"شيطاني ذكر": هل يتخلى الشعر عن "فحولته"

الجمعة 14 يونيو 201904:45 ص

كان أفلاطون يرى أنّ جوهر الفنّ يكمن في إظهار الصراع بين العاطفة والأخلاق ومن ثمّ انتصار الأخلاق على العاطفة. ولقد نقل لنا في حواراته جدالاً بين الرسّام بارازياس وسقراط، انتهى إلى ما ابتدأنا به.

عندما رسم بارازياس لوحته "هروب برومثيوس من وجه زيوس" جلب عبداً وعذّبه حتّى أوشك أن يموت، وهنا صرخ العبد: "إنّي أموت"، فأجابه بارازياس: "اثبتْ كما أنت!".

أراد بارازياس أن يصوّر الموت في لحظته الخاّصة، إلّا أنّه لم يُلَم أخلاقيّاً من قبل مجتمعه، لأنّ الفنّ فحولة، فلقد أجاب على منتقديه: "بأنّه أسيري". لو كان أفلاطون من أصدر حكمه على بارازياس لكان أدانه، لأنّه سطا بالعاطفة على جوهر الأخلاق وهذا أيضاً موقف ذكوري؛ يا للعجب!

نُفي الشاعر أوفيد عن روما، لأنّه طالب بحقّ النساء بأن يعبّرن عن الحبّ، كما يذكر باسكال كنيار في كتابه (الجنس والفزع). أليس ذات الأمر الذي استُبعد من أجله عمر بن أبي ربيعة، من طبقة الفحول!؟ فالشعر الذي لا يتصف بالفحولة مرفوض من مجتمع ذكوري.

الفحولة كمعيار فنّيّ

كان بإمكان العرب أن يطلقوا على تماضر بنت عمرو، لقب المهاة (الشمس، أو البقرة الوحشية) وليس الخنساء (وهي الغزالة التي فقدت ابنها)، إلّا أنّ الثقافة الشعريّة الفحوليّة لا يمكن لها أن تخرج عن أنساقها، حتى لو أبهرتهم شاعرةٌ ما

استطاعت الخنساء أن تضع لها سهماً في دريئة الشعر العربي، ومع ذلك لم يكن سهماً بذي ريش. ولكي نفهم ذلك، علينا بتحليل اسمها وألّا ننشغل بشكل أنفها وأرنبته كسببٍ في التسمية.

الخنساء هي الغزالة التي فقدت ابنها ومن هنا جاء المثل: "الخنساء ضيّعت الفرير" كنايةً عن الضعف والحزن والسقوط تحت سطوة القدر، وعندما حدثت المقارنة بينها وبين الأعشى وحسّان، قال النابغة: "لولا أنّ أبا بصير أنشدني آنفاً لقلت: إنّك أشعر الجن والأنس، وما رأيت ذات مثانةٍ أشعر منك!".

ولندعم رؤيتنا أكثر، لا بدّ من ذكر بيت الشاعر أبي النجم العجليّ:

إنّي وكلّ شاعر من البشر/ شيطانه أنثى وشيطاني ذكر.

كان بإمكان العرب أن يطلقوا على تماضر بنت عمرو، لقب المهاة، وليس الخنساء، إلّا أنّ الثقافة الشعريّة الفحوليّة لا يمكن لها أن تخرج عن أنساقها، حتى لو أبهرتهم شاعرةٌ ما.


و"إنّي وكلّ شاعر من البشر/ شيطانه أنثى وشيطاني ذكر"، هل وظِّفت الفحولة كمعيار فنّي؟

سنجد في تاريخنا شاعرات عظيمات لكنّهن غير مشهورات، على الرغم من التقييم النقدي الكبير لهن، فهل نحرّر الشعر وسردياته من "فحولة" أسقط عليه على مدى قرون؟

يشتهر نزار قبّاني بأنّه شاعر الأنثى، لكنّنا معه أمام غزواتٍ غراميّةٍ تذكّرنا بفحوليّة امرئ القيس

هذا النمط من التفكير يقودنا إلى المعركة الشعريّة التي جرت بين امرئ القيس وعلقمة الفحل وانتصار أمّ جُندب له ومن ثم نكاحه لها.

تخبرنا الأساطير اليونانيّة أن ربّات الفن إناثٌ، لكنّ سيّدهن الإله أبولو، رمز الفحولة اليونانيّة، وإذا انتقلنا إلى العصر الحديث عبر الإله أدونيس ومن خلاله إلى الأدونيسيّة الشعريّة التي على الرغم من حداثتها وخروجها عن شكل القصيدة الفحوليّة القديمة إلّا أنّها تعيد ذات النسقيّة الفحوليّة، فموت أدونيس وبكاء الكون عليه، يذكّرنا ببكاء الخنساء على أخوتها، فالمدح والتعظيم وتسليط الضوء يتوجّه على أخوة الخنساء كما نرى في الأدونيسيّة.

إنّ الإصرار على رسم رأس كيلوبترا، كما نعرفه، ليس إلّا تمثّلاً للمذهب الأبولونيّ الذكوريّ كما ترى كاميلي باليا في كتابها (أقنعة جنسيّة)، وذات المذهب الأبولونيّ هو الذي صوّر لنا أثينا ربّة السياسة والحكمة اليونانيّة تولد من رأس الإله اليونانيّ زيوس.

من نزار قبّاني إلى محمود درويش

يشتهر نزار قبّاني بأنّه شاعر الأنثى، لكنّنا معه أمام غزواتٍ غراميّةٍ تذكّرنا بفحوليّة امرئ القيس. وإذا مررنا بالشاعر محمود درويش، بعد أن أنهكته قصيدته الفحوليّة (سجّل أنا عربي)، فذهب إلى لاعب النرد، لكنّه لم يخرج عن الحكمة الفحوليّة وها هو يستخدم كلمة مُبعدة عن قاموس النساء وهي (الوحي) فيقول: "لا دور لي في القصيدة إلاَّ/ إذا انقطع الوحيُ/والوحيُ حظُّ المهارة إذ تجتهدْ".

زمن كاهنات دلفي قد مضى منذ زمن بعيد، وإذا كان لنا أن نلحظ الشاعرة اليونانيّة (صافو) لابدّ أن نشير إلى ملاحظة الفيلسوف شيشرون عنها بأن وصف شعرها: بــ(أنّه رديء) وكأنّ حكمَه لسانُ حال الأصمعي: "الشعر إنْ دخل باب اللين، ضعف". ولكي نستوعب هذا الحكم المغرِض، لابدّ من معرفة أنّ المهلهل لُقِّب بهذا الاسم، لأنّه كان يتأنّث بشعره: أليست الفحولة من منعت طَرَفة بن العبد أن يفتح الرسالة! على عكس خاله المتلمّس الذي فتح الرسالة ونجا، ولذلك عدّه ابن سلام الجمحي في الطبقة السابعة من الفحول، لأّنّه كان مُقِلَّاً، والفحل مُكْثِر!

يسوقنا ما قدّمنا له أعلاه لمحاولة فهم أسباب تراجع الشعر عالميّاً من خلال النظر إلى أهم علمين في تاريخه الحديث، وهما بودلير ورامبو، اللذين مهّدا بشكل عملي للخروج عن النسق الفحولي للشعر.

هناك دراسة حديثة تعتبر أنّ بودلير كان مغرماً بأمّه! وبهذا نكون أمام أوديبيّة جديدة، فكما أنقذ أوديب مدينة طيبة من الهولة، لكنّه ارتكب المحرّمات أخلاقيّاً، فعل ذلك بودلير بأن فتح باباً جديداً للشعر بعد أن تحوّل إلى استنساخٍ باهتٍ لعظمة الشعر اللاتينيّ، إلّا أنّه نزع عنه صفة الفحوليّة. وهنا، علينا أن نلحظ أنّ بدء عصر المطبعة والترجمة كان لهما دورٌ مهمٌّ في خلخلة الوزن الاسكندراني، وانتقال القراءة بطريقة الصوت الصائت إلى الصوت المهموس والقراءة بالعين، وهذا يعني خلخلة أهمّ مَلْمَحٍ في فحوليّة الشعر، أي الخطابة، فلقد ذكر ألبرتو مانغويل في كتابه (تاريخ القراءة): "إنّ القراءة بصوت مهموس تجلب الشيطان". أليس الهمس جوهراً أنثويّاً!؟

الخطابة توأم الشعر السياميّ، بما لها من بعد قبلي/ جمهور/ شعب/ عسكر/ وحي/ نبوّة/ وكلّها مظاهر ذكوريّة. لقد اكتمل موت الخطابة مع رامبو، فقد قال كلمته ومضى إلى أخصّ خصيصة ذكوريّة بأعمال الفحولة، أي تجارة السلاح والجواري وكأنّه يقول: لا شعر مع انتهاء الفحولة؛ لذلك استبدلها بفحولةٍ من نوع آخر.

في خضمِّ الحرب الأهليّة الأمريكيّة كانت الشاعرة إيميلي ديكنسون تسكن قرب المقبرة حيث توارت جثث الجنود الذين سقطوا في الحرب، وعلى الرغم من ذلك، إلّا أّنها لم تكتب كلمةً عن الحرب الذكوريّة الفحوليّة كما يذكر الشاعر تشارلز سيميك، فهل كان ذلك موقفاً منها على ثقافة الفحولة التي تمجّد الحروب. في تلك الأزمنة كانت الرواية قد بدأ نجمها بالصعود، ولنتذكّر تقديم بوكاشيو في الديكاميرون: "إنّها قصص لتزجية النساء في جلساتهن".

استقلالية الرواية

ولدت الرِّواية دون إرث الفحولة الفنّيّة، ولنا في شهرزاد أكبر دليل على ذلك، فجاءت على تضاد مع الشعر بالكامل، مستوعبةً أساليبه، هاضمةً حتّى نبوءاته، إلّا أنّها لم تسقط في فخّ الفحولة السلطويّة بأشكالها كافّة، لذلك نجد فلوبير يصرخ: "أنا مدام بوفاري".

هذه الاستقلالية الفنّيّة، هي من سمحت للرواية أن تسود على حساب الشعر، الذي ظلّ يتأرجح بين فحولةٍ آفلةٍ باهتةٍ غير مجدية مع أنّها تحقق انتشاراً واسعاً بين المستمعين، فنجدها لدى شعراء العامية الذين مازالوا ينزحون ماء شعرهم من ماضي الفحولة الخطابيّة، وفي المقلب الآخر، نثريّة شعريّة تخلّت مع الوقت عن فحوليّتها الشعريّة، فضمرت، لذلك سنجد شاعرات عظيمات لكنّهن غير مشهورات، على الرغم من التقييم النقدي الكبير لهن، وبالإضافة إلى ذلك، لن نلقى بعد آخر الفحول الشعريين، محمود وأدونيس من يستطيع أن يجاريهم شهرة.

حقّقت الأنوثة في الرواية ما لم تنجزه في الشعر، فنستطيع دون جهد يُذكر أن نعدّ الكثير من أسماء كاتبات الرواية، لكنّنا سنحتاج إلى google حتى نرجع للذاكرة أسماء الشاعرات حتّى في زمننا الحالي.

لربما على الشعر أن يتعلّم من الرواية ويتخلّى عن ذكوريّته، سواء أكان ذلك لدى الشاعر أو المتلقّين، وساعتها سنأمل بعودة مظفّرة له.

هل الشعر إذاً مرتبط بالفحولة؟ ولن ينقذه كلّ الندب ولا عمليات التجميل التي لن تصلح ما أفسده الدهر؟ وهل يمكن أن نجعل الشعر حيواننا المنقرض، فهو لم يعد كلب (دوبرمان) للحراسة، ولا ثوراً لحراسة الحقل، فهو أقرب، الآن، لزعنفة القرش الذي تبدو من بعيد، كخشبة نجاة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard