راقصو الزنّة في تركيا… روح كويرية تعود من الماضي إلى مسارح إسطنبول

السبت 29 أغسطس 202011:59 ص


على جداريات قصر "طوب كابه" دُوّنَ نصّ يصف الراقصين الذكور الذين كانوا يرتدون ثياب النساء في العهد العثماني، ليرقصوا ترفيهاً عن السلطان. اختفى هؤلاء الراقصون أيام الجمهورية، بعد أن هبّت رياح الحداثة الغربية على السلطنة وفُرِضت مفاهيمها قسرياً على المجتمع من قبل مصطفى كمال أتاتورك، غير أن هؤلاء الراقصين نجحوا في الهروب من تدوينات جداريات القصر، وعادوا من جديد إلى مسارح إسطنبول، وشكلوا ظاهرة جديرة بالنقاش في أسباب اختفائها وعودتها ودلالاتها.

ظهور الراقصين في ثياب النساء في العهد العثماني

لم يكن تجسيد الأدوار النسائية من قبل الرجال عبر التاريخ مقتصراً على منطقة جغرافية دون أخرى، فهو يشمل أوروبا، الشرق الأقصى، طقوس الشامانيّة، الشرق الأوسط وحضارات عديدة. ينطبق ذلك على مسرحيات شكسبير في عصر الملكة إليزابيث. وفي عام 1660 ظهرت أول ممثلة في انكلترا، وتضمّن إعلان المسرحية تنبيهاً للجمهور بأن من يؤدي الدور امرأة وليس رجلاً متنكراً بزي امرأة.

يشير مصطلح الزنّة Zenne في اللغة التركية، إلى الرجال الذين يؤدون أدوار النساء في كافة فنون المسرح والفنون الأدائية. ففي العهد العثماني، كان صبي يافع أو شاب يرتدي ثياب امرأة ويقلد سلوكيّاتها ونبرة صوتها، وحتى في مسرح خيال الظل، كراكوز وعواظ (Karagöz ve Hacivat)، كانت الشخصيات النسائية تسمى بالزنّة، والكلمة أساساً فارسية وتعني المرأة.

"في الشوارع يرموننا بالحجارة، وفي المسارح يحتفون بنا".

ومن الناحية التاريخية، بدأ ظهور راقصي الزنّة منذ القرن السابع عشر، بسبب القواعد الدينية التي تنص بحرمانية رقص النساء أمام الرجال، فانكفأت الجواري والمحظيات، من فضاء ذكوري علني إلى جناح الحريم السرّي في قصر السلطان، ولم يطل الأمر حتى انتشر هؤلاء الراقصون في حانات اسطنبول.

أنواع راقصي الزنّة

انقسم راقصو الزنّة بناء على طريقة اللباس والسلوكيات إلى نوعين: كوچك وتاوشان. كان صبيان الكوچك Köçek الأكثر انتشاراً، وتعود تسميتهم إلى الفارسية وتعني الصغير، كان الكوچك يرتدون أزياء نسائية ملونة وجذابة، ويحتذون بسلوكيات نساء الطبقة الأرستقراطية. أما صبيان التاوشان فتسميتهم تعني في التركية الصبي الأرنوب tavşan oğlan، ويعود السبب إلى حركات هزّ الرأس وقفزاتهم الراقصة الخفيفة التي تشبه حركات الأرنب، وكانوا يرتدون شروالاً أو ثوباً أسود فضفاضاً.

كان اختيار الكوچك يتم من الأطفال الذكور الجميلين من الأقليات غير المسلمة، كاليونانيين، الأرمن، اليهود، الألبان، الغجر والكروات، ويخضعون لتدريب صارم منذ نعومة أظفارهم، ويستمر هذا التدريب حتى يبلغوا الرابعة عشر أو الخامسة عشر، حينها يبدؤون الرقص كمحترفين، ويستمرون فيه حتى اكتمال لحاهم، أو فساد جمالهم، كما يذهب التعبير التركي حينها.

