"نعيش في مرحلة اجتماعية حرجة"... محاولات شبان وفتيات لكسر حاجز الجنس

الاثنين 10 أغسطس 202005:32 م

تهاوت في سبعينيات القرن المنصرم الأحلام اليسارية الكبرى، والأفكار التحررية، والطابع العلماني الذي كان يصبغ العديد من مجتمعاتنا العربية، وبرزت نساء منقبات، ومحجبات، ولحى شباب جهادي ومتشدد، حيث عادوا بالمجتمع قروناً إلى الخلف، ولكن في 25 يناير 2011 هبّت رياحا، لتمنح هذا الجيل المكبل لسنوات أملاً في التغيير، لكنّه ظلّ معقوداً على مجتمع اكتست ثقافته حجاباً وعمامة.

ويظل الحاجز الجنسي عائقا كبيرا، يصعب على العديد من أبناء "جيل يناير" في مصر تجاوزه، على الرغم من تخطي البعض لحواجز ثقافية واجتماعية أخرى.

"إحساسي بالذنب يقتلني"

 "في الماضي، لم أكن أتخيّل أنّ رجلاً يمكن أن يحب امرأة مارس معها الجنس خارج إطار الزواج، حتى جئت إلى القاهرة بعد قيام ثورة يناير، وكنت جزءاً من الحراك، حيث كانت أولى "معاركي" العاطفية، والتي لم أكن أتخيّل يوماً أن أمارسها خارج إطار الزواج. لكنّه حدث وكاد شعوري بالذنب يقتلني، حتى وجدت شريكات في السكن يعشن نفس التجربة، بعضهن يشعرن بالذنب مثلي، وأخريات كنّ متحررات من هذه الأعباء"، تحكي مي فتحي (34 عاماً)، مترجمة من محافظة الغربية.

لم تعد فتحي تعتبر ممارسة الجنس خارج إطار الزواج جرماً، لكنّها تؤمن أن جسدها هي أصبح مكبلاً ضد العلاقات، بعدما اكتشفت أنّ شريكها السابق باعها أوهاماً باسم الحرية، لكنه "لم يخرج من جلباب أبيه يوماً".

وترى فتحي أن توجّس النساء من إقامة علاقات صحية حتى في إطار منظومة الزواج، يرجع لكون الرجال غير صادقين، بحسب قولها، فالرجال في مصر، كما اختبرتهم هي وشريكات سكنها "مهما بدوا منفتحين وتقدميين، فالأمر كله يؤول في النهاية لمن تختارها والدته، وهو ما حدث مع صديقي، تركني وذهب لخطبة عروس اختارتها أمّه، بعد أن عشنا ثلاث سنوات معاً، رغم أننا كنا نستهزئ بمدى انحطاط منظومة الزواج".

"تركني صديقي، وذهب لخطبة عروس اختارتها أمّه، بعد أن عشنا ثلاث سنوات معاً نستهزئ فيها بانحطاط منظومة الزواج"

وتشير أخصائية الصحة النفسية، سلوى فريد، إلى أنّ "مثل هذه العلاقات "المتحررة" التي انتشرت مؤخرا، لا يرجع سببها إلى خطأ في الفكرة، فهو يحدث في أوروبا منذ عقود، لكن عدم تخلص كلا الطرفين من الرواسب الثقافية المتجذرة رغماً عنهم، هو ما يحدث هذا اللبس".

وتوضح فريد في حديثها لرصيف22: "نعيش في مرحلة اجتماعية حرجة تتبلور فيها طبيعة جديدة للعلاقات بين الجنسين، تشبه ما حدث في أوروبا سنوات الحربين العالميتين، إذ إن أول ما بلور لنا مصطلح الثورة الجنسية كان سيغموند فرويد، بيد أنّ التعقيد الديني في مصر عقبة أكبر، فأوروبا نحّت الدين جانباً منذ زمن بعيد، وهو ما سهّل على مجتمعاتها العبور إلى مرحلة جديدة".

"ضحايا التشوه العقلي"

لا يرى أحمد إبراهيم (30 عاماً)، شيف متخصص في المأكولات الإيطالية يسكن القاهرة، أنّ اندلاع الثورة كان سبباً في انعتاقه من أي "رواسب ذكورية" زرعت بداخله بحكم نشأته في منظومة تقليدية، لكن حالة الحراك الثوري فجرت بداخله رغبة لاكتشاف ذاته.

يحكي إبراهيم لرصيف22: "لم أكن أمتلك معتقدات دينية حول الحرام والحلال، لكن كان اعتقادي أنّ ممارسة الجنس لا تكون إلّا بالزواج، لكن هذا تغيّر مع أول علاقة خضتها في حياتي، مع فتاة مصرية تربّت في أوروبا، ولم تجد حرجاً في ممارسة علاقة مع شاب دون أن يعدها بالزواج، وهو ما غيرّ نظرتي لهذا الأمر، لكن قطعت عهداً على نفسي ألّا أقدم على مثل هذه الخطوة إلّا بمبادرة من الفتاة، لأنني أعلم جيداً ما تحمله فتيات مصر من ثقافة تربين عليها، تنفّرهن من ممارسة الجنس بحد ذاته، إلّا أداء لواجبات الزوجية".

ويحكي إبراهيم أنّه بعد عدة علاقات بفتيات مصريات وغير مصريات، أصبح يرى المصريات "ضحايا لتشويه عقلي تجاه الجنس"، للمناخ الذي نشأت فيه مقارنة بالرجل، ويضيف لرصيف22: "أكثر ما أثبت لي هذا التشوه الحادث في نفوس المصريات، هو أنّ فتاة هي من طلبت البدء بعلاقة لأنّها لم تعد تطيق عذريتها، وبعدما حدث انهارت من البكاء والصدمة وكأنني قمت باغتصابها، وأخرى هي من جاءت إلى منزلي طلباً لعلاقة، لكنني رفضت لأنني لا أحب استعمال الواقي الذكري، صفعتني واتهمتني بالأنانية، وفوجئت أنّها حكت لبعض الأصدقاء المشتركين أننّي حاولت الاعتداء عليها وهو ما لم يحدث إطلاقاً".

"التشوهات النفسية المرتبطة بالجنس أصابت الرجال والنساء على حد سواء".

يشدد الدكتور شريف حبيب، استشاري الطب النفسي، على أن هذه التشوهات تصيب الشباب والفتيات في مصر على حد سواء.

يقول شريف: "الضغوط الاجتماعية التي يعاني منها الشباب المصري، تحد دون ممارستهم لعلاقات جنسية صحية وآمنة، بعد أن صار الزواج أمراً صعب المنال بسبب الظروف الاقتصادية، هذه الضغوط تتسبب بإصابة الشباب والفتيات باضطرابات نفسية لا يدركون فداحتها، لأنّهم لم يتلقوا أي قدر من التعلم حول أهمية الجنس في حياة الإنسان، كما أنّ التنفير الذي يحدث من قبل العائلات لفتياتهم من الجنس بشكل عام، يلعب دوراً هاماً في اضطراباتهن النفسية التي تظهر مع العلاقة".

ويتابع حبيب: "الفتيات في مصر لا يتعرّفن إلى أجسادهن إلا بعد الزواج، فتحيا كل فتاة حبيسة جسد تجهله، ليطلب منها فجأة أن تندمج في علاقة حميمة دون أن يطالها شيء من عوالق الماضي، والتي يظن بعض المثقفين أنّهم تخلصوا منها بلا رجعة، لكن التجربة تثبت لاحقاً أنه محض تغير سطحي، يظهر عواره مع التنفيذ".

"المواعدة محاولة تحرش"

إيمان إبراهيم (28 عاماً)، صيدلانية من الجيزة، نشأت في ظل تربية دينية صارمة، وظلّت تعاني من الاكتئاب طوال فترة مراهقتها، حتى قيام الثورة ودخولها للجامعة، الأمر الذي جعلها تتخفف من محاذيرها الدينية أمام حياتها الجامعية الزاخرة بالحراك الطلابي المختلط.

تقول إيمان لرصيف22: "تربيتي الدينية الصارمة، جعلتني أؤمن بفكرة أن الدين طوق النجاة، خاصة في ظل معاناتي من اكتئاب طويل، لم أكن أعلم أن التشدد الديني كان أحد أسبابه ليس إلا، لكن ظلّ رفضي للعلاقات العاطفية والجنسية خارج إطار الزواج هو الجدار الأخير الذي لم أستطع هدمه، فكان أي طلب للمواعدة من قبل شاب هو محاولة للتحرش، حتى التقيت بزوجي الحالي الذي تربّى خارج مصر، ولم يتشرب من ثقافتها إلا القليل، لكن ظل هاجس ممارسة الجنس خارج إطار الزواج بدافع ديني سابق، يمنعني من الاستجابة حتى لمن أحببت".

"نعيش في مرحلة اجتماعية حرجة تتبلور فيها طبيعة جديدة للعلاقات بين الجنسين، تشبه ما حدث في أوروبا سنوات الحربين العالميتين، ولكن التعقيد الديني عقبة أكبر"

تضيف إيمان: "لاحقاً، استجبت لزوجي الحالي، ونشأت بيننا علاقة جنسية بدون زواج، وبالرغم من علمي أنه صادق ولا يشبه هؤلاء الأوغاد الذين يملؤون المجتمع، كنت دائماً ما أتشاجر معه من نوبات الهلع التي كانت تصيبني من حين لآخر، خوفاً من أن يتركني، يشوه سمعتي أو يبتزني، مثلما حدث مع العشرات من صديقاتي".

تعلق سلوى فريد لرصيف22: "ما نتج من إقحام مفاجئ للثقافة الغربية في الحياة الشخصية للمصريين، دون أن يدركوا أن هذا التغير السطحي يجب أن يسبقه تحرر فكري حقيقي، أحدث تشوهاً في العلاقات العاطفية وأفقد العديدين ثقتهم في مفهوم الاستقرار العاطفي. فلا هم يستطيعون العيش بعقلية غربية للنهاية، ولا يقدرون على العودة إلى مربع مجتمعاتهم التقليدية التي هربوا منها، دون تفكيك تلك الأفكار ووضعها على طاولة النقد والنقاش المجتمعي، الذي يضعهم على أول طرق التخلص النفسي منها، وإعفاء الأجيال القادمة من خوض تلك المعركة مجدداً".

الانفتاح الاجتماعي الذي أحدثه حراك يناير، خاصة داخل الأوساط الثقافية التي تتمتّع بقدر مسبق من الحرية الفكرية، تسبب في صدمة للبعض، خاصة عند امتثالهم للأفكار التحررية في حياتهم اليومية، وعلاقاتهم، وفتح أعيننا على ما أحدثته التربية المتشددة فينا من تشوهات، واضطرابات عاطفية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard