حركة 20 فبراير المغربية... مكتسبات دستورية "عبثت بها الممارسة السياسية"

السبت 20 فبراير 202106:53 م

بعد أن هبّت رياح الربيع العربي على المغرب، وخرج آلاف المغاربة للتظاهر في الشوارع يوم 20 شباط/ فبراير 2011، حاملين شعارات تنادي بالحرية والعدالة الاجتماعية وتطالب بإصلاحات سياسية ودستورية، سرعان ما وعدت المملكة بتعديل دستوري.

وعدٌ فتح أبواب الأمل على الاستجابة لمطلب "الإصلاح الدستوري" الذي رددته طويلاً النخب السياسية والأحزاب المغربية قبل أن يضحي واقعاً بفضل حركة العشرين من فبراير، وهذا التعديل هو أهم انتصارات الحركة.

لكن التجربة بحسب البعض أثبتت أن النص يظل قاصراً مع عرقلة إصدار القوانين التنظيمية وتقاعس حكومة حزب العدالة والتنمية، التي تقلّدت السلطة الحكومية بعد الإصلاح الدستوري، عن ممارسة الأدوار والصلاحيات التي منحها لها الدستور الجديد، خوفاً من "غضب" دوائر القرار.

خطاب الآمال وعثرة القوانين التنظيمية

خاطب العاهل المغربي محمد السادس الشعب المغربي في التاسع من آذار/ مارس 2011، معلناً عن فتح ورش الإصلاح الدستوري والقيام بإصلاحات سياسية في المؤسسات، قدَّم خطوطها العريضة. ومع بداية شهر تموز/ يوليو، طُرح مشروع الدستور على الاستفتاء الشعبي وحاز، حسب الأرقام الرسمية، على تزكية الأغلبية الساحقة من المصوّتين (98 في المئة). توالت الأيام والأسابيع وخبَتْ حماسةُ الحركة الاحتجاجية إلى أن توارى وهجها بشكل نهائي. غير أنّ الجدل الذي رافق مخرجات الدستور الجديد يبقى مستمراً إلى يومنا هذا.

بعد عشر سنوات، وفي ذكرى الحراك المجتمعي، يتجدّد النقاش حول مقتضيات الوثيقة الدستورية السادسة في تاريخ المملكة، حاملاً معه أسئلة حول مدى تفعيل مضامينها واستجابتها لآمال "20 فبراير" المنشودة. تتابين المواقف، بين مَن يرى أنّ الدستور حمل في سياقات ولادته أسباب فشله، ومَن يذهب لاعتبار أنّ المشكلة ليس في الوثيقة في حد ذاتها بل في الممارسة التي تتأرجح بين قوى سياسية غير متوازنة هي المؤسسة الملكية بثقلها التاريخي والسياسي والأحزاب التي تعجز عن استغلال صلاحياتها الدستورية. هناك طرف ثالث ينتصر لوجهة النظر القائلة بأن الوثيقة تجاوزت النخب الممارسة للعمل السياسي، وبالتالي لم تفلح لا في تنزيلها على أرض الواقع كما هي بنواقصها ولا في الاجتهاد للنزوع بها نحو تأويلات أكثر ديمقراطية.

يُسجَّل شبه إجماع في أوساط المتتبعين للشأن العام المغربي على أنّ الزخم السياسي والحقوقي الإيجابي الذي بعثته حركة 20 فبراير في المشهد المغربي، يخفت أكثر فأكثر مع الابتعاد عن سنة 2011. ويذهب كثيرون إلى أن وعود الدستور لم تتحقق، مع شعور سلبي عارم تمخض عما يوصف بالانزلاقات على مستوى الحقوق والحريات وعمل بعض المؤسسات الرسمية.

تتابين مواقف المغربيين بين مَن يرى أنّ دستور 2011 حمل في سياقات ولادته أسباب فشله، ومَن يعتبر أنّ المشكلة تكمن في الممارسة التي تتأرجح بين قوى سياسية غير متوازنة هي المؤسسة الملكية بثقلها التاريخي والسياسي والأحزاب التي تعجز عن استغلال صلاحياتها الدستورية

في قراءته لتجربة السنوات العشر الماضية، يعودُ الأستاذ الجامعي المغربي عبد الرحيم العلاّم إلى المرحلة التي تلت مباشرة خروج الحركة الاحتجاجية إلى الشارع، وتجاوب الملك معها، من خلال خطاب ذي حمولة دستورية.

يقول الخبير في القانون الدستوري لرصيف22 إن الإعلان عن الإصلاح الدستوري جاء بسقف عالٍ مقارنة بالنصوص الدستورية السابقة، "غير أنه خضع لسيرورة تراجعات، بدايةً مع اللجنة التي قامت بالإعداد له، مروراً بلجنة تحرير مشروع الدستور، ثم خضوع المشروع لتعديلات متتالية، قامت بغربلته وصولاً إلى القوانين التنظيمية المكمِّلة له، والتي أفرغته من محتواه".

رَهن دستور 2011 تطبيق عدد من مضامينه بقوانين تنظيمية، كآلية لتفعيل أحكامه وتفصيلها، غير أنه إلى اليوم يسجّل تأخر في سنِّ عدد منها أو المصادقة عليها، فيما تلفُّ حالة من عدم الرضا الشكل النهائي الذي أخرجت به قوانين تنظيمية أخرى.

يؤكد العلّام أنّ عدداً من هذه القوانين "أُعِدَّت في مرحلة تختلف عن سياق نزول الدستور الذي جاء وسط سياق نضالي احتجاجي مرتفع، إذ تم إقرار عدد منها بعد ثلاث سنوات على الأقل من التصويت على الدستور، في صيغة ضعيفة، أفرغت مضامين النص الدستوري من إيجابياته"، ومن بصيص الأمل الذي حمله.

تطبيق مقتضيات الدستور على أرض الواقع كان حجر عثرة أمام الإصلاح المرجو من الدستور، كما يؤكد بدوره رئيس شعبة القانون العام في كلية الحقوق السويسي في الرباط عبد الحفيظ أدمينو.

يقول الأستاذ الجامعي لرصيف22 إنّ من أبرز عثرات تطبيق روح الدستور، هو التأخرّ الكبير المطروح على مستوى سنّ القوانين التنظيمية التي تعثّر إخراج عدد منها، بعد مرور عشر سنوات، لافتاً إلى أن هذه النقطة بدورها خرق دستوري واضح، خاصة أن دستور 2011 "نص في الفصل 86 على أن الحكومة ملزمة بإحالة هذه القوانين على البرلمان داخل الولاية التشريعية الأولى، لكننا بعد ولايتين تشريعيتين، ما تزال مجموعة منها جامدة".

وعن الانتقادات التي تطال القوانين التنظيمية التي صدرت ويعتبرها البعض "مقلباً" لإجهاض المكتسبات الدستورية بعد الحراك، يشير العلاّم إلى أنّ "الدستور لا يقول كل شيء، إنما يأتي في نصوص عامّة، وتنبثق عنه القوانين التي تفصّله وتكمّله"، ويبرز أنّ هذه الأخيرة تصدر عن البرلمان، وبالتالي هو مَن ينبغي مساءلته، إذ أن ضعفه ينعكس على القوانين الصادرة عنه، بالإضافة إلى أدوار المحكمة الدستورية التي تراقب توافق القوانين مع المضامين الدستورية، "لذلك لا البرلمان كنخبة منتخبة توفّق ولا المحكمة نجحت في مراقبة انضباط الأولى للسقف الدستوري، لذلك خلصنا إلى قوانين ليست في مستوى تطلعات مَن خرجوا في عشرين فبراير". هي إذن أزمة الفاعل السياسي سواء في صف الأغلبية أو المعارضة، والذي لم يفرض نفسه في مواجهة السلطة كما يجب، بقدر ما هي أزمة سلطة تستبد بالقرار.

مكتسبات الدستور وقوانينه، بدورها، يمضي العلاّم في طرحه، "عبثت بها الممارسة السياسية". ويستند في موقفه على تجربة حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامية، التي وصفها بـ"الضعيفة"، وبأنّ رهانها "للتطبيع مع المَلَكية، كان أكبر من هاجس القيام بإصلاحات"، مضيفا أنّها "تنازلت عن عدد من صلاحياتها لصالح المؤسسة الملكية، وقامت بممارسات منافية لمضمون الدستور".

نُخَب سياسية عاجزة و"دساتير"

إذا كان دستور 2011، في صيغته النهائية، لم يستجب لطموحات عدد من شباب حركة 20 فبراير، إلّا أن تجربة السنوات العشر الأخيرة تُظهر أنَّ تفاعل الأحزاب السياسية المشكّلة للحكومة كان أضعف حتى من مضمون الوثيقة السياسية، بحسب العلاّم، و"بالتالي، نرى أنّ هناك دستوراً مكتوباً ودستوراً للقوانين التنظيمية ودستوراً ضمنياً يتمثّل في الممارسة التي كانت ضعيفة وهي الحاسم، لأن ما يحكمنا اليوم ليس الوثيقة في حد ذاتها، إنّما تدبيرها".

يتابع الأستاذ في جامعة القاضي عيّاض في مراكش، في حديثه لرصيف22: "صحيحٌ أنّ هناك مؤاخذات دستورية عديدة، لكن لو وجدنا نخبة سياسية جيدة وفاعلين أقوياء لاستطعنا أن ننحو بهذا الدستور نحو تفسيرات وتأويلات أكثر ديمقراطية، لكن هذا لم يحدث، وتوجهت الأحزاب للتغلغل داخل المؤسسات وتوزيع المنافع بينها، ولم تعد تراهن حتى على القواعد الاجتماعية، ونرى ما يحدث من حراكات اجتماعية واحتجاجات غير منظمّة تتجاوز الأحزاب كمؤسسات وساطة".

في ضوء ذلك، ينزع أدمينو من جهته إلى التأكيد أن تجربة العمل السياسي، خلال السنوات الأخيرة تُبيّن أن النص الدستوري "أقوى من سلوك الفاعلين العموميين، من حكومة وبرلمان وأحزاب سياسية"، ما يطرح، وفق المتحدث ذاته، نقطة أنّ الحراك المجتمعي ينتج أحياناً قواعد قانونية، لا تتناسب والوتيرة التي تتطور بها الممارسة السياسية. ويعتبر أن اللحظة الراهنة، بعد مرور عشر سنوات، تستدعي مساءلة الرصيد الدستوري الذي تم تحقيقه من جهة، وكيف يمكن استثمار التراكم المحقّق من أجل تطوير الممارسة والسلوك السياسي في المغرب.

إلى جانب ضعف النخب، يرى الأستاذ الجامعي أنّ تعثراً آخر حاصل، على مستوى إصلاح مجموعة من القوانين المتعلقة بالحريات العامة والحقوق لتلائم الدستور الجديد، كما هو الشأن بالنسبة إلى قانون الإضراب وقانون الجمعيات، الذي يهدف إلى تقوية أدوار المجتمع المدني، بالإضافة إلى تنزيل الفصل 19 المتعلق بالمناصفة بين المرأة والرجل، خاصة في ما يخص المجال الانتخابي.

"صحيحٌ أنّ هناك مؤاخذات عدة على دستور 2011، لكن لو وجدنا نخبة سياسية جيدة وفاعلين أقوياء لاستطعنا أن ننحو بهذا الدستور نحو تفسيرات وتأويلات أكثر ديمقراطية، لكن هذا لم يحدث، وتوجهت الأحزاب للتغلغل داخل المؤسسات وتوزيع المنافع بينها"

وفي جوابه عن سؤال خلفيات هذا "التعثر"، يوضح أدمينو أنّه يعود بالأساس إلى علاقات القوة بين مختلف الفاعلين، خصوصاً مبدأ التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بالإضافة إلى الصراعات والخلافات السياسية التي تنشأ بين الأغلبية البرلمانية، والتي كان لها تأثير مباشر على عمل الحكومة. بالتالي، أخذ تنزيل مضامين الوثيقة حيّزاً زمنياً طويلاً، إلى جانب تباين أولويات الأجندة الحكومية.

مكاسب ولكن؟

مقابل الانتقادات المسجّلة على تنزيل الوثيقة الدستورية بين المأمول والواقع، يرى الأمين العام السابق لحزب "التقدم والاشتراكية" والوزير السابق إسماعيل العلوي أنّ الدستور شكّل مكسباً مهمّاً للشباب المغربيين، إذ "جاءَ متقدّماً بشكل كبير مقارنة بالدساتير السابقة، وذلك بفعل صياغته بشكل تشاركي وموسّع مع منظمات المجتمع المدني والأحزاب التي قدمت تصوراتها ومقترحاتها"، مشيراً إلى أنّ "10 سنوات مدة غير كافية لتقييم هذه التجربة الدستورية التي نتجت عن حراك مجتمعي".

ويقول العلوي لرصيف22 إن "عقداً من الزمن لا يساوي رمشة عين، وسيرورة الإصلاح تأخذ وقتاً طويلا"، في مقابل تأكيده على أن الزخم الذي جاء مع دستور 2011، لم يعد قائماً بنفس وتيرته الأولى، مع التأثر بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الوطنية والأجنبية. ويلفت إلى وجوب التأمل في تجارب ثورات دول أخرى، إذ أنّ أحلام التحول الكبير، تتحقق على وقت ممتد، ويضيف أن "تاريخ الشعوب، مدٌّ وجزر".

وبالعودة إلى سؤال الممارسة السياسية على ضوء الدستور الجديد، يؤكد العلوي أن هناك أحزاباً تقدمت وتطورت وتسعى إلى إنضاج التجربة السياسية، وأخرى تبقى أدوارها محدودة، لافتاً إلى أنّ الصراع السياسي العام "مبني على مصالح طبقية مختلفة وتصورات أفقية، وتتغير فيه موازين القوى، بشكل تدريجي ومفاجئ، وأحياناً، هناك مَن يعاكس هذا التطور الطبيعي لموازين القوى، مما يُحدث تراجعات إلى الوراء وهذا طبيعي في حياة المجتمعات".

المكاسب التي تحدّث عنها العلوي، لا ينفيها المحلل السياسي عبد الرحيم العلاّم، مؤكّداً أنه "لا يمكن القول بأن لا تغييرات حدثت، بل على العكس من ذلك، فمثلاً على مستوى المؤسسات، تمت تقوية مؤسسة رئاسة الحكومة وتحصينها بالنص الدستوري، بالإضافة إلى تخلي الملكية عن عدد من صلاحياتها للحكومة، كما تم أيضاً تعزيز أدوار البرلمان، في الرقابة والمساءلة من أجل تحسين أدواره في المشهد السياسي".

لكن المتحدث يسجّل انتقاده مرة أخرى للنخبة التي تشتغل من داخل المؤسسات الحكومية، إذ يرى أنها لا تستغل جميع الصلاحيات الممنوحة لها، وتجنح لتجاهل مضامين دستور 2011 في ممارساتها، مع تأكيده على استمرار هيمنة المؤسسة الملكية على المشهد السياسي ودورها المركزي فيه، وتحمّلها جزءاً من مسؤولية الوضع، لكنه يعود للقول إن "المسؤولية الكبرى تقع على النخبة السياسية، لأنها هي مَن تفرّط في صلاحياتها".

وجه آخر من أوجه الهوّة بين مضامين الدستور والواقع، يربطه متتبّعون بتجدد الحراكات الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، وهي حراكات تحمل مطالب اجتماعية تتقاطع مع تلك التي رفعها شباب "20 فبراير"، بالإضافة إلى الاعتراف الرسمي من خلال خطب ملكية بفشل النموذج التنموي السابق، وتكليف لجنة خاصة لإعداد تصوّر لنموذج جديد للتنمية، لجنة عُيّن أعضاؤها من خارج النخب الحزبية المشكّلة للحكومة والبرلمان. وكأن تاريخ الاستئثار بدفة البلاد يعيد نفسه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard