الملكية والأمن خطّان أحمران يقيّدان الصحافة المغربية

السبت 31 أكتوبر 202012:52 م

لا يزال الصحافي في المغرب غير قادر على التخلص من الخطوط الحمر التي تقض مضجعه، فكلما أراد التعبير عن رأي أو كتابة تقرير أو مقال يضع "الخطوط الحمر" قبالة عينيه حتى لا يجد نفسه متابعاً في قضية المس بـ"المقدسات"، فيروح تارة يستعمل كلمات فضفاضة أو تعبيرات غير مباشرة، مستحضراً الرقابة الذاتية التي أصبحت تلازمه في عمله الصحافي.

وبرغم أن قانون الصحافة والنشر الذي صدر سنة 2016، أبدل العقوبات الحبسية بغرامات مالية أو بمنع نشر الجريدة، فإن القانون الجنائي يعاقب بالسجن على ما سمّيت جرائم التعبير عن الرأي المتعلقة بالموضوعات الحساسة مثل "النظام الملكي، وشخص الملك والأسرة الملكية، والإسلام والوحدة الترابية".

وقد أصدرت منظمة "هيومن راتس ووتش" - عقب صدور قانون الصحافة والنشر مباشرة- تقريراً عن الخطوط الحمر في الصحافة المغربية عبرت فيه عن عدم إمكان "النظر إلى قانون الصحافة الجديد بمعزل عن القانون الجنائي الذي لا يزال يعاقب بالسجن على مجموعة من جرائم التعبير السلمي، سواء ارتكبت من قبل صحافيين أو من قبل غيرهم". وأضاف التقرير أن "البرلمان المغربي اعتمد جنباً إلى جنب مع قانون الصحافة الجديد إضافات إلى القانون الجنائي تجرم "الإساءة" إلى الإسلام، والنظام الملكي، وسب الملك أو أفراد الأسرة الملكية، والتحريض ضد الوحدة الترابية، وتُعاقَب عليها بالسجن و/أو غرامة".

وطالبت المنظمة الدولية البرلمان المغربي بضرورة "تحديد كل جريمة حتى يكون التعريف دقيقاً بما يكفي لتمكين المواطن (ة) من تنظيم سلوكه (ها)، وللاستجابة لمطلب ضروري في مجتمع ديمقراطي، مثل منع التحريض على العنف، أو سلوكات أخرى تُعتبر مضرة في مجتمع ديمقراطي. ومن الجرائم التي ينبغي تحديدها وتدقيقها، بحسب المنظمة الحقوقية، "التحريض ضد الوحدة الترابية"، موضحة أنه "إذا كان المغرب يريد الإبقاء على جريمة التعبير المتعلقة بـ"التحريض ضد الوحدة الترابية"، فعلى المشترعين تحديد ذلك بدقة كافية لتنطبق فقط على التعبير الذي يشكل تحريضاً على استخدام العنف أو القوة البدنية، وعليهم استبعاد بشكل واضح الدعوة السلمية إلى تقرير المصير في الصحراء الغربية"، وفقاً لنص التقرير.

"لا يزال الصحافي في المغرب غير قادر على التخلص من الخطوط الحمر التي تقض مضجعه، فكلما أراد التعبير عن رأي أو كتابة تقرير أو مقال وضع 'الخطوط الحمر' قبالة عينيه". لكن ما هي المحظورات اليوم؟

الملكية والأمن خطان أحمران

الصحافي والناشط الحقوقي رشيد البلغيتي يري أن "الخطوط الحمر في الصحافة اليوم هي الملكية، والأجهزة الأمنية والجيش"، مضيفاً أن "تناول هذه المؤسسات تُعتبر مجازفة كبرى في نظر الصحافي أو المؤسسة الصحافية التي قد تضع رقبتها تحت المقصلة، متى وضعت قلمها داخل اسوار مليئة بالأيادي المستعدة لكسر قلم ويد كل "متطاول"".

وقال البلغيتي لرصيف22 إن مراكز الخطوط الحُمر قد تغيرت إذ "كان الجيش هو الخط الأحمر الأول فيما مضى وقد توبع عدد من الصحافيين في ملفات مرتبطة بمقالات تناولت القوات المسلحة الملكية وذراعها الاستخباراتية، فعلى سبيل المثال تمت في سنة 2007 متابعة عبد الرحيم اريري ومصطفى حرمة الله وهما على التوالي مدير نشر وعضو هيئة تحرير "الوطن الآن".

ولفت إلى أن "المراقبين يرون أن الخط الأحمر الأول خلال السنوات الأخيرة هو الأمن الداخلي بمؤسستيه العلنية والاستخباراتية".

وأضاف البلغيتي: "في العشرية الأولى من الألفية الثالثة كان الجسد الصحافي في المغرب قوياً نسبياً ومتضامناً، وكانت المتابعات والاعتقالات في صفوف الصحافيين قليلة أمام حيوية الصف الديمقراطي خلافاً لما نشهده اليوم من تراجع القوى الحية وازدهار صحافة التشهير التي تحولت معولاً يهدم آخر جدران الأخلاق والمهنية".

الرأي نفسه تبناه الصحافي عبد الصمد بنعباد، الذي قال لرصيف22: "جهاز النيابة العامة وجهاز الأمن أصبحا من الخطوط الحمر"، مردفاً: "نحن إذاً أمام توسع غير مسبوق في دائرة الخطوط الحمر، والكارثة أن هذا التوسع يتم على حساب حرية الرأي والتعبير، ويقلص من الهامش الديموقراطي الذي كان صمام أمان للمغرب لحظة انفجار الغضب في المنطقة العربية عام 2011".

وقال يونس مسكين، مدير نشر يومية "أخبار اليوم"، إن " الخطوط الحمر تختلف في الصحافة المغربية باختلاف السياقات والمراحل السياسية التي تجتازها"، مضيفاً: "ما كان يعتبر متاحاً وممكناً قبل بضع سنوات لم يعد كذلك اليوم". وتابع: "تبقى "التابوهات" المحرمة على الإعلام المغربي مرتبطة بثالوث الإسلام والملكية والوحدة الترابية. بين هذه الأضلاع الثلاث تقع جل الخطوط الحمر، التي يعتبر الاقتراب منها بالإخبار أو التعليق سبباً محتملاً للوقوع في المتاعب، إما لأن الأمر ينطوي على جوانب سيادية حساسة بالنسبة للدولة، أو لأنه يبقى قابلاً للتأويل والتحريف أحياناً".

سلطة المجتمع والقضاء فوق الصحافة

عدا الملكية وجهاز الأمن والصحراء التي تعتبر من الخطوط الحمر ويصعب مناقشتها بحرية في الصحافة والإعلام المغربي، أثار مسكين الانتباه إلى أن هناك "تابوهات وخطوطاً حمراً في المغرب لا تحدّدها العلاقة مع الدولة والسلطة فقط، بل هناك الكثير من المحرمات التي تتجنب الصحافة الخوض فيها بسبب الخوف من ردة فعل المجتمع، خاصة منها ما يرتبط بالشأن الديني والمنظومة الأخلاقية السائدة".

فيما اعتبر بنعباد أن "الخطوط الحمر اتسعت كثيراً في المغرب، وشملتها عمليات "التجديد" و"التوسعة" بعدما بتنا أمام خطوط حمر جديدة لم تكن في السابق"، موضحاً أنه "على سبيل الحصر، الحديث عن "أحكام القضاء"، إذ أصبحنا أمام مقدس جديد هو الأحكام القضائية. فقد غدا مطلوباً من "الجميع" قبول تلك الأحكام، وعدم الاعتراض عليها، وإلا فسيجد المنتقد لها نفسه في مواجهة مدفعية تتهمه بـ"التشكيك في القضاء" وتهدده بتهمة "تحقير مقررات قضائية".

وتابع: "نحن أمام حالة استباحة شاملة للقانون ومبادئه، فما معنى المحاكمة إن لم يدافع فيها المتهم عن براءته، وما معنى القضاء إن لم يعنَ "الطعن" في الأحكام عبر درجات التقاضي المختلفة".

"تبقى 'التابوهات' المحرمة على الإعلام المغربي مرتبطة بثالوث الإسلام والملكية والوحدة الترابية. بين هذه الأضلاع الثلاث تقع جل الخطوط الحمر، التي يعتبر الاقتراب منها بالإخبار أو التعليق سبباً محتملاً للوقوع في المتاعب"

العقوبات السجنية

وفقا لتعديلات القانون الجنائي لسنة 2016، يواجه كل من ثبتت في حقه "الإساءة إلى الدين الإسلامي" عقوبة سجن تراوح بين ستة أشهر وسنتين أو غرامة مالية تراوح بين ما يعادل بالدولار الأمريكي 2000 إلى 20000 أو بكلتا العقوبتين. وإذا تم ارتكاب الجريمة عن طريق وسيلة تحقق شرط العلنية بما فيها الوسائل الإلكترونية، والورقية، والسمعية البصرية، تُشدد هذه العقوبة إلى السجن من سنتين إلى خمس سنوات أو غرامة تعادل 5000 إلى 50000 دولار أمريكي، أو بكلتيهما، ويعاقب بالعقوبات نفسها كل من "أساء إلى النظام الملكي".

ونص الفصل 179 من القانون الجنائي المغربي على السجن بين ستة أشهر وسنتين و/أو غرامة مالية تراوح بين ما يعادل بالدولار الأمريكي 2000 إلى 20000  كل من "مس"، أو "قذف"، أو "سب" الحياة الشخصية لشخص الملك أو ولي العهد، أو اخل بواجب التوقير والاحترام لشخص الملك. وتضاعف العقوبة إذا ارتكبت عن طريق الصحافة أو في الأماكن العامة.

وينص الفصل نفسه على السجن بين ثلاثة أشهر وسنة و/أو غرامة تراوح بين ما يعادل 1000 – 10000 دولار أمريكي كل من "مس"، أو "قذف"، أو "سب" الحياة الشخصية لأحد أعضاء الأسرة الملكية.

أما الفصل 267 من القانون الجنائي فيعاقب على "التحريض ضد الوحدة الترابية" بالسجن من ستة أشهر إلى سنتين وبالغرامة من 2000 إلى 20000 دولار، أو بكلتيهما، مع تشديد العقوبة من سنتين إلى خمس سنوات سجناً وغرامة تعادل من 5000 إلى 50000 دولار امريكي، أو بكلتيهما، إذا ارتكبت الجريمة علناً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard