من ألم عادي لصداع نصفي إلى ورم... رحلة الأوجاع المخيفة في مستشفيات غزة

السبت 20 فبراير 202104:31 م

استيقظ أحمد وليد (21 عاماً) من نومه ذات صباح، وأحس بأن شيئًا ثقيلًا داخل رأسه، يمر الوجع بشكل سريع، ظن أن سببه "شيء عادي، مثل: انخفاض الضغط، أو ارتفاعه، أو دوخة خفيفة"، تماماً مثل الكثيرين عندما يمرون بالأعراض ذاتها.

"يقول لنا تعالوا بعد أسبوع".

يقول وليد، وهو طالب جامعي من غزة، لرصيف22: "توجهت إلى مستشفى الشفاء بغزة، كانت الآلام شديدة، لا أستطيع المشي بمفردي، وفي كل مرة يطلب الطبيب إجراءً صحياً، ويقول لنا تعالوا بعد أسبوع، وبقيت على هذا الحال لمدة أسبوعين، وفي مرة من المرات قلت له: يا دكتور، الصلاة بطلت أعرف أصليها من الوجع".

تابع أحمد، والبسمة لم تفارق شفتيه: "ذهبت بعدها إلى دكتور خاص، وقال لي أن هناك مشاكل في الأعصاب، وأعطاني اسم دواء، ولكن دون جدوى، وبعد ذلك بيوم أُغشي عليّ من شدة الألم، وذهبت إلى مجمع الشفاء الطبي، ونفس الكرة أعيدت من جديد، فحص ضغط ودم، وكانت النتيجة طبيعية".

صداع وصراخ

استيقظ أحمد ذات صباح بحالة يُرثى لها، أخذه والده إلى مجمع الشفاء الطبي في غزة، وبعد الفحوص، قال الدكتور له: "هذا صداع نصفي، وعليك البقاء تحت نظرنا لفترة"، اضطر للنوم بالمستشفى، وزاد الوجع، وحدة المسامير التي تدق في رأسه.

يقول: "لم أستطع فتح عينيّ وكنت أصرخ كثيراً، وكان المسكن لا يخفف الوجع، ومن شدة الألم دخلت بغيبوبة، وبعدها عملت صورة أشعة الرنين المغناطيسي".

وأوضح أحمد أن والده انفعل على الأطباء عندما أخبروه أن "ابنه بتعاطي مخدرات"، مجيباً: "هو أي واحد موجوع، وجاي ع الشفاء، وعملتو له بعض الفحوصات، ولقنوهم طبيعية يبقى خلص يتعاطى مخدرات".

"في الأول يقولون لنا كل مرة تعالوا بعد أسبوع، ثم آلام عادية، ثم قالوا لأبي أني أتعاطى المخدرات، ثم صداع نصفي، وأخيراً شخصني أحد الأطباء بأنه ورم في المخ يحتاج إلى استئصال"

ويكمل: "وأخيراً صُدمت عندما أخبرني دكتور أخصائي جراحة المخ والأعصاب أن لدي ورماً في الرأس، وأني بحاجة ضرورية لإجراء عملية استئصال له، رغم نسبة نجاحها التي لا تتجاوز 10 %، وأبرز مخاطرها فقدان النطق، أو الشلل".

الأحاسيس الغامضة والمخيفة التي رافقت أحمد طوال رحلته مع الورم، ترافق الكثيرين في غزة بمناطق مختلفة في أجسادهم، وتدفع البعض للابتعاد قدر الإمكان عن المستشفيات والعيادات الخاصة، مثل البائع المتجول أبو أحمد (60 عاماً)، الذي كلفه سلوكه ذلك الكثير.

"رائحة حرق في قدمي"

يتذكر أبو أحمد تلك اللحظة: "بينما كنت أقضي إحدى الأمسيات برفقة أصدقائي، مستمتعاً بالأجواء سقطت على قدمي جمرة من نارجيلتي، لكني لم أشعر بسقوطها إلا بعد انتشار رائحة الحرق، فانتبهت أخيراً لقدمي المصابة ".

لم يبال بجرحه، قام بربطه فقط، وأكمل أمسيته؛ وبمرور يومين بدأ يشعر بآلام في قدمه المصابة بالحرق مع تغير لونها للأزرق.

يقول أبو أحمد لرصيف22: "الأطباء الله يخلف عليهم قاموا بالواجب وأكثر، لكن يلي طير برج من راسي سؤال الطبيب لي عن آخر مرة عملت فيها فحص السكر، وكيف انتظامه عندي، هبيت فيه أنا بقولك رجلي محروقة، وأنت بتقولي السكر أيش فيك يا دكتور، قال للأسف أنت مصاب بمرض السكري، ونتيجة لإهمال للجرح، أصيبت قدمك بالغر غرينا ومجبرين على بتر قدمك على الفور".

"أنسى أحياناً أن ساقي مقطوعة، وأنا بحاجة لمن يساعدني على الوقوف في بعض الأحيان، حين أقف وحدي، أسقط على الأرض"، يقول أبو أحمد.

يرجع الدكتور محمد صابر البرعي (في حديث لرصيف22) تضاعف الأعراض، وإهمال أبو أحمد إلى حالة "الفقر والعوز"، نتيجة عدم قدرته على إجراء فحوص شهرية، أو زيارة طبيب في عيادة خاصة، أو مستشفى حكومي.

"صوتي انقطع فجأة"

كانت هدير محمد (27 عاماً) من غزة، تمارس الفروسية، رياضتها المفضلة، وبينما هي مستمتعة بركوب الخيل، حاولت الصراخ بحماس إلا أن صوتها غاب فجأة.

تماماً مثل أبو أحمد، لم تذهب إلى الطبيب على الفور، بمجرد عودتها إلى البيت، واظبت على شراب الأعشاب الساخنة لعلها تريح أحبالها الصوتية، ظناً منها أن فقدان صوتها راجع لكونها مصابة بإحدى نزلات البرد، التي لا يسلم منها أحد.

تقول: "الوضع لم يتغير حتى بعد يومين؛ لذا قررت الذهاب للصيدلي الذي صرف لها دواء (Strepsils) بالعسل والليمون لالتهاب الحلق".

وتضيف: "تسلل داخلي شعور أني مصابة بأحد الأمراض الخطيرة، وذلك بعد مرور شهر كامل على تناول جرعات العلاج، ولم أشف من مرضي المجهول، ولم يرجع لي صوتي، فصرت أشعر أن الدنيا أغلقت بابها في وجهي وأيامي الجميلة شارفت الغروب".

في الغالب لا يصل المريض في غزة إلى المستشفى إلا في الحالة القصوى من إحساسه بالألم، أو المتأخرة في الشعور بمضاعفات المرض، يبدأ في رحلة قد تنتهي بموته من تشخيصات طبية متضاربة

وتكمل لرصيف22: "قررت أخيراً الذهاب إلى العيادة الطبية التابعة لوزارة الصحة، ومنها تم تحويلي إلى المستشفى العام، وهناك أجرى لي أحد الأطباء بعض الفحوص، بالإضافة إلى فحص المنظار الطبي، وعليه أثبتت إصابتي بكيس على الطية الصوتية، لذا خضعت لعملية جراحية عاجلة تم بها استئصال هذا الكيس حتى عاد لي صوتي من جديد، وعاد معه شعوري بالاطمئنان، وفرحتي بالشفاء".

وتختم: "العناية الإلهية دائماً في جانبنا، وسنبقى مبتسمين ما دام هناك أمل".

يقول الأخصائي النفسي الدكتور عمر أبو طه لرصيف22: "ينتاب الشخص في المرحلة الأولى من الألم شعور عام، غامض، غير سار بالتوجس، والخوف، والقلق فتؤثر على أعصابه سلباً".

ويضيف: "الدعم النفسي للمريض قبل اكتشاف المرض مهم جداً من شأنه أن يخفف من التوتر بشكل كبير ويحد من تطور ردود الفعل البسيطة إلى ردود فعل حادة".

ويرى أبو طه الحل في اتباع وزارة الصحة برنامج طبي شاملاً للوصول إلى المناطق المهشمة أو الأفراد الذين تجاوزوا الـ50 عاماً من أجل متابعة أوضاعهم الصحية عن كثب، وتجنيبهم مزيداً من الأضرار بسب جهلهم وفقرهم.

"اعتدوا على الطاقم الطبي"

في الغالب لا يصل المريض في غزة إلى المستشفى إلا في الحالة القصوى من إحساسه بالألم، أو المتأخرة في الشعور بمضاعفات المرض، تنتابه الهواجس حيال وضعه، هو وعائلته وأصدقاؤه، تلك الحالة من الضغط النفسي والعاطفي، يواجَه بها العديد من الأطباء في مستشفيات غزة، خاصة قسم الاستقبال والطوارئ.

"هذا ليس من شغلك، عالج وأنت ساكت".

هذا الضغط يتعرض له الطبيب محمود العاصي (30 عاماً) من سكان شمال غزة، في قسم الاستقبال والطوارئ بمستشفى "كمال عدوان"، بين الفينة والأخرى. يقول لرصيف22: "ذات مرة وصل شاب في الثلاثين من العمر، فاقد الوعي في البداية، وجدنا صعوبة في التعامل معه، نظراً لكثرة المرافقين الذين ضج بهم قسم الطوارئ. طلبت من جميع المرافقين المغادرة حتى نستطيع القيام بعملنا على أكمل وجه، فكان ردهم: هذا ليس من شغلك، عالج وأنت ساكت".

ويتابع: "قلت لهم إذا كنتم تحبون المريض ابعدوا عنه. فحصته فكان النبض متوقفاً مما دفعني مباشرة إلى سؤال أحدهم، ممّ كان يعاني المريض، فقال من آلام شديدة ‫في الصدر وضيق في التنفس. رجعت إلى الوراء خطوة، وأمنت نفسي من الاعتداء وقلت لهم يجب فوراً إدخاله غرفة الإنعاش، الكادر الطبي بذل جهوداً جبارة من أجل إعادة النبض مجدداً إلى قلبه، إلا أن أمر الله كان نافذاً، توفى المريض نتيجة إصابته بنوبة قلبية، كنا خايفين أن نبلّغ بحالة الوفاة قبل حضور الأمن من أجل الحماية، رغم ذلك قاموا بضرب الكادر الطبي، وتحطيم محتويات المستشفى، ناهيك بالسباب والشتم".

ويقول مدير مكتب منظمة الصحة العالمية في غزة الدكتور عبد الناصر صبح لرصيف22 إن قطاع غزة يمر، منذ أكثر من سنوات بمرحلة "صعبة جداً شملت الحصار، وتدهور المحددات الاجتماعية للصحة، وزيادة الفقر والبطالة، بالإضافة إلى التدمير في القطاع الصحي من ناحية الإنشاءات والبني التحتية".

وطالب صبح المانحين بتقديم المال للخدمات الأساسية من أجل منع "التدهور الصحي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard