منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، بدأت حالة لافتة في الشرق الأوسط عنوانها مقتل الزعماء أو الحُكام بطريقة "غير تقليدية"، وليس كما كان دارجاً خلال القرن العشرين؛ مثل أن تتمّ تصفية الحاكم عقب انقلاب من الجيش، أو من المعارضة، أو من فصيل إرهابي، أو حتى من فرد أخذ على عاتقه تخليص الشعب من حاكمه.
أما الآن، فنهاية الحاكم والزعيم لم تعُد حدثاً داخلياً يقع داخل الحدود السياسية من قِبل من يسكنون البلد، إذ صارت حدثاً عالمياً يُنفّذ ويُبثّ على الهواء مباشرةً، كنتيجة لتغيير في موازين القوى على مستوى الإقليم أو على مستوى العالم، وكبرهان أيضاً على التحوّل المطّرد في شكل القوة ذاتها، واكتسابها وسائل ومقومات جديدةً، وحاجتها إلى الإعلان عن نفسها عبر وسيلة جديدة أيضاً للقتل.
هل إعادة تشكيل إيران بما يخدم هذه المنظومة العالمية الجديدة يقتضي التخلّص من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي كعقبة، كما حصل مع بداية هذه الجولة من الحرب؟ بالتأكيد لا
في بداية هذا القرن، تحديداً في نهاية كانون الأول/ ديسمبر من عام 2006، أُعدِم الرئيس العراقي صدام حسين شنقاً في بغداد، العاصمة التي لطالما عدّها سنده وحاضنته الشعبية وبيئته الآمنة. جرى هذا الإعدام بعد غزو عسكري قامت به الولايات المتحدة الأمريكية وأسقطت عبره النظام القائم، ثم اعتقلت رأسه، وقامت بمحاكمته في محكمة صورية شكّلتها وفرضتها سلطة المنتصر وأشرفت عليها. نُفّذ حكم الإعدام في أول أيام عيد الأضحى، وسُرّبت لحظة الشنق بطريقة تبدو وكأنها غير مقصودة، لكنها مشحونة طائفياً إلى أقصى حد ممكن.
طريقة الإعدام هذه لم تكن حالةً سياسيةً فوضويةً خارجةً عن السياق، خصوصاً بالنظر إلى الاحتجاجات العربية والعالمية عليها، الشعبية منها والحكومية، وإنما حالة مدروسة بعناية، أُلبست ثوباً "قانونياً" من خلال محكمة وجلسات واتهام ودفاع، وتمّ تأطيرها بخطاب العدالة. والعدالة هنا لا يُقصد بها القانون الدولي وأسسه ومعاييره، بل العدالة الداخلية التي تخصّ ضحايا صدّام حسين أنفسهم الذين يطالبون بتنفيذها.
لماذا كان كلّ ذلك مدروساً؟ من أجل تمرير رسالتين مهمتين: واحدة داخلية موجَّهة للعراقيين تقول بإعادة بناء الدولة والنظام السياسي على أسس طائفية جديدة مختلفة عمّا مضى، وأخرى خارجية موجَّهة للأصدقاء والخصوم تقول إنّ القوة الأمريكية، بعد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، تعطي لنفسها الحق بتصنيف الأنظمة ومحاربتها وإسقاطها بالقوة. أي باختصار: هذه هي القوة الجديدة وهذا هو أسلوبها من الآن فصاعداً.
كان ذلك في بداية القرن، أي قبل عصر التكنولوجيا، وفي بيئة كان فيها احتلال عاصمة يشي بالقدرة على إعادة تشكيل الدولة بأكملها وربما المحيط وتشابك علاقاته. في ذلك الوقت، كانت الدبابة عنصراً أساسياً "يقود من الأمام" لتنفيذ المهمة. لكن ما بعد تنفيذ المهمة، خرج الوضع برمته عن السيطرة بطريقة ما، وبدأ تكبيد الخسائر للمنتصر، وما تبع ذلك من فوضى ثم خروج. هذه الفوضى، وإن لم تكن مقصودةً تماماً، إلا أنها كانت ملهمةً للمرحلة اللاحقة من الربيع العربي.
"الفوضى الخلَّاقة" هي سمة العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، والتي كان أحد أهم ضحاياها النموذجيين، أي النماذج الصالحة لأن تكون مثالاً يُدرَّس، الزعيم الليبي معمر القذافي. اتسمت هذه المرحلة بأسلوب "القيادة من الخلف"، والتي تعني عدم المشاركة المباشرة في القتال من أجل تقليل الخسائر، والاستعاضة عن ذلك بدعم خصوم محليين للنظام، سواء بضربات جوية محدودة أو بدعم تقني أو بإعلام موجّه ينطق باسم ثورة مسلَّحة في الداخل.
عصر "الفوضى الخلاقة" هذا أنتج لنا حالة إعدام ميداني في منتهى البشاعة والفوضوية؛ هروب الزعيم من مدينة إلى أخرى، اختباء في أنبوب صرف صحي، قتل في الشارع، خنجر في المؤخرة ودماء على الوجه، والأكثر بلاغةً من هذه المشاهد هو أنها بُثّت عبر كاميرا الموبايل من أكثر من زاوية يتمركز فيها شابّ لا يُدرك تماماً ما يفعل، لكنه يصرخ ويقوم بالتصوير.
في العراق، بقيت الدولة قائمةً شكلياً، وإن أعيد ترتيبها بشكل قسري تحت إشراف الغازي المحتل، بينما انهارت البنية المركزية للدولة في ليبيا دون احتلال، بل بأيدي أبنائها. في العراق، الحوار الداخلي بين مكونات الشعب الواحد وطوائفه هو ما يتم التعويل عليه للنهوض بالبلد، أما في ليبيا، فالقوى الإقليمية والدولية هي من تقوم بهذه المهمة دون نتائج تُذكر على مدار أكثر من عقد.
انتهى عصر "الفوضى الخلاقة" أو استنفذ وظيفته ومهامه، إن صح التعبير، وتوسّعت الدائرة مجدداً. لقد توسّعت قبل ذلك من مساحة فعل محصورة في دولة كالعراق، إلى مساحة شملت دول الشرق الأوسط جميعها تقريباً. أما الآن، فقد توسّعت لتشمل العالم برمّته.
والعالم برمّته في أيامنا هذه يعيش عصر الممرات التجارية ويكره الحدود السياسية والسيادات القديمة. هذا العالم لا تعنيه الوظائف القديمة والكلاسيكية لمؤسسة الدولة، ويعيد تعريفها بما يقدّمه موقعها من الممرات وخطوط التجارة، وانخراطها من عدمه في التنمية. التنافس فيه تعدّى نفط العراق وليبيا إلى خرائط أشمل وأعمّ، أي إلى تنافس تقوده التكنولوجيا وتحرسه الجيوش.
هذه الجيوش، وتحديداً الحديثة منها، لم تعُد تركن إلى عدد جنودها ودباباتها، ولا إلى شجاعة مقاتليها وانتمائهم إلى فكرة أيديولوجية أو قومية يدافعون عنها، بل إلى الذكاء الصناعي، وأنظمة الاستشعار عن بعد، وسلاسل الإمداد الرقمي، والفضاء السيبراني... إلخ. مفاهيم جديدة لا يستطيع هضمها، أو التعامل معها، أو مواجهة قوتها وكفاءتها لا فصيل مسلّح ولا تشكيل أيديولوجي منضبط ولا حتى جيش نظامي تقليدي.
ما يعنيني هنا هو قتل خامنئي، كنتيجة لهذه القوة الغاشمة المعتمدة على دقة المعلومة، وإعلان هذه القوة عن نفسها بهذه الطريقة، سواء كانت إسرائيلية أو أمريكية، فالمواصفات واحدة على أيّ حال
قوة غاشمة تزيح من طريقها كل من يعترض أو يضع شروطاً، وتسحقه دون رحمة. لكن السؤال الذي يبحث عن إجابة هو: هل إعادة تشكيل إيران بما يخدم هذه المنظومة العالمية الجديدة يقتضي التخلّص من المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي كعقبة، كما حصل مع بداية هذه الجولة من الحرب؟ بالتأكيد لا، فهناك عشرات البدائل التي يمكن للصَبور أو للأخلاقي أن يعمل لتحقيق هدفه من خلالها، لكن تحالفاً يضم نتنياهو وترامب هو أبعد ما يكون عن صفات من هذا النوع.
نتنياهو يعرف تماماً أنّ إعادة تشكيل إسرائيل، أو على الأقل إعادة تعريف وظيفتها، هي الهدف القادم لاستقرار الممرات، وهو يهرب من ذلك نحو حرب لا تنتهي إلا بتكريس دولته كقوة مقرّرة وحيدة في المنطقة. أما ترامب، فللأمانة لا أعرف، كغيري من كُتّاب كثر ومحللين، أنّ أتوصل إلى ما يريده أو إلى موقعه من الإعراب، وأعلن عجزي تماماً عن الخوض في غايته من هذه الحرب، وأترك الأمر لغيري ممن يعرفون.
ما يعنيني هنا هو قتل خامنئي، كنتيجة لهذه القوة الغاشمة المعتمدة على دقة المعلومة، وإعلان هذه القوة عن نفسها بهذه الطريقة، سواء كانت إسرائيلية أو أمريكية، فالمواصفات واحدة على أي حال. وعلينا أن ننتبه هنا إلى أنّ بثّ القتل لم يكن عبر كاميرا ثابتة كما كان أيام عصر الدبابة والقيادة من الأمام، ولا بكاميرات كثيرة لموبايلات رخيصة زمن الفوضى والقيادة من الخلف، بل يتمّ عبر الأقمار الصناعية ليحدّد لنا أنّ القيادة تتمّ من فوق.
أما سؤال: ما ستكون عليه إيران بعد هذه التصفية لقائدها؟ وهو هنا ليس حاكماً دنيوياً كسابقيه، بل يشكل رمزاً روحياً لطائفة كبيرة وزعيماً دينياً وسياسياً لبلد كبيرـ فهو سؤال مفتوح على احتمالات ليس أقلّها تعقيد المشهد أكثر بكثير مما كان معقّداً، واستمرار هذه الحرب لفترة لا يتوقعها أحد.
رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.
لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.
