"أحلم برائحة ابني"... مسنّات جزائريات بين قارعة الطريق ودور العجزة

السبت 13 مارس 202105:10 م
Read in English:

Elderly Algerian Women Longing for the Scent of their Sons

صادفتها ذات يوم ماطر، بارد، جالسةً في بهو مؤسسة عمومية للصحة الجوارية بباب الزوار (الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية)، تمسك عصاها الخشبية بيدها اليمنى، وكيساً أبيض مملوءاً بالأدوية باليد اليسرى ، كانت الحسرة تغطي وجهها الأسمر، الذي أتت التجاعيد عليه، وصوت أشبه بالخرير يخرج من جسد هزيل لم يعد قادراً على مقاومة الحياة ومتاعبها.

"أحلامي سراب"

جلستُ بالقرب منها لأستنطق همومها. الأمر بدا صعباً في البداية لأنها لم تكن تقوى على الكلام. تروي الخالة زينة، في العقد السادس من عمرها، لرصيف22: "لي ثلاث بنات وشاب، لم أكن أتوقع يوماً أن تأتي اللحظة التي سيرافقني ابني فيها، كنت أخاف عليه حتى من الألم والوجع، مضت طفولته بلمح البصر فصار رجلاً، وبلغ سن الزواج، واختار شريكة حياته بنفسه، بينما كنت غاطسة في أحلامي أنتظر وصول أطفاله لأسمع بكاءهم، وأستمتع بلعبهم في فناء المنزل ليملأوا فراغ بناتي الثلاثة بعد زواجهن، حتى أبوه الشيخ الستيني كان يقاسمني الشعور نفسه".

تقول الخالة، بعد أن استجمعت أنفاسها، وحبست دموعها، التي لا تتوقف من عينيها العسليتين اللتين حجبهما ظلام داكن: "أحلامي كلها تحولت إلى سراب لأن ابني ذهب حاملاً معه حقائبه، وذكريات طفولته، بعد أن تفاقمت المشاكل بسبب زوجته التي كانت تحرضه عليَ وعلى شقيقاته ووالده، تغيرت معاملته لي فجأة، أصبح لا يرغب في الحديث معي بعد أن كنت بئر أسراره، راح يسيء معاملتي، ونسي أنني ما شقيت لإرضائه وإسعاده".

وتضيف: "أشتاق اليوم لأشم ما أمكن منه، لألمح وجهه وأرى الضحكة التي تغطي ملمحه في الصغر، جمرات تكوي قلبي من فرط الشوق، ينقص عمري يوماً بعد يوم، وكل يوم لا أقضيه معه ينكسر جسدي أكثر فأكثر".

دخلت الخالة في حالة اكتئاب، وأصيبت بأمراض واضطرابات عقلية تراودها بين الحين والآخر، فهي لا تقوى على النوم إلا بعد تناول بعض الحبوب المنومة المتاحة بوصفة الطبيب حتى يتسنى لها نسيان الألم المزمن، الذي يسكن قلبها ولا يرغب في مفارقته.

"عزلوها فأصبحت جثة هامدة"

أم بلغت من الكبر عتياً، شاءت الأقدار أن تودع الحياة في صمت دون أن يسمع بها أحد حتى تم العثور عليها جثة هامدة داخل شقتها، قصة لمسنة ترويها دليلة حسين، رئيسة جميعة نور للمرأة والأسرة والطفل.

بعد أن ترمّلت، تسلمت المسؤولية، فأصبحت هي الأم والأب في آن واحد، خرجت للعمل رغم الفتن التي كانت تحاصرها من كل زاوية، والألسن، والأعين البذيئة من أجل الحصول على المال، الذي يكفي حاجاتها، وحاجة أطفالها الصغار، فرغم قسوة الزمن عليها رفضت أن تنحني أو تضعف بل زادها ذاك قوة، وإرادة لتحمل كل الصعوبات من أجل أطفالها، الذين وجدوا أنفسهم بلا أب في سن مبكرة.

"عندما طعنت في السن تخلى عنها أبناؤها الثلاثة، وعزلوها في غرفة صغيرة، فلا أحد يسأل عن حاجتها أو يتفقدها، فالكل منشغل بزوجته وأبنائه، إلى أن شموا روائح كريهة، واكتشفوا أنها لجثة والدتهم"

عندما طعنت في السن تخلى عنها أبناؤها الثلاثة، وعزلوها في غرفة صغيرة، فلا أحد يسأل عن حاجتها أو يتفقدها، فالكل منشغل بزوجته وأبنائه، إلى أن عُثر عليها جثة هامدة على فراشها، دون أن يشعر بها أحد إلى أن انبعثت الروائح الكريهة من غرفتها.

أم أخرى، بحسب رواية حسين، قضت آخر أيام عمرها على قارعة الطريق، تجلس وحيدة، تسكب دموعاً على زمن مضى بعد أن تخلى عنها ابنها وزوجته، التي ملأت الغيرة قلبها، وصارت تحقد عليها ولا تطيق حتى وجودها في المنزل، وكانت تحرضه عليها.

تقول حسين: "عُثر على هذه الأم السبعينية على قارعة الطريق، قبل أن يحين موعد الإفطار بدقائق في شهر رمضان، بعد أن تخلى عنها ابنها وزوجته، رغم أن القصر الذي يقطنان فيه في حيدرة (أعالي العاصمة الجزائرية) ملك لها".

وتضيف: "بعدما رفض ابنها التكفل بها، أُجبرت على المكوث في دار العجزة (المسنين) حيث تقضي حالياً أيام شيخوختها رفقة مسنات أخريات، يقاسمنها نفس الألم والمعاناة".

وتُرجع الناشطة النسوية دليلة حسين أسباب تفشي هذه السلوكيات في المجتمع الجزائري إلى "التكتّم" الذي يلتزمه الآباء والأمهات في محاولة منهم لدرء الفضيحة، تقول: "المشرّع الجزائري سنّ مجموعة من التشريعات لحماية المسنات والمسنين، وضمان عيشهم داخل الوسط العائلي، متمتعين بكرامتهم ومكانتهم، كما أنه يحارب كل أشكال التخلي عنهم بعقوبات تصل أحياناً للسجن، خاصة في قضايا التعدي على الأصول التي أصبحت تغزو أروقة المحاكم الجزائرية".

وتستدل حسين بالمادة 77 من قانون الأسرة إذ تنص على أن نفقة الآباء المسنين الذين لا يملكون دخلاً أو دخلهم ضعيف واجبة على الأبناء، والأحكام الجزائية الواردة في المادة 32 من هذا القانون تنص على تطبيق عقوبات سالبة للحرية، مثل الحبس من ستة أشهر إلى ثمانية عشر شهراً في حالة تعريض المسن للخطر.

"إضافة إلى المادة 267 من قانون العقوبات فيما يخص الضرب، والجرح المتعمد، التي تنص على أنه كل من ضرب عمداً والديه الشرعيين، ولم يؤد ذلك إلى عجز عن العمل، يعاقب بالسجن من 5 إلى 10 سنوات، أما من تسبب ضربه لوالديه في بتر أحد الأعضاء فيعاقب من 10 إلى 20 سنة، أما إذا أدى الضرب إلى الوفاة دون قصد إحداثها فيعاقب الجاني بالسجن المؤبد".

عن تفعيل هذه القوانين، تقول حسين: "عادة، يتستر الآباء على أولادهم، ويتحملون الأذى خوفاً من الفضيحة وأحياناً حباً لهم".

وتضيف أن هذا السبب يدفعنا اليوم للتفكير في الوساطة الأسرية، وأن يضطلع بها المجتمع المدني حتى تحل الأمور بسلاسة دون اللجوء إلى المحاكم، من خلال الاستعانة ببرامج، ومبادرات، ومشاريع يشارك فيه متخصصون في الشريعة، وعلم النفس والاجتماع، والقانون، من أجل حل الإشكالات المعقدة.

"وضع المسنات معقد"

تصف الطبيبة النفسية هدى مخلوفي وضع المسنات بـ"المعقد" بسبب كثرة الأمراض التي تطاردهن جراء المشاكل الأسرية، خاصة ظاهرة العقوق، التي تفشت بشكل كبير في المجتمع الجزائري. وتقول لرصيف22: "إن أي اختلال في التوازن الهرموني، إضافة إلى تغير طبيعة النظام الغذائي، وإحساس المسنات بتراجع دورهن الاجتماعي يجعلهن عرضة لمختلف الأمراض، والقلق، والانفعالات النفسية، حتى مرض السرطان، بالأخص سرطان الثدي، الذي يتشكل نتيجة تراكمات الضغط النفسي الذي يولّد مادة هرمونية سلبية، إضافة إلى الأمراض الناتجة عن ضعف المناعة الذاتية".

"الكثير من المسنّات لا يتكيّفن مع مرحلة الستينات، ويلجأن إلى الأساليب اللاشعورية التي تؤثر على نفسيتهن، وتفقدهن متعة الحياة، ويكون تفكيرهن أقرب إلى الموت"

وتتابع: "الكثير من المسنات لا يتكيفن مع مرحلة الستينات، ويلجأن إلى الأساليب اللاشعورية التي تؤثر على نفسيتهن، وتفقدهن متعة الحياة، ويكون تفكيرهن أقرب إلى الموت، فبعضهن يفقدن دورهن الاجتماعي وحتى طاقتهن الإنتاجية".

وبحسب المعطيات المتوفرة في الميدان، تؤكد هدى أن قرابة 65 بالمائة من المسنات مصابات بمختلف الأمراض المزمنة، كأمراض القلب، والشرايين، والسكر، وارتفاع الضغط الدموي، وبعض الاضطرابات الانفعالية والعقلية، التي تتشكل نتيجة الحزن والأسى والوحدة، الناتجة عن الصراعات والحوادث والذكريات الماضية والمؤسفة.

من القصص الشائعة في عيادة هدى، قصة سيدة جزائرية في العقد السادس من عمرها، كان لها ماض حافل بـ"المآثر، والبطولات، والمواقف الحاسمة في حياتها العائلية" بسبب غياب زوجها، الذي كان يشتغل في أحد حقول النفط في جنوب البلاد، لكن لدى عودته أصبح الآمر الناهي، بينما هي لم يعد لها أي دور، "فوجودها من عدمه، وهو ما جعلها تصاب بأمراض نفسية حادة يستعصى علاجها في غالب الأحيان".

وعن لجوء المسنات إلى مراكز الشيخوخة ودور العجزة بسبب قلة العناية النفسية بهن، تقول هدى: "تنسحب معظمهن من الأنشطة الاجتماعية بسبب تناقص قدراتهن على العطاء، والتفاعل داخل النسق الاجتماعي، ولذلك نجد الكثيرات منهن وحيدات، ينتظرن النهاية والقضاء المحتوم".

وتشدد هدى مخلوفي على ضرورة حفظ كرامة المسن والمسنة، وتوفير جو أسري لرعايتهم، مما يمكنهم من تحقيق التوافق النفسي، وإشباع رغباتهم من خلال توطيد علاقتهم مع أقاربهم ودمجهم في المناسبات والأعياد، وعدم تركهم وحيدين يتصارعون مع الماضي والمستقبل في آن واحد، وكذلك إطلاق حملات توعية لطريقة التعامل العاطفي، وتهيئة أماكن لاستقبال المسنين والمسنات، وحثهم على القيام بنشاطات حتى يشعروا بقدراتهم الإنتاجية في المجتمع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard