"اِعمل خير بصوت هادي"... غرافيتي الجدران بديلاً من السوشال ميديا في الجزائر

السبت 30 يناير 202102:41 م

من مسميات الجزائر العاصمة أو التي تعرف باللهجة المحلية: "دزاير"، البهجة المحروسة أو الجزائر البيضاء. لكن يبدو اليوم أن رسومات "الغرافيتي" أو "الكتابات الحائطية"، التي صارت تغطي مساحات شاسعة من البنايات القديمة أو جهة من الجدران في الشوارع الكبرى بعد أن كانت مساحات بيضاء شاغرة، ستسقط هذه المسميات التي تعرف بها.

على جدران عمارة في عمق سوق "درقانة" في الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية (وهو سوق للملابس المستعملة والجديدة) جسدت جدارية كبيرة متعددة الألوان، الأحمر والأخضر والأبيض، التي ترمز إلى العلم الجزائري، وتتضمن الجدارية صورة للثائر البوليفاري أرنستو تشي غيفارا، الذي ينظر إليه جزائريون على أنه رمز للثورة على الظلم والاستبداد والاستعمار، إضافة إلى شعار نادي مولودية الجزائر الذي يلقب بـ "العميد" باعتباره "أول ناد جزائري" خرج من رحم الجزائر المستعمرة لمقاومة المستعمر الفرنسي في 7 آب/ أغسطس 1921.

غير بعيد عن هذه الجدارية، كتبت شعارات قصيرة على حائط أصفر كناري، صلب وعميق، باللون الأسود، كانت تصدح بها حناجر الجزائريين كل يوم منذ انطلاق الحراك الشعبي في 22 شباط/ فبراير 2019، صباح كل يوم جمعة بعد الصلاة حتى ساعات متأخرة من المساء، في مسيرات مليونية، تزينها الورود، وأعلام الوطن الغالي، والزغاريد، من بينها شعارا "الحرية" و "نادي الشعب"، اللذان كتبا بالحجم العريض.

المشاهد ذاتها تلتقطها، وأنت تتجول بين شارعي أحمد حماني وديدوش مراد الذي يتمدد بين كنيسة "القلب المقدس" ومبنى البريد المركزي، ويمر عبر مبنى الجامعة المركزية وساحة "موريس أودان".

قبل سنوات خلت، كنت أسلك شوارع ثانوية ضيقة، ومظلمة من أجل الوصول إلى عملي في إحدى العمارات العتيقة في حي "ميسوني"، لكن كل شيء تغير بعد حراك فبراير، بعد أن بعث جوه العام الأمل في نفوس الشباب لإعادة البهجة لهذه الأزقة، التي يعود تاريخها لمئات السنين.

"الشارع بدون حدود"

كتب مجموعة من الطلبة، من بينهم مهندسون معماريون، كتابات، وجسدوا جداريات ستظل شاهدة على "زمن الرفض والقطيعة" مع حكم الشيوخ، ومما كتب "الشعب هو السلطة"، وجسد أمامه صورة لامرأة عجوز ترتدي "الحايك" أو "الملحفة" كما يسمى في بعض المناطق، وهو عبارة عن لباس تقليدي عريق وجزء هام من ثقافة الجزائر.

الحيطان في الجزائر أو غيرها من المدن الكبرى، أصبحت تثير مشاكل مجتمعية ثقافية وسياسية وتجسد قصصاً عن الإنسانية، فلم يجد شباب جزائريون من وسيلة لرد الجميل للأطباء في خط الدفاع الأول لمواجهة كورونا، سوى جدارية عملاقة، في شارع حيوي في محافظة الجلفة (تبعد 300 كلم عن الجزائر العاصمة) لتكريمهم، ودعمهم في عز المحنة التي تمر بها البلاد.

"اِعمل الخير بصوت هادئ، فغداً يتحدث عملك بصوت مرتفع" كتب شاب جزائري جدارية تنعي "طبيب الغلابة"

واحتفالاً بالطبيب محمد مشالي، الذي غادر الحياة في تموز/ يوليو الماضي، وعرف بأنه "طبيب الغلابة والمساكين" بعد أن قضى عقوداً طويلة من عمره في خدمة الفقراء، وعلاجهم بأسعار منخفضة، رسم شباب في أحد شوارع محافظة، برج بوعريريج (مدينة جزائرية تقع إلى الشرق من العاصمة تبعد عنها حوالي 215 كلم)، جدارية للطبيب الراحل دوّن عليها عبارة بالحجم العريض: "كلما أعطيت بلا مقابل، كلما رزقت بلا توقع، اِعمل الخير بصوت هادئ، فغداً يتحدث عملك بصوت مرتفع".

بالنسبة لحمزة، شاب جزائري في العقد الثاني من عمره، صادفناه أمام مدخل العمارة، جالساً على مقعد خشبي متهالك القوائم، يتأرجح به بين الحين والآخر، وفي يده سيجارة، وفنجان قهوة، ويستمع إلى إحدى أغاني الفنان الجزائري العالمي، عبد الرؤوف دراجي، المعروف باسم "سلوكينغ"، فالجدران البيضاء أصبحت تمثل للشباب مساحة لتلخيص الأفكار، وتعليق الأصوات، وملجأ للانتقاد والتعبير عن الأحلام والآمال والطموحات، خاصة بالنسبة للذين ضاقت بهم السبل، وعجزوا عن تحقيق أهدافهم، ولذلك تُجسَّد يأسهم وعضبهم بعض رسومات "الغرافيتي" أو حتى الكتابات الحائطية باللونين الأبيض والأسود.

يقول حمزة: "الشارع أصبح منافساً قوياً لمواقع التواصل الاجتماعي لأنه معرض مفتوح للجميع، بدون حدود أو رقابة، حتى إن هذه الجداريات صارت محبذة من قبل المجتمع الجزائري بسبب البهجة التي تدخلها في قلوب العابرين".

"مكبوتات الشباب"

يرى الفنان التشكيلي الجزائري، رشيد منزر، أن "الجدران باتت تشكل مجالاً خصباً بالنسبة إلى الشباب، للتنفيس عما في قلوبهم، خاصة أن فضاءات التعبير مغلقة في وجوههم".

يقول منزر لرصيف22 إن هناك رسائل يريدون إيصالها دون اللجوء إلى قاعات العرض، كما أنها محاولة لإثبات الوجود، فالشاب الجزائري من خلال رسوماته يريد أن يقول "أنا هنا، أنا موجود".

"الكتابات الجدارية والرسومات تعبر عن مكبوتات الشباب، وتحاكي واقعهم وتعبر عن مشاكلهم الاجتماعية والاقتصادية والنفسية حتى أنها تمثل بالنسبة لأصحابها أداة من أدوات الراحة النفسية"، بحسب رأي الفنان التشكيلي الجزائري رشيد منزر.

"الشارع أصبح منافساً قوياً لمواقع التواصل الاجتماعي... حتى أن هذه الجداريات صارت محبذة من الجزائريين، بالنظر إلى السرور والبهجة التي تدخلها في قلوب العابرين"

وبالنسبة لمنذر فإن هذه الظاهرة شهدت انتشاراً واسعاً بعد انتفاضة الشعب ضد النظام السابق، فكل ما يجسد اليوم، هو وليد أزمات متراكمة في الذهن الجماعي، خاصة بالنسبة لفئة الشباب، التي استعانت بمختلف الوسائل للمطالبة بالتغيير.


ويرى الفنان التشكيلي الجزائري، سليم بوهالي أن تلك الجدران الصافية، التي استُهلك قطاع عريض منها في المدن الكبرى أصبحت وسيلة لمخاطبة الرأي العام المحلي، والتعبير عن مواقف وآراء وأفكار لم يعد من الممكن إيصالها عبر صالونات الفن التشكيلي، فالشارع أصبح المتنفس الحقيقي الذي لا يمكن تجاوزه إطلاقاً.

ويرجع الباحث الجامعي والمحلل السياسي الجزائري، مبروك كاهي، انتشار الغرافيتي وفنون الشارع إلى الحرب الباردة، يقول: "كانت البداية من جدار برلين، الذي كان يفصل العاصمة الألمانية، ثم انتقل إلى باقي دول العالم، ومنها الجزائر".

وعن بداية انتشارها، وتطورها في الجزائر، يوضح كاهي لرصيف22: "الرسومات الحائطية كانت قبل الحراك تعبيراً عن السخط الاجتماعي بسبب تفشي البطالة وأزمة السكن والهجرة غير الشرعية والفساد وغيرها، لكن لم يكن يوليها أحد أهمية، حتى الأجهزة الأمنية، لكن مع حراك فبراير اكتسحت هذه الرسومات الزخم التعبيري، وكانت رسائلها واضحة، وموجهة، وصناع القرار على اطلاع دائم عليها".

ويقول: "الرسومات الحائطية مع الحراك الشعبي اكتسحت الروح، وأصبحت حية، ناطقة، رغم أنها جامدة، فأحيانًا تتضمن الجدران أشكالاً، ورسومات غريبة، لا يفسرها إلا أصحابها، كلها تختزل معاناة الشباب، فيلجأون إلى تجسيدها بالأقلام والألوان بعدما خانتهم صالونات العرض".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard