الصوم المريميّ... العودة إلى صمت

الصوم المريميّ... العودة إلى صمت "الرحم" في عالم "المصنع"

رأي نحن والتنوّع

السبت 28 فبراير 20268 دقائق للقراءة

صمتت السيّدة مريم العذراء أمام المقدّس. نذرت صومها للرحمن، لأنّها بحملها دخلت إلى منطقة الـ"لامعقول". اللالغويّ. وجاء أمر الله لها بهذا الصيام كإدخال للصمت إلى دائرة الممكن. يحقّ للبشر أن يدخلوا إلى الصمت حين لا يجدون بين أيديهم لغةً تفي.

الصمت أصيل في الإنسان، ولا أظنّه احتاج إلى أن يصمت حين كان لا يزال في أصالته قابعاً ومرتاحاً، فلطالما كانت في حياته مساحات شاسعة للعزلة والتأمّل والصمت.

أمّا إنسان اليوم، فيحيا في أزمة الثرثرة الوجوديّة. هو عاجز ليس فقط عن الصمت، بل يحيا تحت ضغط أنّه يتلقّى ثرثرةً طوال الوقت. يجلس أمام شاشة لا تكفّ عن البثّ، والشاشة أمام مدمن على التلقّي.

ليس في هذا حكماً على "الشكل ما بعد الحداثويّ" للحياة، بل مجرّد سؤال على سبيل البحث عن فسحة للراحة. مساحة لإيقاف اللهاث والتنفّس بانسجام مع إيقاعنا الأصيل.

هو ربّما سؤال على سبيل إعادة الصمت إلى قيمته، فقد غدا بلا قيمة لأنّه يقف "خارج عالم الربح والمنفعة، لا يمكن استغلاله من أجل الربح، لا يمكنك أن تحصل على أيّ شيء منه. إنّه غير منتج"، على ما يذكر الكاتب الألماني السويسري ماكس بيكارد، في كتابه "عالم الصمت".

العودة إلى السكوت لجوء إلى المساحة الوحيدة الحرّة من استعمار الأنظمة الإنتاجيّة.

إعادة الصمت إلى المألوف القابل للسكن

يصبح الصمت في حالة مريم شرطاً أنطولوجيّاً لولادة "كلمة الله". إنّه "نذر". التزام برعاية وتفريغ المساحة الداخليّة للاستقبال. استقبال الإضافة، إذ كيف يصير كشف الكلمة ممكناً في حال الإشباع الكلاميّ؟ صمت الأنوثة المريميّة بمثابة الرحم الحاضن، لا الكاشف للحقيقة العيسويّة. وكأنّ هذا الصمت درع حمائيّ من الانكشاف قبل الأوان. هو المقدّمة -الوجوديّة لا الزمنيّة- للانكشاف الصاخب الأصيل بكلام عيسى في المهد، أي بانكشاف الحقيقة بعد نضوجها، بتجلّيها من غير افتعال: "إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيّاً" (الآية 30 من سورة مريم).

لماذا يموت الكلام الذي لم يختمر بالصمت في عصر التريند، فيما تعيش الكلمة المريميّة حتى اليوم، بسكونٍ صار في عداد المشتهى؟ وهل نملك الشجاعة الكافية، نحن أبناء اليوم، لننذر صوماً لرحماننا؟

يذكّرني هذا بقول الجُنيد حين صلب الحلّاج: "لقد باح بالسرّ". وكأنّ ثمن البوح في غير أوانه كان موت الحلّاج. في حالة الحلّاج كان الموت هو الرسالة الحيّة. وفي حالة مريم، كانت الحياة هي الرسالة الممتدّ أثرها إلى اليوم.

لندخل إلى رحلة الانكشاف عن طريق الصمت التي تُدخلنا إليها الآية: "فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً" (سورة مريم الآية 26).

الدعوة إلى الأكل والشرب هنا دعوة إلى التجذير. دعوة إلى العودة إلى الجسد. فالجسد وعاء التجلّي الإلهي. قام الله بفعل التجلّي عن طريق الجسد المريميّ وهو القادر على خلق الشيء من العدم. هي رسالة قرب ورحمة ومحبّة. رسالة تدعو إلى الاتّزان بين المادي والروحي. يلوح لي في الأفق قول هايدغر إنّ الوجود ليس فكرةً، بل انغراس في العالم In-der-Welt-sein. فعل الصمت لا يكتمل إلّا بالركون إلى سكون الجسد.

يفسّر محي الدين بن عربي الأكل على أنّه تناول "رطب الحقائق والمعارف الإلهيّة..."، الآتية من "فوق"، والشرب على أنّه الاستقاء من "ماء العلم الطبيعي وبدائع الصنع..." من "تحت" (محي الدين بن عربي في "تفسير القرآن الكريم").

الغذاء الضروريّ في حضرة التجلّي إذاً هو غذاء مستمَدّ من العالم السماويّ والأرضيّ في آن معاً. الأكل والشرب شرطا تثبيت الجسد في العالم وتحويله من حقل خوف إلى مسكنٍ آمن للحقيقة، إلى استقرار في العلاقة مع العالم قبل النطق. "قرّي عيناً" دعوة إلى الوصول إلى الراحة الثابتة والساكنة في التعامل مع "الكمال، والولد المبارك، الموجود بالقدرة، الموهوب بالعناية" وفق المرجع السابق نفسه.

تدعو الآية مريم: "فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي"، إلى أن تقف مع الوحي أمام "منظومة التوقّعات" البشريّة التي تطلب التفسير والتبرير والشرح في غير أوانه. منظومة "أهل الظاهر" بحسب قول ابن عربي. "قولي" الحدّ الأدنى من الإعلان: "إنّي نذرت للرحمن صوماً"، أي انطقي فقط بما يضمن لكِ صمتاً سالماً، و"لا تكلّميهم في أمركِ شيئاً، ولا تماديهم في ما لا يمكنهم قبوله، حتّى ينطق هو بحاله".

النذر هنا ليس امتثالاً للأمر فقط، بل فهم للصمت، وإيمان بضرورته، فأن أنذر شيئاً يعني أن أوجبه على نفسي من غير أن يكون واجباً في أصله. وتوجيه النذر إلى صفة "الرحمن" الإلهيّة توجيه إلى الاحتضان واللطف اللذين تحتاجهما مريم في حالتها هذه. فالرحمن (على وزن فعلان) تحمل فيض رحمة، امتلاءً بها. وكأنّ تحقّق الصيام المريميّ هو عهدٌ ضمنيّ بينها وبين الحقيقة الكلّيّة نابع من شهودها التامّ للرحمة الإلهيّة الفائضة.

الصوم المريميّ كفعل مقاومة

يقول بيكارد في كتابه السابق الذكر: "يشير الصمت (...) إلى حالة حيث وجود واحد يكون صادقاً: الوضع الإلهيّ. علامة المقدّس في الأشياء تكون محفوظةً من خلال ارتباطها بعالم الصمت". هذا الوضع الإلهيّ هو قوام الوجود الإنسانيّ. فالصمت بحسب هايدغر ليس نقيض الكلام بل أحد إمكاناته الأصيلة. وأظنّ أنّ غيابه التامّ في بنية حياتنا اليوميّة الحاليّة هو انسحاب تامّ من وضعيّة التلقّي الحرّ إلى التلقّي الممنهج.

مطالبة الشاشات لنا بالكلام الدائم، مطالبة بإخماد "أنثويّة" الإبداع على حساب "ذكريّة" الإنتاج. مطالبة بفتح "المصنع"، على حساب إغلاق "الرحم"، فيما يبرمج الأنثويّ على التلقّي غير الحرّ

لا مساحة لنا اليوم لتخمير المعرفة. نحن نشهد ذكاءً اصطناعيّاً يسهّل علينا ربط المعارف وتحليلها، فيما يحرمنا لذّة السكينة المتأتّية من النتائج الجوّانيّة التي تصير جزءاً لا يتجزأ من حقيقتنا المعيشة، لا مجرّد كلام منطوق.

نحيا في فرط تفكير، وقلق مستمرّ، واضطرابات هائلة في التركيز، وفقدان اتّصال بالداخل، واختلال في القدرة على التمييز بين صوت الحدس والوهم. وليس قولنا لمعاناتنا إلّا محاولة لتشخيص حاجتنا إلى الصمت. إلى اللجوء إلى الصيام المريميّ من أجل الخلاص. الصمت هنا. قابع في الآن. ليس خاصّيّةَ نفقدها. كلّ ما قد يحصل هو أنّنا نفقد اتّصالنا بها. فـ"عندما تتوقف اللغة، يبدأ الصمت.

لكنّه لا يبدأ لأنّ اللغة تتوقف. غياب اللغة يجعل وجود الصمت ببساطة أكثر وضوحاً"، حسب بيكارد الذي يضيف: "إنّها اللغة وليس الصمت التي تجعل الإنسان إنسانيّاً... لكن تصبح اللغة هزيلةً إذا فقدت صلتها مع الصمت". ومن غير الممكن تحقّق "السلام الداخليّ" الذي تتحدّث له الموجة المتمثّلة في مدرّبي الحياة ومعلّمي التأمّل إلا بالصمت. ونعني بالصمت هنا، ما يعنيه ابن عربي: "ترك كلام الناس، والانشغال بذكر القلب... فإنّ القلب لا يتّسع للحديث والذكر معاً...".

أن ينجب الإنسان المعاصر "كلمته"، فعل لا يكون إلا بالصيام. بتفريغ المساحات الداخليّة لمعرفة الذات وإعادة تعريف علاقتها بالعالم. لتمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود في فجر الوضوح. افتعال الصمت هو إصرار على تمييز "من أنا؟" عن "من هم؟"، أو "من تفرض عليّ الثقافة أن أكون". إذ كيف أعيش بانسجام مع فردانيّتي؟ بماذا خصّني هذا الكون من مواهب أو مشاعر أو حتى أهداف؟ كيف بإمكاني أن أكون أفضل نسخة من ذاتي، لا من الذات الرقميّة التي يتمّ تلقيني عنها من لحظة فتحي لعينيّ صباحاً، حتّى لحظة نومي؟

مطالبة الشاشات لنا بالكلام الدائم، مطالبة بإخماد "أنثويّة" الإبداع على حساب "ذكريّة" الإنتاج. مطالبة بفتح "المصنع"، على حساب إغلاق "الرحم"، فيما يبرمج الأنثويّ على التلقّي غير الحرّ. ويُلَقّنُ المعنى من غير أن يتسنّى له الوقت بالوصول إليه ذاتيّاً.

في عصر التريند، يموت الكلام الذي لم يختمر في الصمت، فيما تعيش الكلمة المريميّة حتى اليوم، بسكونٍ صار في عداد المشتهى... فهل نملك الشجاعة الكافية، نحن أبناء اليوم، لننذر صوماً لرحماننا؟ وهل نمتلك الصبر الكافي لانتظار كلمتنا الحقيقيّة؟


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard
Popup Image