كان الكوچك يرقصون في كل الأماكن والمناسبات: في احتفالات السلاطين، في بيازيد، في محلّة تحت القلعة، في القرن الذهبي وعلى البوسفور، في الساحات العامة، والحانات، وفي خيم تُنصَب خصيصاً لهذا الغرض وفي المقاهي التي تُعزف فيها الموسيقى الشعبية.

تاريخياً، بدأ ظهور راقصي الزنّة منذ القرن السابع عشر، بسبب القواعد الدينية التي تنص بحرمانية رقص النساء أمام الرجال، فانكفأت الجواري والمحظيات، من فضاء ذكوري علني إلى جناح الحريم السرّي في قصر السلطان، ولم يطل الأمر حتى انتشر هؤلاء الراقصون في حانات إسطنبول

لا نعثر على الكثير في كتابات المؤرخين الأتراك عن راقصي الزنّة، لأن رقصهم اعتبر غير لائق أخلاقياً، ويعتبر كتاب سورنامه هُمَایون The Surname-i Hümayun أهم السجلات المحلية التي وثقت الظاهرة، ويقدم الكتاب مجموعة من الصور توثق احتفالات البلاط السلطاني، يظهر في إحدى الصور التي تعود إلى عام 1582، كوچك يرقص وبيده صنجات بمرافقة 7 موسيقيين.

بالمقابل، تحدث كثير من الرحالة والمستشرقين الغربيين عن راقصي الزنّة، وركزوا على الجانب الغرائزي والإيحاءات الجنسية في الرقصات، مثل جول كوفل، الذي وصف الراقصين بأنهم ذوو مهارة فائقة ويثيرون الشهوات والغرائز.

تأسيس الجمهورية واختفاء راقصي الزنّة

بدأ الانحسار التدريجي لراقصي الزنّة مع الإصلاحات التي حاكت الحداثة الغربية في السلطنة العثمانية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتمت من خلال ما عرف بـالمشروطية meşrutiyet (أي التمسك بمبادئ الدستور)، والتنظيمات tanzimat (أي إعادة التنظيم)، ألغي بموجب هذه الإصلاحات قانون أهل الذمة في التعامل مع الأقليات غير المسلمة، وأصبح الجميع مواطنين متساوين، غير أن هذه الإصلاحات تضمّنت أيضاً محاكاة الأخلاقيات الفيكتورية، فمنع السلطان عبد المجيد عام 1856 رقص الزنّة.

لم يكن تجسيد الأدوار النسائية من قبل الرجال عبر التاريخ مقتصراً على منطقة جغرافية دون أخرى.

ومنذ ذلك الحين وراقصو الزنّة ينسحبون تدريجياً من المسارح والمساحات العامة، وصولاً إلى عهد الجمهورية الذي شهد محاولات أتاتورك لخلق هندسة اجتماعية قسرية تحاكي النمط الغربي، حينها اختفى راقصو الزنّة وأصبحوا شبحاً من الماضي، يداعب الخيال ويختبئ في جداريات قصر "طوب كابه". كما أحاط عهد الجمهورية الثنائية الجنسية الغيرية (رجل- امرأة) بهالة من القداسة لدورها في إنشاء العائلة، نواة الأمة، مع تقديس كبير لدور الجيش الذي بات تكثيفاً لكل مفاهيم الفحولة موضوعة في خدمة الدولة-الأمة، وحلت الراقصات النساء محل راقصات الزنّة، واحتللن المسارح من جديد.

راقصو الزنّة يعودون من جديد

عبّر وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عن هوية إسلامية خفية طالما حاول الأتاتوركيون إخفاءها، وترافق قدوم الحزب إلى السلطة مع ميل نحو إحياء وتمجيد الماضي العثماني، باعتباره يجمع بين المجد القومي والتقوى الدينية.

هذا الحنين إلى الماضي العثماني لم يكن حكراً على الإسلاميين بل ملمحاً عاماً في اسطنبول، عاصمة الإمبراطورية العثمانية، والمدينة المتروبولية الكبرى أيام الجمهورية. هذا ما عبّر عنه الروائي أروهان باموق، حين تحدث عن أثر التحديث الأتاتوركي على إسطنبول، والذي اختفت معه فجأة أجزاء كاملة من الثقافة العثمانية، لكن طيف الماضي لا بد أن يعود طالما لم يُنجز قطع حقيقي معه، على المستوى الاجتماعي وعلى مستوى الهوية القومية التي شكّل وجهاً خفياً لها، يقول باموق: "بدا لي أن جهود التغريب هي انهماك بالتخلص من أشياء محمّلة بذكريات مؤلمة باقية من امبراطورية منهارة، أكثر منها رغبة بالحداثة: كما يحدث عندما تموت حبيبة فجأة، فترمى ألبستها وزينتها وأغراضها وصورها من أجل التخلص من ذكراها الصادمة. ولعدم استطاعة تأسيس عالم معاصر بديل جديد قوي وصلب، غربي أو محلي، فقد أفادت تلك الجهود على الأغلب بنسيان الماضي، وتبسيط الثقافة واجتزائها".

ربما حققت محاولات المثليين والكويريين اقتحام الفضاءات العامة بعض النجاحات، لكنها قوبلت بحركة مضادة من الفئات المحافظة، حيث تشهد تركيا في العقد الأخير عنفاً متصاعداً تجاه المثليين والنساء العابرات جنسياً

أدى إحياء الحنين إلى الماضي إلى انطلاق النقاش حول تاريخ العثمانيين، وعاد راقصو الزنة إلى الظهور في المسارح العامة والسهرات الخاصة، ويجمع جمهور الفرجة هنا بين أشخاص من فئات اجتماعية متنوعة، تضم العلمانيين والليبراليين الذين يجدون في الزنّة متعة وتسلية مختلفة ذات طابع نوستالجي، ويمكن أن نضم السياح الأجانب إلى هذه الفئة، إلى جانب هؤلاء توجد فئات محافظة تفضل وجود راقص الزنّة الذكر بدلاً عن الراقصة الأنثى!

كما تأثّرت تركيا بالانتصارات الكبيرة التي حققتها حركة المثليين والكويريين في الدول الغربية، فبدأت قضيتهم تطرح بشكل علني، هيّأ ذلك المناخ الملائم لعودة راقصي الزنّة.

لا نعثر على الكثير في كتابات المؤرخين الأتراك عن راقصي الزنّة، لأن رقصهم اعتبر غير لائق أخلاقياً.

يجسد راقص الزنّة التناقض الكامن في الثقافة التركية المعاصرة، فهي تتضمن ممارسات جنسية مثلية متنوعة، إلى جانب نزعة جنسية غيرية صارمة تحت تأثير الحداثة الأوروبية.

لذلك أصبح جسد الزنّة الراقص جسداً سياسياً، يشبه ساحة معركة تُخاض فيها صراعات الجمهورية التركية، بين القومية العلمانية وبين التاريخ العثماني الديني، وبين الموروث الجنسي وبين الحداثة الفوقية المفروضة على المجتمع.

ربما حققت محاولات المثليين والكويريين اقتحام الفضاءات العامة بعض النجاحات، لكنها قوبلت بحركة مضادة من الفئات المحافظة، حيث تشهد تركيا في العقد الأخير عنفاً متصاعداً تجاه المثليين والنساء العابرات جنسياً، ربما هي مرحلة انتقالية تتضمن تيارات متناقضة، ويتجلى هذا التناقض في الموقف من راقصي الزنّة، هذا ما تعبر عنه إحدى النساء العابرات جنسياً بقولها: "في الشوارع يرموننا بالحجارة، وفي المسارح يحتفون بنا".

ربما يعود السبب إلى أن راقصي الزنّة على المسارح لا يبدون كائنات واقعية بل كائنات نوستالجية محمّلة بالفانتازيا، أما في الشارع فهم يقتحمون الفضاء العام بشكل طبيعي، وهذا أكثر ما يرعب الحضارة الذكورية ويهددها في الصميم. فتطبيع حضور المثليين يهدد بتقويض الفحولة، الفحولة التي تبدو في تركيا بنية متكاملة تجمع فحولة العسكر، حرمانية الخطاب الديني وأحادية الخطاب القومي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard