"لحسن حظنا التهمة ليست جنسية"... لماذا استهداف الحقوقي المغربي معطي منجب؟

الجمعة 9 أكتوبر 202005:22 م

فيلق التشهير بالمعارضين والصحافيين والناشطين في مجال حقوق الإنسان لم يعد يضم فقط مواقع التشهير المعروفة، بل التحقت به النيابة العامة عبر إصدار بلاغات بنكهة انتقامية، تنتهك بشكل صارخ حقوق المدَّعى عليه حتى قبل عرض قضيته أمام القضاء.

واللافت أن مثل هذه البلاغات لم نعتد عليها، حتى حينما أقدم مفتش شرطة على قتل رجل وامرأة بسلاحه الوظيفي في أحد أكبر شوارع مدينة الدار البيضاء أمام الملأ. بل في تلك الواقعة، ادّعى بيان أصدرته المديرية العامة للأمن الوطني أن الشرطي كان في وضعية الدفاع عن النفس.

لحسن الحظ، سجل أحد المواطنين الحادثة، وانتشر تسجيل مرعب يوثّق الجريمة ويفنّد الرواية الأمنية التي دافعت عن القاتل واتهمت الضحايا.

والغريب في الأمر أنه لم تُنشر صورة واسم الشرطي الذي أعدم مواطنين عزّل أمام المارة، بعكس ما اعتادت مواقع التشهير تطبيقه على الأصوات الحرة والمعارضة.

ظاهرة التشهير

في السنوات الأخيرة، تنامت ظاهرة التشهير في المغرب وطالت العديد من المعارضيين والحقوقيين، ومنهم المؤرخ والحقوقي معطي منجب الذي كيلت له اتهامات خطيرة.

تعرّض منجب طيلة خمس سنوات لحملة شرسة من التضييقات وصلت حد منعه من السفر بدون سند قانوني، ونُعت بأقبح النعوت التي طالت عائلته، في مقالات نشرتها مواقع مقرّبة من السلطة، بقصد تأليب الرأي العام عليه وضرب مصداقيته كمعارض وكاتب رأي قوي.

وبعدما توعّدته مواقع صحافية-أمنية كثيرة منذ أسابيع بفتح ملف "غسيل الأموال" ضدّه، أصدر وكيل الملك في الرباط بلاغاً، ليلة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، يعلن فيه فتح تحقيق معه ومع وأفراد من عائلته حول نفس الموضوع الذي لا ندري بأي طريقة نسقت فيه النيابة العامة مع المواقع التشهيرية.

لا ندري كيف أصبحت مواقع تتنبأ بدقة متناهية بتواريخ اعتقالات الصحافيين ومتابعات الناشطين والحقوقيين، وتستبق قرارات النيابة العامة!

التهم المالية ليست جديدة في المغرب، وسبق أن لُفّقت لكبار زعماء الحركة الوطنية المعارضة لنظام الملك الحسن الثاني، وهي أقدم بكثير من التهم الجنسية.

الزعيم الوطني المهدي بن بركة اتهمته صحف كانت تابعة آنذاك للماسكين بزمام الحكم، مثل جريدة ليفار، بتلقي 200 مليون سنتيم من رئيس الحكومة عبد الله إبراهيم من أجل العلاج بعد تعرّضه لمحاولة اغتيال قرب بوزنيقة في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1962، نظمها الجنرال محمد أوفقير، الرجل الثاني في النظام حينذاك.

"بعدما توعّدته مواقع صحافية-أمنية كثيرة منذ أسابيع بفتح ملف غسيل أموال ضدّه، أصدر وكيل الملك في الرباط بلاغاً يعلن فيه فتح تحقيق معه ومع وأفراد من عائلته حول الموضوع، ولا ندري بأي طريقة نسقت النيابة العامة مع المواقع التشهيرية"

كذلك، سنة 2018، لمّا ساند الوزير السابق والكاتب الوطني السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية محمد اليازغي الصحافي توفيق بوعشرين، معتبراً أن اعتقاله أمر "مؤلم" ومخالف للتوقعات، اتهمه موقع مقرّب من جهاز مراقبة التراب الوطني (المعروف اختصاراً بلاديستي) بسرقة أموال شركة نشر تابعة للحزب خلال تسعينيات القرن الماضي.

وكما جاء في رد الناشط الحقوقي منجب على بلاغ الوكيل: "لحسن حظنا التهمة ليست جنسية كما فعلوا خلال السنوات الأخيرة"، لأن هذه التهمة تمثل اغتيالاً معنوياً شبه تام في المغرب، حيث المجتمع محافظ.

لماذا معطي منجب؟

منجب هو حقوقي ومؤرخ وكاتب مقالات رأي، ومؤسس مركز ابن رشد للتواصل سنة 2009، وكذلك هو أحد مؤسسي منظمة الحرية الآن Feedom Now غير الحكومية التي تهدف إلى حماية حقوق الصحافيين والكتاب، ومؤسس مشارك وعضو بارز في الجمعية المغربية للصحافة الاستقصائية (AMJI) التي أثارت حفيظة الأجهزة بتحقيقاتها حول الفساد.

باختصار، يُعدُّ منجب صوتاً قوياً في مجال الدفاع عن قضايا حرية التعبير في المغرب. ويبدو أنه لا يأبه لا بالضغوطات القضائية ولا بحملات التشهير الدائمة ضده، فهو متابَع منذ سنة 2015 بتهمة "تهديد السلامة الداخلية للدولة" وبزعزعة "ولاء المواطنين للدولة المغربية".

"لا ندري كيف أصبحت مواقع تتنبأ بدقة متناهية بتواريخ اعتقالات الصحافيين ومتابعات الناشطين والحقوقيين، وتستبق قرارات النيابة العامة"

كانت التهم المذكورة هي التهم الأساسية، إلا أنها الآن أهملت لصالح تهمة "غسيل الأموال"، والهدف منها تجريد القضية الأصلية من طابعها السياسي، وهي القضية التي ظلت تتأجل لخمس سنوات، وآخر جلساتها جرت يوم الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2020، وبدورها تأجلت بدون مبرر.

وكشفت منظمة العفو الدولية عن استهداف السلطات للحقوقي منجب وتجسسها عليه خلال سنوات 2017-2019 على الأقل باستخدام برنامج التجسس الإسرائيلي الخبيث "بيغاسوس".

ورغم تواصل تضييق السلطات عليه بشكل يومي، كان المؤرخ منجب يتصدّى لها عبر كتاباته ومواقفه المنتقدة للطغيان المتنامي لأجهزة المخابرات على جزء كبير من السياسات العامة، خصوصاً في ميادين الإعلام، وتدبير النخب المحلية والوطنية، والمتابعات القضائية ضد الصحافيين والمعارضين وناشطي حقوق الإنسان.

وعُرف الحقوقي كذلك بكتابته القوية المنتقدة للاستبداد والسلطوية، ومن أهم مؤلفاته "النظام الملكي المغربي والصراع على السلطة" الذي أصدره قبل 28 سنة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard