بعد استقالة قياديين... هل يزلزل التطبيع مع إسرائيل بيت "العدالة والتنمية"؟

السبت 27 فبراير 202107:22 م

يعيش حزب العدالة والتنمية المغربي على وقع استقالات متتالية لأبرز قياداته السياسية، ما يثير تساؤلات حول إمكانية نشوب أزمة ثقة داخل صفوفه ومخاوف من انشقاقات.

ساعات بعد إعلان استقالة مَن يُحسب على خانة صقور الحزب، القيادي البارز في "العدالة والتنمية" مصطفى الرميد، من منصب وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، "لدوافع صحية"، حسب الرواية الرسمية، أعلن الرجل الثاني في الحزب إدريس الأزمي استقالته من رئاسة المجلس الوطني وعضوية الأمانة العامة للحزب، في 26 شباط/ فبراير.

خلاف الإخوة

الاستقالة التي قدّمها الأزمي، وحصل رصيف22 على نسخة منها، تضمنت اعترافاً صريحاً بنشوب أزمة داخلية في صفوف الحزب وببروز تناقضات أضحت تَظهر إلى العلن، خلافاً لمواقف الحزب التاريخية ومبادئه التنظيمية وأوراقه المرجعية التي لطالما ارتأت تصريف الاختلافات داخل بيت العدالة والتنمية.

يقول الأزمي في نص استقالته: "قررتُ أن أقدّم هذه الاستقالة لأنني وللأسف لم أعد أتحمل ولا أستوعب ولا أستطيع أن أفسر أو أستسيغ ما يجري داخل الحزب ولا أقدر أن أغيّره، وعليه لا يمكنني أن أسايره من هذا الموقع أو أكون شاهداً" على ما يقع فيه.

ويقرن كثيرون من متابعي الشأن السياسي المغربي هذه الاستقالات بالأزمة التي نشأت داخل الحزب الذي أذعن لقرار الدولة المغربية بالتطبيع مع إسرائيل رغم مواقفه التي لطالما رفضت التطبيع.

وكان الرميد قد أعلن بعد أسابيع قليلة من الإعلان عن التقارب مع إسرائيل، وبالضبط في مطلع شهر شباط/ فبراير الحالي أنه سيعتزل في بيته. وسربت حينها جرائد مقربة من العدالة والتنمية خبراً مفاده أنه يعيش أزمة نفسية، قبل أن ينزل خبر الاستقالة "لدوافع صحية" وإجرائه لعملية جراحية "للكلى"، يوم السابع والعشرين من شباط/ فبراير.

استقالة الرميد لن تصبح قانونية إلا بعد موافقة رئيس الحكومة عليها وإحالتها إلى الملك محمد السادس الذي له الحق في إعفاء الوزراء أو رفضه، بحسب الدستور المغربي.

ويُحمِّل الأزمي، وهو برلماني ووزير سابق عن حزب العدالة والتنمية، وضع الإحباط والفشل والسلبية السائدة في صفوف أعضاء الحزب إلى الحزب نفسه، رافضاً منطق التبرير عوض تحمل المسؤولية، كما يرفض التهوين من الآراء المخالفة والأصوات الناقدة داخل الحزب.

وسبق أن رفض عدة قياديين من العدالة والتنمية منطق تبرير القرارات الذي ينتهجه وزراء حاليون من العدالة والتنمية مثل تصريح وزير الطاقة والمعادن عزيز رباح حول عدم ممانعته لزيارة إسرائيل، بدعوى أنه "سيمثل المغرب وليس حزب العدالة والتنمية" الذي ينتمي إليه.

انحراف عن هوية الحزب

أعضاء الحزب وشبيبته لم يترددوا في الحديث عن "انحراف" القيادة عن الهوية المرجعية للحزب الإسلامي، مباشرة بعد توقيع رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، وهو الأمين العام للحزب، على قرار التطبيع مع إسرائيل.

في هذا السياق، كان النائب أبو زيد المقرئ الإدريسي، المعروف بمواقفه النقدية، قد قرر تجميد عضويته في الحزب منذ مطلع شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، احتجاجاً على ما أسماه "تدهور مواقف الحزب" وفقدانه لـ"بوصلته والأسس التي انطلق منها لإعادة بنائه قبل ربع قرن"، وتنديداً بمواقف الحزب "الفاجعة" حيال قضية فلسطين وقضية اللغة العربية وقضية مصداقية الحزب أمام الناخبين.

يعيش حزب العدالة والتنمية المغربي على وقع استقالات متتالية لأبرز قياداته السياسية، ما يثير تساؤلات حول إمكانية نشوب أزمة ثقة داخل صفوفه ومخاوف من انشقاقات

وحسب تصريح حصل عليه رصيف22 من مصادر من الأمانة العامة للحزب رفضت الكشف عن هويتها، فإن هذه الأخيرة لم تعقد اجتماعاً بعد لتدارس استقالة رئيس برلمان الحزب، الأزمي، معتبرة أن التداول في القرار من اختصاص المجلس الوطني، وهو الذي يبت فيه.

عضوة حزب العدالة والتنمية أمينة ماء العينين دعت مختلف مناضلي الحزب إلى مساعدة أجهزته على تجاوز الأزمة، لأنه بحسبها "يعيش مخاضاً يشبه تاريخه ورصيده وإرثه، وحتى لا يتحوّل إلى رقم صغير كباقي الأرقام" في المشهد الحزبي المغربي.

وجددت القيادية في دعوة نشرتها على حسابها على فيسبوك التأكيد على أن "انتقاد أبناء الحزب لبعض اختياراته وتعبيرهم عن الغضب يستحق الإنصات والجدية والاستباق مهما كانت حدة النقد وقسوته ما دام المحرك هو الغيرة على الحزب ومستقبله".

ملامح العجز عن مواجهة الأزمة من طرف قيادات الحزب تُرجعها النائبة إلى سوء التعامل مع المحطات التي تم فيها "دق ناقوس الخطر، غير أننا لم نحسن التعامل معها وفضلنا منطق تنفيس (الضغط) وإطفاء الحرائق والتعويل على الزمن بدل الإقناع والسعي إلى وحدة الحزب وجمع شتاته والإقرار بتعددية الآراء واختلاف وجهات النظر".

الشباب غاضبون

لقيت استقالة إدريس الأزمي، مباشرة بعد استقالة الرميد، تفاعلاً كبيراً، إذ بالرغم من تبرير الأخير طلب استقالته من عضوية رئاسة الحكومة بـ"حالته الصحية الحرجة التي دفعت إلى إجراء عملية جراحية"، لم يتردد بعض المعلقين في اعتبار استقالته موقفاً سياسياً، على بعد أشهر قليلة من الانتخابات البرلمانية، مرجحين فرضية "عدم الموافقة على المسار الذي بات الحزب ينتهجه".

يقرن كثيرون من متابعي الشأن السياسي المغربي الاستقالات من حزب العدالة والتنمية بالأزمة التي نشأت داخل الحزب الذي أذعن لقرار الدولة المغربية بالتطبيع مع إسرائيل رغم مواقفه التي لطالما رفضت التطبيع

وداخل الحزب، تبدو الأصوات الشابة هي الأكثر نقداً لمسار العدالة والتنمية. فقد طالب الكثير من شباب الحزب بعقد مؤتمر استثنائي "لتصحيح مساره، وإعادة توحيد مناضليه وإعطائه دفعة جديدة".

ولم تتفاعل قيادة الحزب مع وثيقة "النقد والتقييم"، التي قدّمها شباب الحزب منذ شهور قليلة، دفاعاً عن "استمرار مسار الإصلاح الداخلي وتقويته لمواجهة الفساد والاستبداد حتى لا يصبح حزباً مختطفاً"، كما يقول أنس الحيوني، عضو المجلس الوطني للحزب.

وفي مقابل ذلك، لم يتردد القيادي البارز في حزب الاستقلال عادل بنحمزة في وصف حزب العدالة والتنمية بـ"الحزب الكبير"، بالرغم مما يعيشه من مخاض.

وعلق بنحمزة على استقالات أعضاء الحزب بأنها خسارة، معتبراً أن "خسارة الأحزاب الكبيرة لا تعوَّض وهي ليست خسارة لأعضائه، بل هي خسارة للوطن ككل"، ومؤكداً على أنه وبالرغم من اختلافه مع تقديرات العدالة والتنمية، إلا أن "المعركة التي يجب أن تكون مشتركة هي المعركة المتعلقة بالقواعد الديمقراطية التي يمكن الاحتكام إليها لوحدها ليكون رأي الشعب هو الحكم الفاصل".

العواصف التي تعلو سماء الحزب لا تقتصر على التطبيع بل على خط سياسي ونقاشات مجتمعية لطالما ندد بها الحزب مثل تقنين استعمالات القنّب الهندي. فبعد طرح موضوع مصادقة الحكومة على مشروع تقنين استعمال نبتة القنب الهندي لأغراض طبية، اعتبر أعضاء الحزب المنتقدون للقيادة أن القانون "حلقة من حلقات التراجع والانبطاح السياسي"، وورقة جديدة سيتمُ "توظيفها واستغلالها في مسلسل إضعاف الحزب وتعميق التناقضات داخله وبينه وبين المجتمع".

في مقابل ذلك، دعت أصوات من داخل الحزب وشبيبته إلى عقد لقاءات لتدارس الموقف من تقنين زراعة نبتة القنب الهندي، واعتبر عضو المجلس الوطني للحزب حسن حمورو أنه "لا يمكن لوزراء الحزب بمَن فيهم رئيس الحكومة، أن يتحملوا لوحدهم عبء الموقف من قضية حارقة مثل هذه، وعلى مؤسسات الحزب أن تساهم انطلاقاً من مسؤولياتها في ترشيد النقاش والموقف من هذه القضية".

ومع سلسلة الاستقالات، يبدو المستقبل السياسي للحزب الأكبر في البرلمان المغربي، مجهولاً، ما يدفع قواعده إلى الدعوة إلى عدم التسليم بالواقعية السياسية وفتح نقاش داخلي جريء يعيد الثقة للمناضلين في قيادة الحزب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard