"كبت وقلة خبرة"... الزواج و"عُزّاب" ما بعد الثلاثين في مصر

الاثنين 1 مارس 202105:31 م

"لو أتأخر عن كدة مفيش واحدة هترضى به"، قالت أم صديقتي لصديقتي هذه الجملة أثناء حديثهما عن خطيبة أخيها التي تراها صديقتي غير مناسبة لعائلتهم.

وعندما سألت والدتها عن أسباب إصرارهم على إتمام هذه الزيجة، أجابت الأم بالجملة السابقة إذ ترى أن الابن الذي أتم عامه الثاني والثلاثين إذا لم يأخذ خطوة الزواج الآن، فلن يجد عروساً تقبل به زوجاً فيما بعد بسبب كبر سنه.

سألنا شباباً مصريين في العقد الثالث من عمرهم، عن أفكارهم ومشاعرهم حيال تلك المرحلة العمرية، وتطلعاتهم، وما إذا كان الزواج وتكوين أسرة يمثلان مثلما يمثلان لآبائهم وأمهاتهم، وعن تأخرهم في الارتباط إن كان الأمر يحتل مساحة كبيرة في تفكيرهم.

ضغط الأهل

"لا يزعجني أبي وأمي بخصوص موضوع الزواج كثيراً لكن مجرد أن تظهر فتاة في حياتي، يبدآن بالسؤال عنها لعلها عروس مناسبة".

هكذا بدأ كريم جلال (34 سنة)، مسؤول مبيعات في مكتبة حديثه لرصيف22، يتولى "الوصاية" في زواج كريم الدائرة الأوسع في عائلته الممتدة، مثل الخال والعمة، فدائماً يلقون على مسامعه جملة "إنت ليه متجوزتش لحد دلوقتي؟!".

ورغم اقتناعهم أن الرجل لا بد أن يكون "جاهزاً" مادياً، قبل الإقبال على الزواج، لكنهم في الوقت نفسه يصرون أن يتزوج، وهو ما زال غير مستقر مادياً.

يتحدث كريم عن الضغط الذي آلفه من عائلته: "إنهم يرون أن إتمام خطوة الزواج أهم من أي شيء آخر، فهم على استعداد لمساعدتي إذا كانت هذه الأزمة، وإن كانت العروس غير موجودة، فسيبحثون لي عن عروس".

"لا أتصور الجنس خارج الزواج أو الارتباط، ولا أرغب في الزواج من فتاة لمجرد شعور الاستلطاف تجاهها، أحتاج أن أشعر بالاطمئنان معها، اطمئنان يمكّنني من إظهار ضعفي أمامها"

يجمع الأهل على أن خطوة الزواج واجبة عاجلًا أم آجلاً، وتتشابه أسبابهم لهذا، فهم يرون أنها "سُنة الحياة"، كما قال كريم.

يلجأ الأهل إلى الابتزاز العاطفي لإقناع أبنائهم بفكرة الزواج، يقول محمد جمال سقراط (33 عاماً) مهندس كمبيوتر: "تُشعرني كلماتهم بتأنيب الضمير"، فبعد أن بلغ محمد الثلاثين من عمره، تُسمعه والدته كلمات "عابرة" على حد قوله، مثل "مش عايزة أموت قبل ما أشوف عيالك"، وهي نفسها الكلمات التي يواجهها إسلام أحمد (32 عاماً)، طبيب عظام من والدته، التي تقول له "نفسي أشوفك عريس. وأشيل عيالك".

التنمر والعلاقات السابقة

كريم ومحمد وإسلام، رغم اختلاف مهنهم، وتقدير الأهل والأصدقاء كثيراً للزواج، وربطهم عدم الزواج بالفقر، إضافة إلى محافظتهم الأخلاقية والدينية في ممارسة الجنس خارج إطار الزواج، فإن هناك أسباباً كثيرة تجعل الشباب قد يصلون إلى سن الثلاثين دون أن يتزوجوا.

وتختلف هذه الأسباب باختلاف شخصياتهم وظروفهم المادية والاجتماعية، فقال ميشيل منير (اسم مستعار)، يسكن في الإسكندرية، وهو موظف في بنك: "لدي ظروف مادية تمنعني الآن من الزواج، كما أنني حتى الآن لم أجد شخصاً مناسباً أكون على يقين أننا سنكمل سوياً".

"خطيبتي السابقة قالت لي ربنا يرزقك بواحدة تحبها، قالتها وهي لا تبالي"، قال إسلام.

مر إسلام بقصة ارتباط استمرت 11 عاماً سببت له رواسب نفسية، يقول لرصيف22: "كانت غيورة جداً، وعندما اقترب موعد الفرح زادت الخلافات، وكانت ترفض التحدث لحل الخلافات، فقررتُ الانفصال".

مثل غيره، واجه إسلام ضغطاً نفسياً أثناء تركه لخطيبته وبعده، قال: "كان عندي مشكلة إني أبدأ كل حاجة من الأول مع حد تاني، وكنت دايماً بفكر وأقول أنا كنت مربيها على أيدي، عمرنا كله سوى".

وأضاف: "ظللت مدة طويلة أرفض فكرة الارتباط رغم إلحاح الأهل، وفي المرة الذي تحدد فيها ميعاد لمقابلة عروس رشحتها لي زوجة أخي، بقيت متوتراً قبل المقابلة، ولم أشعر بالارتياح إلا عندما ألغي الميعاد، فالزواج بهذه الطريقة مرفوض بالنسبة إليَّ".

أمر طبيعي أن يختار الرجل ألا يتزوج إلا عندما يحقق ذاته، ويشعر بالإنجاز تماماً، كما يرى محمد جمال عن أسباب تأجيله للزواج إلى الآن، يقول: "لم أصل إلى الإنجاز المرجو الذي أشعر من خلاله بتحقيق ذاتي".

"أنتظر أيضاً أن تسمح البيئة من حولي بإنجاب طفل لا أخشى فقدانه في مجتمع لا يتمتع كثيرًا بحرية الرأي".

لدى محمد جوانب أخرى من حياته تجعله يؤجل هذه الخطوة، يقول: "الجانب المادي ليس الأفضل، أريد أن تكون حياتي المادية مستقرة بعد الزواج؛ فإذا أنعم الله علينا بطفل لا بد أن يكون لدي ما أقدمه له حتى ينشأ نشأة هنيئة". ويتابع: "ربما أنتظر أيضاً أن تسمح البيئة من حولي بإنجاب طفل لا أخشى فقدانه في مجتمع لا يتمتع كثيرًا بحرية الرأي".

قد يسبب التنمر في الصغر أزمة لدينا حتى نكبر مما قد يؤثر على تفكيرنا، وقراراتنا، عن هذا قال محمد: "أعاني منذ الصغر من التنمر على شكلي، من هنا كان يهيأ لي أن ليس هنالك من فتاة جميلة قد ترغب في الارتباط بي، وهذا ما كنت أبحث عنه، فتاة جميلة تُحبني، وقد حدث وأحببت فتاة جميلة لكن الحب كان من طرف واحد، فهي لم تنجذب إليَّ مما رسخ لدي الفكرة أكثر وقتها، لكن مع مرور الوقت تلاشت الفكرة بداخلي".

يوجد داخل محمد تصور إذا تحقق قد تسقط أمامه جميع أسباب رفضه للزواج، يقول: "أنتظر أن تأتي الفتاة التي أحبها، فتأخذ روحي وقلبي، وأشعر أنني لن أكمل حياتي إلا معها، أما دون ذلك فلن أتزوج بلا حب".

الاحتياجات والشعور بالوحدة

"كلهم اتجوزوا، أنا شيلتي كبيرة قوي، محدش بقى موجود" قال منصور (اسم مستعار) صحفي (35 عاماً) تعليقًا على شعوره بالوحدة، وأضاف: "كل اللي بفكر فيه أن أصدقائي كلهم اتجوزوا، وهل هيكون معيار سليم للجواز أني أتجوز عشان أتخلص من الوحدة؟".

"البشر كائنات اجتماعية لا تستطيع العيش بمفردها" هكذا عبر كريم عن أسباب احتياجه للزواج، وقال أيضاً: "أحتاج إلى وجود شخص يعطي معنى لكل شيء أفعله، يشاركني كل كبيرة وصغيرة، فهذا الشخص سيكون منطقة الأمان لي".

"مشكلات الرجال الذين تزوجوا بعد الثلاثين الزوجية عديدة، أهمها المشكلة الجنسية، التي تظهر في صورة العصبية، والصوت المرتفع بسبب خلافات  تافهة"

ومن المنطلق نفسه، يقول إسلام، مستحضراً التفاصيل العائلية التي نشأ فيها: "أريد أن أعود إلى البيت متلهفاً، لأن هناك إنساناً ينتظر عودتي، إنساناً يمكنني التحدث معه، فقد أبقى أغلب الوقت وحيداً بسبب سفر الأهل".

وأضاف: "حكاية ارتباطي السابقة جعلتني أهتم بأمرين في شريكة حياتي المستقبلية، الأول البيت الذي تربت فيه، والثاني ألا تكون قاسية القلب، فنحن أيضاً نحتاج إلى الحنان مثل النساء تماماً".

وعن هذا أيضاً، يقول ميشيل: "لا أرغب في الزواج من فتاة لمجرد شعور الاستلطاف تجاهها فهذا ليس كافياً لاتخاذ خطوة الزواج، احتاج أن أشعر بالاطمئنان معها، اطمئنان يمكّنني من إظهار ضعفي أمامها".

وأكمل: "قبل اتخاذ هذه الخطوة لا بد أن أتعرف عليها جيدًا، وأعرف هل تركيبات شخصياتنا المختلفة ستسمح بدخول الملل إلى حياتنا أم لا".

علاقات خارج الزواج

ما زال لدى الطبقة المتوسطة في مصر تحفظات على العلاقات الحميمية خارج إطار الزواج، وعن هذا الأمر يقول ميشيل لرصيف22: "الزواج لدينا كما هو معروف لا يحتمل الرجوع عنه، فليس لدينا طلاق في الديانة المسيحية، لذا لا بد من أن أكون على يقين بهذه الخطوة، ولو أنه متاح أن أعيش معها دون زواج في بيت واحد للتأكد من ذلك لفعلت. ولكن هل يقبل الأهل والمجتمع هذا؟ أو هل يقبلان بزواج مدني يمكّننا من العدول عن هذه الخطوة في أي لحظة؟".

لكريم وجهة نظر مختلفة بعض الشيء عن ميشيل، يقول: "رغم أنني على اقتناع أن عدم إشباع الرغبات الجنسية قد يكون سبباً في الإطاحة ببعض الأخلاقيات التي يتبناها الإنسان، لا أحب إشباع رغباتي خارج إطار الزواج، ورأيي هذا ليس له علاقة برفض الدين للممارسات الجنسية في خارج إطار الزواج، وإنما هنالك أسباب أخرى".

"أن يكون هناك اتفاق ضمني بيني وبين شريكتي على أننا سنكمل معاً حتى آخر نفَس".

يرى كريم أنه لا يمكنه إقامة علاقة جنسية مع فتاة لـ"مجرد إشباع رغباته"، وفي رأيه أنه لا بد من توافر المشاعر، وحتى لو توافرت المشاعر لن يفعل ذلك في غير إطار الزواج إلا في حالة واحدة، "بعيداً عما يقره الدين، أن يكون هناك اتفاق ضمني بيني وبين شريكتي على أننا سنكمل معاً حتى آخر نفَس لدينا أو حتى تنتهي علاقة لم نكن نرغب في إنهائها".

للإخصائية شيماء العيسوي رأي آخر بخصوص تأخر العلاقات العاطفية والجنسية الكاملة بعد سن الثلاثين، تقول لرصيف22: "لتأخر ممارسة الجنس تأثير بيولوجي على الرجل، لأن أول تواصل جنسي له يكون بعد سن البلوغ بحوالى 15 سنة على الأقل، وخلال هذه الفترة يعوض احتياجه بممارسة العادة السرية أو غيرها من الطرق التي قد تؤثر على علاقته بأول سيدة في حياته".

وأضافت: "لدى الأزواج الذين يترددون عليَّ في العيادة لتلقي الإرشاد الزوجي مشكلات ظاهرية، ومع الاستماع إليهم يظهر السبب الرئيسي لمشكلاتهم، وأهمها المشكلة الجنسية التي تظهر في صورة العصبية والصوت المرتفع بسبب خلافات أخرى تافهة".

وردّت العيسوي المشكلات الجنسية لمن تزوج بعد الثلاثين إلى "الكبت وقلة الخبرة في ممارسة الجنس المرتبط مفهوم أدائه الجيد في مجتمعنا بالفحولة، فعندما يمارس الرجل الجنس يرغب في إثبات رجولته "بغشومية" مما يعطى نتائج سلبية عكس ما يتوقعه، فيسبب الأذى لشريكته".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard