطني، ومن المؤكد أن فرنسا لا تقدم هدايا مجانية، ولن تسمح بالوصول إلى المعلومات التي قد تؤثر على صورتها أمام المجتمع الدولي..."
وقد أعقب ذلك اعتراف فرنسا بتعذيب وقتل المناضل الشهيد علي بومنجل على يد السفاح بول أوساريس، بعد ستة عقود من تمسك الفرنسيين برواية انتحاره،  

هل تكشف فرنسا عن أرشيف 132 عاماً؟

مما لا شك فيه أن هذه الخطوة ستساعد على كتابة التاريخ من منظور رسمي، بشكل يسمح للباحثين في مجال التاريخ والثورة الجزائرية بالوصول إلى محتويات أخفتها فرنسا لعقود من الزمن، وهو تحول واضح لتوثيق أحداث كبرى، وفك الألغاز عن وقائع ظلت مبهمة وغير مفهومة.
هل تكشف فرنسا عن الأرشيف كله؟ بهذا السؤال بدأ المحامي الحقوقي عبد الرحمان صالح حديثه لرصيف 22: "الجميع يعرفون أن الأرشيف الفرنسي محمي من وزارة الدفاع الوطني، ومن المؤكد أن فرنسا لا تقدم هدايا مجانية، ولن تسمح بالوصول إلى المعلومات التي قد تؤثر على صورتها أمام المجتمع الدولي، ولا أستبعد أن تكون هذه الخطوة المتعلقة بالأرشيف، إجراءً جديداً للضغط على السلطة الجزائرية بتسريب معلومات تؤثر على استقرار البلد".
تعتبر تجارب رقان النووية أهم الاتفاقيات التاريخية بين فرنسا وإسرائيل، من خلال الاتفاق السري الذي وقعه الطرفان عام 1953، إذ كانت إسرائيل تبحث عن الأرض لإجراء مثل هذه التجارب، رغم امتلاكها حوالى 11 بروفيسوراً في الذرة شاركوا في تجارب أوكلاهوما الأمريكية

توظيف سياسي عشية الانتخابات الرئاسية

عام واحد يفصل الفرنسيين عن الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2022، وطموح البقاء على كرسي الرئاسة يغمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي دخل حملة انتخابية مبكرة.
هذا أحد العوامل الرئيسية الثلاثة، التي يراها الباحث في التاريخ الجزائري عامر رخيلة سبباً في رفع السرية عن جزء من الأرشيف الفرنسي، الذي يتجاوز عمره نصف قرن، إذ يقول لرصيف22: "الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الفرنسي جاءت استجابة لمطالب مؤرخين وباحثين فرنسيين في ظرف سياسي خاص لخدمة مصالح ماكرون وليس لخدمة الجزائر، فبيان الإليزيه كان واضحاً حينما أكد أن فرنسا ستكشف "بعض" الأرشيف وليس كله".

وحسب رخيلة، فإن هذه المعلومات التي ستكشف عنها فرنسا، لا تتعلق بحرب التحرير الجزائرية فقط، إنما بجميع المستعمرات الفرنسية الأخرى، حيث يلخص  ثلاثة عوامل كانت وراء هذا القرار. العامل الأول: ماكرون يجامل الجالية الإفريقية في فرنسا، وخاصة الجالية الجزائرية، التي تقدر حسب آخر الإحصائيات بقرابة سبعة ملايين، لحصد أصواتهم الانتخابية.

العامل الثاني يتعلق بعوامل اقتصادية محض، الرئيس الفرنسي يحاول رأب الصدع لتجاوز آثار الأزمة التي خلفها فيروس كورونا، والجالية الإفريقية بشكل عام والجزائرية بشكل خاص، تعتبر خزاناً اقتصادياً يسعى لاستثمار وتوظيف أموالها في البنوك الفرنسية.
أما العامل الثالث - والحديث ما زال  لرخيلة - فهو إدراك ماكرون بأنه لا يملك الأغلبية في البرلمان، ولذلك يحاول أن يقدم تنازلات بسيطة موجهة للتيار الوسطي، حتى لا يثير سخط اليمين واليسار المتطرفين، فتجده يتقدم خطوة إلى الأمام ثم يتراجع خطوتين إلى الوراء.

الجيش الجزائري يطالب فرنسا بالكشف عن خريطة النفايات النووية  

قبل أن تغادر أرض الجزائر، جعلت فرنسا من صحرائها حقل تجارب لبرنامجها النووي، تضمن 210 تجارب لأسلحة دمار شامل نووية وكيميائية، وصواريخ باليستية. وقد بدأت هذه التجارب في 1957 واستمرت بموجب إتفاقيات إيفيان الموقعة بين الطرفين، إلى نهاية 1966، منها 17 تفجيراً نووياً جوياً وسطحياً وباطنياً خلال ست سنوات. تجارب لا تزال آثارها قائمة إلى يومنا هذا، وقد طالب الجيش الجزائري من فرنسا بالكشف عن مواقع النفايات النووية التي يزيد عمرها على 60 سنة .
وفي هذا الصدد، يصرح العقيد رمضان حملات لرصيف22: "على فرنسا أن تسلم الوثائق والأرشيف الكامل للتجارب النووية التي قامت بها في صحراء الجزائر، والتي أدت إلى حدوث كوارث بيئية، فالكشف عن خريطة النفايات النووية سيساهم في تطهير المنطقة ويجنب ألاهالي المزيد من المعاناة الصحية والتشوهات الخلقية التي لا تزال تلاحقهم إلى اليوم".
وتعتبر تجارب رقان النووية أهم الاتفاقيات التاريخية بين فرنسا وإسرائيل، من خلال الاتفاق السري الذي وقعه الطرفان عام 1953، إذ كانت إسرائيل تبحث عن الأرض لإجراء مثل هذه التجارب، رغم امتلاكها حوالى 11 بروفيسوراً في الذرة شاركوا في تجارب أوكلاهوما الأمريكية.
في الوقت ذاته كانت فرنسا تبحث عن الحلقة المفقودة في امتلاك القنبلة النووية، بعد أن تخلت عنها حليفتاها أمريكا وبريطانيا، وامتنعتا عن تزويدها الطرق والمراحل التجريبية الميدانية للتفجير النووي.
وحمل أول تفجير نووي فرنسي بمنطقة الحمودية برقان اسم "اليربوع الأزرق"  تيمنا بعلم الكيان الإسرائيلي، بطاقة تفجير بلغت 60 كيلوطناً، أي ما يعادل 70 مرة قنبلة هيروشيما اليابانية

سكوت رسمي

إلى اليوم، لم يبدر من الجانب الجزائري أية ردة فعل، لا بيان من الرئاسة، ولا الخارجية ولا حتى تقرير عبد المجيد شيخي المكلف ملف الذاكرة من الجانب الجزائري، والذي من المحتمل ألا يرى النور، حسب بعض القراءات للمتابعين للشأن الجزائري، فسكوت الجزائر يدخل ضمن سياستها الديبوماسية، وفي هذه الحالة لا يعتبر قبولاً ولا رضى، بل هو بمثابة رد رافض لتعامل فرنسا مع ملف الذاكرة، فالرئيس تبون سبق أن صرح لوسائل إعلام جزائرية أن هناك لوبيات تضغط لعدم إحراز أي تقدم في هذا المجال، وهو ما انعكس على تقرير بانجامان ستورا، الذي وصفته الطبقة السياسية في الجزائر بالمتحيز للجانب الفرنسي.
مثل هذه الخطوات التي أقدمت عليها فرنسا وإن قوبلت بانتقادات واسعة في الجزائر، التي تدرك جيداً عقلية المستعمر الفرنسي، المعرقلة لكافة المساعي لاسترجاع الأرشيف المنهوب، لكنها تبقى في عيون المؤرخين والباحثين في التاريخ مهمة جداً للتعرف أكثر على خبايا مرحلة الاستعمار والثورة الجزائرية
فستورا قدم تنازلات رمزية دون الإشارة إلى اعتذار فرنسا عن جرائمها، ويطالب بالمقابل بتضحيات جسيمة من الجزائر، أبرزها طي ملف "الحركى" الذين يراوح عددهم بين 200 ألف و400 ألف، وهم الجزائريون الذين تعاونوا أو حاربوا إلى جانب فرنسا ضد الجزائر، في ثورة التحرير بين 1954 و 1962، وهو ملف حساس غير قابل للتفاوض بالنسبة للجزائريين الذين طووا صفحته بعد الاستقلال مباشرة.

التحكيم الدولي آخر الحلول

وتتهم الجزائر فرنسا بتهريب وسرقة مئات آلاف الخرائط والوثائق التاريخية، إبّان فترة الاستعمار، بين عام 1830 وعام 1962، منها ما يعود إلى الحقبة العثمانية (1518 – 1830) وقد هددت الجزائر سابقاً باللجوء إلى محكمة العدل الدولية لاسترجاعها، رغم اعتراف أمين شيخي، مستشار الرئيس المكلف ملف الذاكرة، بعرقلة المستعمر القديم الوصول إلى الأرشيف الذي تطالب الجزائر منذ سنوات بحقها في استرجاعه. مؤكداً أن الذهاب إلى التحكيم الدولي، قد يكون سلاحاً ذا حدين، ما لم يكن هناك طرف محايد يضمن عدم إتلاف فرنسا للمحتويات التي تدينها، في حال فوز الجزائر بالقضية.

الاعتذار عن الجرائم

ويرى كثيرون في الجزائر أن فرنسا تناور على هامش بعيد عن المطالب الحقيقية للجزائريين لطي الملف بشكل عادل، وأكد بلقاسم مالك أيوب القيادي بالحزب الحاكم في الجزائر أن مطالب بلاده واضحة الاعتذار الرسمي والاعتراف بالجرائم في الجزائر واسترجاع جميع جماجم الشهداء، بالإضافة إلى تسوية عادلة لملف التجارب النووية في الصحراء الجزائرية، مشيراً إلى أن قرار ماكرون برفع السرية عن الأرشيف الجزائري، لا تعدو كونها مناورة انتخابية.

مثل هذه الخطوات التي أقدمت عليها فرنسا وإن قوبلت بانتقادات واسعة في الجزائر، التي تدرك جيداً عقلية المستعمر الفرنسي، المعرقلة لكافة المساعي لاسترجاع الأرشيف المنهوب، لكنها تبقى في عيون المؤرخين والباحثين في التاريخ مهمة جداً، للوصول إلى أكبر قدر من المعلومات، قد تساعدهم على التعرف أكثر على خبايا مرحلة الاستعمار والثورة الجزائرية، التي اقتصر التأريخ فيها، على شهادات المجاهدين، الذين عايشوا تلك الفترة ولا يزالون على قيد الحياة.
هي معلومات، إذا ما أحسنت استغلالها، قد تكون أوراقاً رابحة في يد السلطات الجزائرية، التي تتفاوض منذ أربع سنوات على أربعة ملفات تاريخية، هي: الأرشيف واسترجاع جماجم قادة الثورات الشعبية، وتعويض ضحايا التجارب النووية، ومفقودو ثورة التحرير البالغ عددهم 2200 جزائري.
وإن كانت القنوات الديبلوماسية طريقاً تختاره السلطات في الجزائر للوصول إلى مبتغاها، فإن المطلب الشعبي الذي لا يسقط بالتقادم هو: "اعتذار فرنسا عن جرائم الحرب التي ارتكبتها في الجزائر".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard