شَعْر الرجال في تركيا... ساحة لمعركة ثقافية ودينية وسياسية

السبت 20 فبراير 202101:07 م

لدى إطلاق شركة أولكر التركية Ülker منتجها من الكولا "كولا توركا" لجأت للترويج له إلى إعلانٍ، يظهر فيه رجل، يفترض أنه أمريكي، يشرب الكولا توركا عام 2004، فينمو شارباه ويصبح تركياً. اختار المعلنون الشارب رمزاً للثقافة التركية، وهي رمزية لا تعكس بالضرورة إجماعاً تركيّاً، بقدر ما تعبر عن صورة نمطيّة عن الذات شائعة بين الأتراك، وصورة استشراقية راسخة في الغرب نحو الآخر التركي، ويقودنا هذا إلى نقاش أوسع عن علاقة شَعْر الوجه والرأس لدى الرجال في تركيا بمفهوم الهوية. فنحن كبشر، أحياناً نبني انطباعاً محدداً عن شخص ما بناءً على تسريحة شعره، وشكل شاربه ولحيته، فنرجّح أنه يساري، محافظ أو من أتباع ديانةٍ ما، فمعاني الشَعْر محمّلة بحمولات سياسية ودينية وثقافية، كما أنها قد تعبّر عن توجّه جنسي محدّد، ومكانة اجتماعية ما. 

كانت الطبيعة تشير في ذهنية العديد من المجتمعات إلى الفوضى والدنس وما هو غير مضبوط، بينما يشير الجسد البشري، وقد تحوّل إلى ملكية مجتمعية، إلى شيء يُطلبُ منه الانصياع للقواعد والأعراف، لذا ظهرت ثنائية الجسد/الطبيعة، كطرفين متعارضين من وجهة نظر مجتمعية، وبما أن الحد الفيزيائي الفاصل بين الجسد والطبيعة الخارجية هو الجلد، والشعر هو ما يتخطى حدود هذا الجلد ويمتزج بالطبيعة، لذلك لم يكن من المستغرب أن يحدث ربط تلقائي بين الشعر والجنسانية غير المروّضة أو الطبيعة، وأن تحدد الأديان التوحيدية والثقافات المختلفة ضوابط للتعامل مع الشَعْر.

 شَعْر الرجال في عهد الإمبراطورية العثمانية

الشَعْر، الدين، الدولة

فرضت مرجعية الدولة العثمانية القائمة على الإسلام السنّي الحنفي، ضوابط للتعامل مع شَعْر الرجال، واستندت بشكل خاصٍ إلى الحديث النبوي: "خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفِّرُوا اللِّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِب". (البخاري حديث5892).

يظهر من خلال الحديث النبوي أن من أهداف إطلاق اللحى تمييز المسلمين عن غير المسلمين، وهو تقليد قديم، فمن الشائع أن تبحث كل مجموعة دينية عن مظهر ولباس يميّز أتباعها. هذا الأمر بدأ مع الديانة اليهودية، فوردت في العهد القديم أحكام تخصّ طريقة قصّ الشعر والشارب واللحية، بغرض تمييز اليهود عن سواهم، وفي حالة الرجال المسلمين، عادة ما ترافق إطلاق اللحى وتقصير الشارب مع غطاء للرأس، تأثر بما هو موجود في كل بيئة محلية واقتبس منها، وفي حالة العثمانيين، أُلزِم الرجال المسلمون بارتداء العمامة (وتقصير الشعر)، ومُنِعت بشدة على غير المسلمين، وبلغت درجة أهمية العمامة كرمز تمثيلي للرجل المسلم في أن تقاليد الدفن العثمانية كانت تشمل وضع عمامة المُتوفّى على قبره

وبذلك يصبح الشعر حقلاً دلالياً تتراكب فيه سلطات دينية وسياسية وأبوية، مُعبَّراً عنها في سلطة الدولة أو السلطان، ويغدو ترويض الشعر علامة على الولاء للدولة، فتُفرَض على المخالفين عقوبات مشددة، وامتدت صرامة تطبيق مبدأ التمييز بين الذكور المسلمين وغير المسلمين إلى منع الحلاقين من استخدام شفرات الحلاقة والمناشف ذاتها، للمسلمين ولمن وُصِفوا بالكفار، حسب قانون أصدره السلطان ياووز سليم Yavuz Selim

وتميّز المحافظون من الطائفة العلوية (تضم الطائفة العلوية تركاً وكرداً، وهي تختلف عن الطائفة العلوية العربية، وتتشابه معها في الاسم فقط، ويعيش العلويون العرب في تركيا في إقليم هاتاي، أنطاكيا وإسكندرون)، تميّزوا في المناطق الريفية بإطلاق شاربهم حتى يغطي الشفة، ويكون كثاً غزيراً، وذلك بهدف إظهار اسم علي، فيصبح الحاجبان وخط الأنف والشارب رموزاً تشابه حروف اسم علي. وأساس هذا الطقس إيمان العلويين بأن كل إنسان يحمل كلام الله في جسده، فكل جزء من الوجه: الشعر، الحاجبان، الرموش، الشاربان، خط الأنف، الأذنان، الأنف، هو رمز لأسماء الله والأنبياء والصحابة. 

وردت في العهد القديم أحكام تخصّ طريقة قصّ الشعر والشارب واللحية، بغرض تمييز اليهود عن سواهم، وفي حالة الرجال المسلمين، عادة ما ترافق إطلاق اللحى وتقصير الشارب مع غطاء للرأس، تأثر بما هو موجود في كل بيئة محلية واقتبس منها

الشعر حقل جندري وجنساني

تزاوج الدين مع البيولوجيا، وأصبحت اللحية والشارب في العهد العثماني معياراً أساسياً في الفصل بين الجنسين، وامتد الأمر إلى الفصل بين الرجال ذاتهم، فكان شَعْر الوجه يحدد درجة الرجولة والمكانة الاجتماعية أحياناً، فمن لم يكن ملتحياً كان يعتبر مخنثاً أو ناقص الرجولة، ويطلق عليه تسمية أجرد tüysüz أو نظيف لامع parlak، ويصبح هدفاً محتملاً للمتعة الجنسية للرجال oğlan (غلام)، والعلاقة مع الغلمان في هذا السياق تصدق عليها جزئياً مكيانزمات العلاقة التقليدية الغيرية بين الرجل والأنثى، أكثر ممّا تصدق عليها الآليات المتنوعة للعلاقات المثلية كما نفهمها في عالمنا المعاصر، لأنها كانت، في جزءٍ منها، بديلاً عن النساء المفصولات عن الرجال، واستثمر هؤلاء الغلمان غالباً لتسلية الرجال في ظاهرة فريدة هي ظاهرة راقصي الزنّة، وكذلك كان معظم الساقين في الحانات من هذه الفئة. ولأن للجنس سلطة كبيرة على البشر، يقرّ بها حتى الدين بطريقة مقلوبة، من خلال تحريماته، كانت معظم التسميات التي يلقب بها هؤلاء الغلمان تترافق مع كلمة شاه، من أمثلة ذلك: Nazlı Şah الشاه المغناج، رمضان  ذو الشعر المسترسل Saçlı Ramazan Şah، أيواز الشاه ذو القرط Küpeli Ayvaz Şah.

واتخذت اللحية دلالات أخرى كالحكمة، فاللحية خاصية ذكرية، وغالباً ما تربط المجتمعات الأبوية العقل بالرجال، على مبدأ "ناقصات عقلٍ ودين"، كما أن الحكمة تأتي وفقاً للحسّ الشعبي السليم مع التقدم في العمر واغتراف التجارب. وفي المجتمع التركي الحديث، يميل المتقدمون في السن إلى إطلاقها بعد أداء مناسك الحج، وحتى فترة غير بعيدة، كان الناس في الأرياف والبلدات التركية المحافظة يستنكرون على الشباب إطلاق اللحى، ويعتبرونه أمراً يليق بمكانة المتقدمين في السن.

بداية التحديث وحلق اللحية

  خلال حقبة السلطان محمد الثاني، طرِح موضوع التحديث تحت ضغط الهزائم المتلاحقة أمام روسيا والقوى الأوروبية، وضمن حزمة الإصلاحات السياسية والاجتماعية تغير الموقف من اللباس والشَعْر، فتبنّى محمد الثاني نمط لباس الجيوش الأوروبية الحديثة في جيش السلطنة، وحاول التخفيف من انتشار اللحى، وفي عام 1828، وبموافقة العلماء، منع على العامّة ارتداء العمامة واقتصرت على رجال الدين

واستبدلت العمامة بالطربوش، الذي يُرجع البعض أصله إلى البيزنطيين والبعض الآخر يرى أنه قادم من تونس.

وبسبب علاقة العثمانيين القوية بالألمان، انتقل الشارب الكبير منهم إلى العثمانيين، فخلال زيارة الإمبراطور الألماني ويلهلم الثاني للسلطان عبد الحميد في إسطنبول، لفت الأنظار بشاربيه الضخمين المفتولين، وبدأ بعض الناس من الطبقة المثقفة وأبناء الذوات بتبنّيه، كإشارة إلى الثقافة والجاه والقوة.

عهد الجمهورية

التحديث الأتاتوركي وشَعْر الرجال

جاءت نظرية الحداثة التركية متأثرة بنظريات الهندسة الاجتماعية الأوروبية ومتزامنة معها، وسعت إلى بناء دولة قومية حديثة، تتخلص من إرث السلطنة العثمانية وتوحّد اللغات في لغة واحدة هي التركية، وفي لهجة واحدة (لهجة إسطنبول)، في بلد شديد التنوع إثنياً ودينياً، وتوحّد أنماط اللباس والتذوّق الموسيقي. 

اعتمدت الحداثة التركية مفهوم العلاقة الجنسية الغيرية بشكل صارم لبناء عائلة تركية حديثة، وكجزء من تبني المظهر الغربي، وُجّه الرجال نحو الشعر القصير والذقن الحليقة، كما يظهر في صور كمال أتاتورك بعد تأسيس الجمهورية، وصدر عام 1935 قانون يمنع ارتداء الطربوش (وأي قبعة بدون حواف) وينصّ على استبداله بالقبعة الغربية، وفرضت عقوبات صارمة على من يخالف هذا القانون، يقال إنها وصلت حدّ القتل، استثني فقط رجال الدين من هذا القانون بدافعٍ عملي، وهو أن السجود يتطلب ارتداء غطاء للرأس بدون حواف! ومنذ ذلك الحين، والموظفون الحكوميون (والعسكريون بشكل خاص) والمسؤولون الرسميون يتشابهون في قصة شعرهم القصيرة والسوالف القصيرة والذقن الحليقة، ويمكن لأي متابع للبرامج الحوارية في الفضائيات التركية أن يميز أحياناً وجود أتاتوركيّين تقليديين من خلال قصة الشعر هذه.

سنوات الاستقطاب السياسي، الشَعْر ساحة معركة

مرت تركيا في السبعينيات من القرن الماضي، بحالة استقطاب سياسي حاد بين اليسار الماركسي وبين الجماعات القومية المتشدّدة، وتطوّرت الأمور إلى اغتيالات متبادلة، بدأها القوميون المتشددون من خلال ميلشياتهم المشهورة باسم "الذئاب الرمادية"، وخلال هذه المواجهات المسلحة والاغتيالات المتبادلة، كان يكفي للاستدلال على القومي المتشدد أو اليساري بنمط شاربه وشعره ليصبح هدفاً محتملاً. كان القوميون المتشددون يميلون إلى إطلاق الشارب الرفيع الذي يتدلى على أطراف الشفة بشكل يشبه حرف M أو حدوة الحصان، ولهذا الأمر عدة تفسيرات، فالبعض يرى فيه تمثيلاً للهلال الموجود في العلم التركي، ويرى فيه آخرون إحياء لتقاليد القبائل التركية القديمة المحاربة في وسط آسيا.

أما اليساريون فاشتهروا بالشارب الكثّ الشبيه بشارب إنجلز وستالين، مع وجود سوالف تشبه حرف الـ L احياناً تشبهاً بلينين. 

مهّدت حالة الاضطرابات هذه لانقلاب دموي قاده الجنرال كنان أَفْرَن Evren Kenan عام 1980، وفرضت في عهده قوانين صارمة، اتسم معظمها بالطابع المحافظ للحدّ من نفوذ اليسار، وشملت مجال الشَعْر، فمُنِع الموظفون الحكوميون والطلبة الجامعيون من إطلاق اللحى وإطالة الشعر وإطالة السالف، ومنع الشارب اليساري وشارب القوميّين، وقُبِل الشارب التقليدي الذي كان يطلقه المحافظون

اعتمدت الحداثة التركية مفهوم العلاقة الجنسية الغيرية بشكل صارم لبناء عائلة تركية حديثة، وكجزء من تبني المظهر الغربي، وُجّه الرجال نحو الشعر القصير والذقن الحليقة، كما يظهر في صور كمال أتاتورك بعد تأسيس الجمهورية

شعر رجال تركيا في عهد المحافظين

في الثمانينيات وبداية التسعينيات كان أبناء الطبقة الوسطى والليبراليون يميلون إلى الذقن الحليقة في مدن تركيا الكبرى، كأنقرة وبورصة واسطنبول وأزمير، فكانوا ينظرون إلى الشارب كعلامة على عدم التحضّر والفقر والذكورة غير المنضبطة، لكن هذا الوضع تغيّر تدريجياً منذ صعود حزب العدالة والتنمية المحافظ، والذي يتبني نمطاً من الشارب التقليدي يسمى شارب اللوزة badem bıyık وهو شارب قصير مشذب، كان نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه، أول شخصية سياسة إسلاميّة اشتهرت به منذ سبعينيات القرن الماضي، ثم تبنّته معظم الشخصيات المفتاحية في حزب العدالة والتنمية، وعلى رأسهم رجب طيب أردوغان. وبعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، مال معظم وزراء حزب العدالة والتنمية إلى إطلاق شاربهم بهذه الطريقة، كنوع من إثبات للهوية الأيديولوجية. 

وترافق وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم مع إحياء للماضي العثماني، فأنتِجت عدة مسلسلات تلفزيونية تحيي هذا الماضي؛ منها "قيامة أرطغرل" الذي أثّرت شخصياته في عدد من الشباب، وبالأخص شارب الممثل بوراك أوزجفيت Burak Özçivit ولحية الممثل خالد أرغينج çHalit Ergen. 

وإلى جانب هذا الأثر المحلي، أصبحت الموضة العالمية في عصر العولمة قادرة على اختراق كافة المجتمعات أكثر من أي وقت مضى، ونتج عن ذلك شيوع لحية الهيبيستر بين الشباب، والتي يصفها الباحث التركي بارين كايا أوغلو Barin Kayaoglu بلحية عابرة للأيديولوجيات.

في يومنا هذا، حين تسير في المدينة العملاقة إسطنبول، التي يقطنها ما يقارب 20 مليون إنسان، وتقف في انتظار الباص أو المترو ساعة الذروة لدى انصراف العمال والموظفين، يكفي أن تتأمل شَعْر الرجال، لترى كيف يحملون على وجوههم ورؤوسهم تاريخاً ثقافياً ودينياً وساحة معركة سياسية، وترى مجموعة من الشباب الهيبيستر المتتبعين للموضة، مثل كثير من الشباب في بقاع العالم المختلفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard