"قوسٌ فُتح وأغلق بسرعة"... تراجع مكتسبات حركة 20 فبراير المغربية

السبت 20 فبراير 202107:41 م

"نعيش اليوم في حالة من القمع. المدافعون عن حقوق الإنسان في السجون، يعيشون وضعية صعبة. التضييق والقمع والحصار أشد مما كان عليه الوضع قبل حراك 20 فبراير، لأن الحقوقيين يلعبون دوراً في فضح الانتهاكات ودعم الضحايا ومؤازرتهم"، تقول الناشطة الحقوقية المغربية خديجة الرياضي لرصيف22.

بعد عشر سنوات من حركة 20 فبراير، تبدو الحريات العامة سجينة لما يصفه البعض بالردة التي أقدمت عليها السلطات المغربية. فإنْ كانت أصوات المتظاهرين صدحت خلال الحراك بمطلب توسيع هامش الحقوق والحريات الفردية والأساسية، بما فيها حرية الرأي والتعبير، فإن الواقع اليوم يمنع الكثيرين من الكلام.

بعد توالي السنوات، وتنامي غليان الحركات الاجتماعية والحركات الاحتجاجية مجدداً، يتضح أن الانفتاح الحقوقي خلال قوس 20 فبراير وما قبله أغلق، وأن حرية الصحافة والرأي والتعبير أضحت على المحك.

الحقوقيون في مرمى النيران

لم يكن عمل الجمعيات الحقوقية التي تنتقد سياسات الدولة المغربية في مجال حقوق الإنسان سهلاً ولا يسيراً. بعدَ سنوات كانت تملك فيه هامشاً للتحرك، ازداد التضييق على حرية العمل الحقوقي.

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان كانت من أكثر المتضررين من هذه الردة الحقوقية. ويعود هذا، بحسب ناشطي الجمعية، إلى أنها ساندت حركة 20 فبراير، ودعمت بعدها الحراك الاجتماعي الذي شهدته عدة مدن مغربية، وبالخصوص منطقة الريف، حيثُ اعتقل عشرات النشطاء والمطالبين بتغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحُكم عليهم بالسجن لسنوات طويلة.

تضيف الرياضي، وهي رئيسة سابقة للجمعية التي لديها فروع في جلّ مدن المغرب، أنه منذ سنة 2014 برز منعطف خطير في سلوك الدولة تجاه حركة حقوق الإنسان، إذ "اتهم وزير الداخلية الحركة الحقوقية بأنها تخدم أجندات خارجية، وأنها تتلقى أموالاً مشبوهة، وتعرقل وجود الدولة، وأمر السلطات المحليّة في مدن المغرب كاملة بالتعامل بتشدّد مع الجمعيات وبالتضييق عليها، بما فيها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان".

تنتقد الرياضي الظرفية السياسية التي أعقبت عام 2011، معتبرة أن "التنازلات (الدستورية) التي قدمها النظام السياسي آنذاك تمّت لأن موازين القوى السياسية كانت لصالح التغيير والشعب، ولصالح القوى التي كانت في الشارع، واليوم بما أن موازين القوى لم تعد لصالحنا، رجعت من جديد لصالح السلطة والنظام، لعدة أسباب".

وتحكي الناشطة اليسارية عن سنتي 2012 و2013، حين كانت موازين القوى التي خلقتها حركة 20 فبراير تفرض على السلطة احترام الحريات والانفتاح وتقديم تنازلات سياسية بما فيها الدستور نفسه. لكن بالنسبة إليها، ما حدث كان مجرد "تدبير مرحلة سياسية فقط، لا يعبّر عن إرادة سياسية صادقة لإدخال البلاد في مرحلة الديمقراطية، لأن مثل هذا رأيناه عدة مرات، رأينا كلاما عن ‘الانتقال الديمقراطي’ خلال السبعينيات و‘التناوب الديمقراطي’ خلال التسعينات، والمرة الثالثة مع ‘هيئة الإنصاف والمصالحة’ في بداية الألفية الثالثة، وفي كل مرة يكون الانفتاح مجرد تدابير سياسية الهدف منها إما إسكات الغضب أو تدبير مرحلة سياسية صعبة".

منذ سنة 2014 برز منعطف خطير في سلوك الدولة تجاه حركة حقوق الإنسان، إذ "اتهم وزير الداخلية الحركة الحقوقية بأنها تخدم أجندات خارجية، وأنها تتلقى أموالاً مشبوهة، وتعرقل وجود الدولة، وأمر السلطات المحليّة في مدن المغرب كاملة بالتعامل بتشدّد مع الجمعيات"

وتُرجعُ الناشطة الحاصلة على "جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" التراجع عن مكتسبات الحقوق والحريات، التي خصص لها دستور 2011 حيزاً مهماً، إلى أن "الدستور لم يأتِ أساساً بنيّة احترامه، بل جاء في سياق سياسي لتدبير مرحلة تُخرج الدولة من مأزق، وليقدّم صورة للعالم أن المغرب دولة ديمقراطية تدبر أزماتها بطريقة إيجابية"، موضحة أن "الحقوق لا يمكن أن تكون فعلية والدستور غير ديمقراطي وليست فيه سلطة حقيقية للبرلمان. بالتالي، الشعب ليست لديه سلطة، وكل السلطات مركّزة بيد الملك".

الصحافة "تختنق"

صنفت منظمة "مراسلون بلا حدود" المغرب في المرتبة 133 ضمن 180 دولة، على مستوى مؤشر التنصيف العالمي لحرية الصحافة لسنة 2020. تراجع يعكس المضايقات والقيود الواسعة على عمل الصحافيين الذين يبحثون في الملفات السياسية والاقتصادية، التي "تزعج" الدولة.

هكذا، في ظرف بضع سنوات اعتُقل وسجن العديد من الصحافيين والناشطين في ملفات ذات "حمولة أخلاقية" لكن المدافعين عنهم يقولون إنهم اعتُقلوا لمواقفهم السياسية. من ضمنهم الصحافيون توفيق بوعشرين وعمر الراضي وسليمان الريسوني وهاجر الريسوني والمؤرخ العطي منجب، رئيس "الجمعية المغربية للصحافة الاستقصائية" التي تعرضت للتضييق بحسب العاملين فيها.

تقييماً للوضع الصحافي بعد عشرة أعوام من الحراك، يقول الصحافي المستقل صلاح الدين المعيزي إنه "تم اجتثاثُ الصحافة ومواجهة المناضلين في الواقع العام، وفي مواقع التواصل الاجتماعي". برأيه، "عدنا إلى فترة ما قبل 2011 مع فوارق"، والاختلاف الأول والأهم بين المرحلتين هو أن مهندسي الحقل الإعلامي ليسوا من الإعلام بل من الدولة والأجهزة (الأمنية) ويرفضون وجود الصحافة المستقلة والحرة.

ويضيف المعيزي لرصيف22 أن "البيئة السياسية المغربية لم تعد تريد احتضان ودعم الصحافة المستقلة، إذ يُرفَض الصحافي الذي يناقش ويؤثّر في السياسات العمومية، وينافس الدولة في سرديّة الخطاب العمومي، ويقدم رأياً نقدياً"، وهو ما يرى أنه إشارة سلبية للأجيال المقبلة من الصحافيين، وأنه يفتح المجال أمام "النمطية وصحافة التشهير ولمَن يمارس صحافة تقنية وصحافة بلا ضمير، غير مبنية على أسس القوانين الدولية لحقوق الإنسان، وبدون التزامات أخلاقية مرتبطة بالمواثيق الدولية".

"اليوم لم يعد المواطنون المغربيون يخافون الخروج للتعبير عن غضبهم في وجه المؤسسات والأحزاب التي يعتبرون أن حسها النضالي قد ‘تكلّس’، ولم تعد قوية ومستقلة كفاية لترمم الثقة والآمال التي تحطمت على صخرة الوعود ‘الخادعة’"

ويرى الصحافي الحاصل على جوائز في مجال الصحافة الاستقصائية أن "فترة 20 فبراير كانت قوساً كما يُقال فُتح وأغلق بسرعة، والدولة كانت واعية بشكل كبير بأن مساحات الحرية إذا اتسعت لن يكون الأمر في صالحها، والدليل هو أنه خلال ذروة 20 فبراير، حين كانت التعبئة كبيرة، حوكم الصحافي رشيد نيني في حالة اعتقال".

وينتقد المعيزي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للصحافيين اليوم إذ "أصبحت أكثر هشاشة، وهذا ما يسهل أي عملية ضبط للحقل الإعلامي، فقطاع الصحافة عامة يعيش وضعية هشة، ويجعل الناس عرضة لجميع أنواع الانتهاكات في حقوقهم، تحت إمرة مالكي وسائل الإعلام، والنقابة الوطنية للصحافة لم تلعب دوراً لدعم الصحافيين في التكوين وفي النضال للتقليل من هشاشتهم" الاجتماعية والمهنية.

حريات وقوانين

تقول النائبة عن حزب العدالة والتنمية (الحاكم) أمينة ماء العينين إن "20 فبراير شهدت لحظة انفتاح، نظراً للسياق الإقليمي والجهوي الذي اندلعت فيه ثورات الربيع الديمقراطي آنذاك. والمغرب كانت له خصوصية في حراكه، وكانت الاستجابة بخطاب الملك في 9 مارس 2011. أعقبه الدستور الذي زاد تكريس الحريات وأرفقها بالحق في الحصول على المعلومات التي أعتَبِرُها أساسية، كما كرّس حرية التعبير وحرية التظاهر، وغيرها من الحريات الأساسية ذات الطابع السياسي والمدني".

وتضيفُ ماء العنينين لرصيف22 أن القوانين التي أخرجتها الحكومة التي يقودها حزبها، "متقدمة"، في إشارة إلى قانون الحصول على المعلومات، معتبرة أن هذه المبادرة التشريعية "لحظة امتداد لقوس ديمقراطي، دفعنا في اتجاه سنّ قانون قويّ، بعده جاء النقاش المتعلق بقانون ‘مدونة الصحافة والنشر’ لتوفير المزيد من الحماية للصحافيين، وليخلو القانون من العقوبات السالبة الحرية".

لكن واقع الأمر يقول غير هذا. فالبنود السالبة لحرية الصحافيين، تم "تهريبها" إلى القانون الجنائي للتمكن من اعتقالهم ومحاكمتهم. ترى ماء العينين ذلك إشكالاً "غير مرتبط بالترسانة التشريعية المرتبطة بالحق في التعبير وحرية الصحافة"، معتبرة أن اختلالاتها قليلة، ولكنه "مرتبط بتفسير قضايا الحق العام انطلاقاً من القانون الجنائي، وتحديد مخالفات جرائم مفترضة لا علاقة لها بالقوانين المؤطرة لحرية الصحافة والنشر".

وتؤكد ماء العينين أنه يجب أن "يبذل المجهود على مستوى المزيد من ترسيخ الاختيارات الديمقراطية، وتوسيع هوامش التسامح مع الوظيفة الأساسية للصحافة وهي النقد، وتحقيق الانفراج السياسي".

ويظل الرهان برأيها هو على اتجاه الحياة السياسية في اتجاه ديمقراطي لتنتشر الصحافة الجادة التي تؤدي وظائفها الأساسية، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى تراجع "أنواع الصحافة إنْ صح أن نسميها صحافة، التي تمتهن الشهير والإشاعة والتضليل والكذب ونشر الأخبار الزائفة".

الانفتاح أو الغضب الشعبي

توضحُ محطات التاريخ السياسي للمغرب أن الفئات الأكثر إحباطاً وتذمراً من مستوى التقدم الديمقراطي والتنموي في البلاد هي الأكثر إقبالاً على مقاطعة الانتخابات، وهو ما تؤكده معطيات نسبة المشاركة في انتخابات أيلول/ سبتمبر 2007، باعتبارها أول انتخابات حرصت السلطة على جعلها شفافة في التاريخ الانتخابي للمغرب. عرفت تلك الانتخابات رفض نسبة واسعة من الشباب الذهاب إلى صناديق الاقتراع، لكنهم وجدوا أنفسهم بشكل طبيعي داخل صفوف حركة 20 فبراير، وتماهوا مع شعاراتها.

ويبدو أن الانتخابات التي سينظمها المغرب بعد شهور قليلة تعيد طرح سؤال الرهان السياسي في وقت يسود فيه الإحباط عقبَ اعتقال العديد من نشطاء الحركات الاجتماعية والصحافيين والمدونين على مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي هذا الصدد، تقول ماء العينين: "لا بد من إطلاق مؤشرات انفتاح وانفراج سياسي وحقوقي عام، يمكن أن يقودنا إلى محاولة ترميم الثقة للتقدم نحو الانتخابات، لأن الوضع إذا ظل هكذا سنذهب إلى انتخابات لن يؤمن المغاربة بها ولا بأنهم يدخلون مرحلة جديدة".

وتؤكد عضو لجنة العدل والتشريع في مجلس النواب أنه بالرغم من "أننا بعيدون عن لحظة 20 فبراير"، إلا أنه يجب التأسيس لمرحلة جديدة من خلال نقاش سياسي، وتقديم أطروحة سياسية تؤطرها مبادرات ومؤشرات تدل على "أنه فعلاً يجب أن نقوم بالتعبئة للتصويت في الانتخابات. غير ذلك، ستقع أزمة سياسية على مستوى مشاركة المغاربة في الانتخابات".

وبالرغم مما يسجله ملاحظون من كون حركة 20 فبراير انتهت، لكن روحها وإشعاعها الاحتجاجي والمطالب التي رفعتها كبُرت وأصبحت منغرسة في قلب النسيج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي المغربي.

اليوم لم يعد المواطنون يخافون الخروج للتعبير عن غضبهم في وجه المؤسسات والأحزاب التي يعتبرون أن حسها النضالي قد "تكلّس"، ولم تعد قوية ومستقلة كفاية لترمم الثقة والآمال التي تحطمت على صخرة الوعود "الخادعة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard