"الحجر في غزة هو الجحيم بعينه"... أجواء كورونا تعود إلى القطاع

الأربعاء 26 أغسطس 202005:30 م
امرأة مصابة بفيروس كورونا، المرأة ليست في الحجر، بل في منزلها وتختلط بالناس. أربعة من عائلتها مصابون، زوجها يعمل في سوبرماركت. إغلاق مخيم المغازي ومنع الحركة منه وإليه… كل هذه الأخبار انتشرت كالنار في الهشيم، ليلة الاثنين الماضي، وبدأت حالة من البلبلة ممزوجة بالقلق في قطاع غزة، الذي ظل الحصن الأخير تقريباً في العالم طوال الأشهر السبعة الماضية، وأحبط فرص تسلل الفيروس إلى داخل مدنه ومخيماته.

إغلاق شامل

مباشرة، بعد تأكد وزارة الصحة من وجود أربع إصابات لمواطنين خالطوا مريضة قادمة من معبر إيرز، شمال القطاع، قامت الحكومة بإعلان حالة الطوارئ، وفرضت حظر التجول، والذي كان مرتبطاً بإتمام إجراءات رصد خارطة الوباء، حسب حديث رئيس المكتب الإعلامي الحكومي، سلامة معروف، لرصيف22.

يقول معروف: "نحاول بالإجراءات تتبُع مصدر العدوى، ومعرفة كيف انتقلت إلى هذه الحالات الأربع المصابة، لاتخاذ الإجراءات العامة الطبية المناسبة، وبالتأكيد تتبع موضوع المخالطين وحصرهم والتعامل معهم حسب البرتوكول الطبي".

مضيفاً: "مسألة استمرار فرض حظر التجوال بعد 48 ساعة، أو تغير شكله، بما يسمح لبعض القطاعات الأساسية بالعودة إلى العمل، كل هذه الإجراءات موجودة ومستحضرة ضمن الخطة الحكومية، ويبقى الأمر مرهوناً بالمعطيات التي تقدمها وزارة الصحة لتشخيص الواقع الوبائي، وكل السيناريوهات واردة ومحتملة الحدوث".

وفي حال تم تمديد حظر التجوال وفرضه بقوة القانون والشرطة المنتشرة في الشوارع، يؤكد معروف عودة عمل بعض القطاعات الأساسية والضرورية التي توفر الخدمات الأساسية للمواطنين، مثل: المخابز والبقاليات وأماكن التموين.

"أنا بدي أترزق لأني أنا كمان بدي أروح أشتري مونة لبيتي، ولا بدي أنحجر أنا وأمي وأبوي وأخوتي ونعيش على المية؟"

ويؤكد معروف أيضاً على الاستمرار خلال اليومين المقبلين في إغلاق جميع مساجد قطاع غزة، تعليق الدراسة، إغلاق جميع المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، بما في ذلك رياض الأطفال والمدارس ومؤسسات التعليم العالي.

أما عن الإجراءات المتعلقة بالحظر المنزلي، فقد دعا معروف المواطنين للاستجابة والتعاون مع الإجراءات والتوجيهات التي تعلنها الجهات الحكومية، وأهمها الالتزام في المنازل، عدم الخروج بأي حال من الأحوال إلا لظرف قاهر، وترك المجال لطواقم الطوارئ العاملة لإتمام عملها، قائلاً: "نأمل من المواطنين الالتزام والأخذ بكافة الإرشادات التوعوية التي ننشرها فيما يخص السلامة الشخصية والوقاية الذاتية".

"تجّار تلاعبوا بالأسعار"

وقد حذرت وزارة الاقتصاد الوطني التجار من التلاعب بأسعار المواد الغذائية والتموينية، رفع أسعارها واحتكارها، خصوصاً بعد حديث الناس المتكرر، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عن ارتفاع غير طبيعي في أسعار الخضروات والسلع الاستهلاكية.

وكيل وزارة الاقتصاد يصدر قرار بشأن حظر زيادة أسعار السلع دون موافقة الوزارة

غزة -الدائرة الإعلامية

أصدر وكيل وزارة...

Posted by ‎وزارة الاقتصاد الوطني - المحافظات الجنوبية‎ on Tuesday, 25 August 2020

وأكدت الوزارة أنها سجلت 15 محضر مخالفة بحق تجار تلاعبوا بأسعار الخضروات، وجاري اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم.

كما استنكرت غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة، قيام بعض التجار باستغلال الأوضاع الطارئة في القطاع ورفع أسعار السلع، دون مراعاة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون، وناشدت كافة التجار بضرورة توفير أعلى درجات الوقاية والالتزام بإجراءات السلامة المشددة، والمعلن عنها من قبل وزارة الصحة الفلسطينية.

"بدّي أبيع"

يتجاهل أبو محمد (52 عاماً)، صوت سيارات الشرطة، وهي تنادي على المواطنين والبائعين التزام المنازل، ويصرّ على البيع على عربته المتجولة لتأمين قوت أسرته المكونة من 7 أفراد، قائلاً: "كورونا مش كورونا بدي أبيع، من وين أسترزق لو قعدت في الدار؟ ومن وين أطعمي ولادي؟ ما حدا سائل فينا".

ويمسك بعض حبات البندورة، مضيفاً: "هاي الخضرة دفعت نص حقها، ولازم أدفع بكرة النص التاني بعد ما أبيعها. إيش العمل؟".

وعند سؤاله ما إذا يخشى أن يتم إيقافه من قبل الشرطة، قال لرصيف22: "يأمنولي أكل لأولاي وأنا بقعد في الدار".

"فرصة للرزق، والمكسب مضاعف".

أما محمود الساعي، الشاب الثلاثيني، فنزل هو الآخر لسوق الشاطئ غرب مدينة غزة، منذ أن أعلنت الحكومة حالة الطوارئ، قائلاً: "هاي فرصة للرزقة، اللي كان يشتري كيلو بندورة اليوم بشتري خمسة، يعني المكسب مضاعف".

مضيفاً: "أنا بدي أترزق لأني أنا كمان بدي أروح أشتري مونة لبيتي، ولا بدي أنحجر أنا وأمي وأبوي وأخوتي ونعيش على المية؟".

ولم تتردد أم عبد الله مفلح، في إبقاء بسطتها أمام المنزل لوقت متأخر من الليلة الماضية، قائلة لرصيف22: "كمان بكرة بدي أبسط، لأني لو سكرت وروحت ما حدا حيدور علينا، وغير هيك أنا فتحت لأنه الناس بدها تشتري، لو أنا سكرت وغيري سكر الناس حتموت من الجوع".

"قطاعنا الصحي مترهل"

ويؤكد د. أشرف القدرة، الناطق باسم وزارة الصحة، أن 114 إصابة تم تسجيلها منذ مارس الماضي، من العائدين عبر الحدود. تعافى منها 72 إصابة ولا زال هناك 41 إصابة تحت العلاج، كلها في مستشفى العزل، بالإضافة الى حالة وفاة واحدة في مايو الماضي. لكن الجديد اليوم هو تسجيل الإصابات الأربعة الجديدة داخل القطاع حيث الكثافة السكانية العالية.

قائلاً: "هناك تتبع لخارطة المخالطين في المنطقة التي تم الإعلان عنها، واكتشاف الحالات فيها، وحتى اللحظة فرق المتابعة مستمرة، ولم نحدد العدد النهائي للمصابين، حيث فتحنا الرقم المجاني لاستقبال بلاغات المواطنين عن أي أعراض تصيبهم مشابهة لأعراض كورونا، وإذا ما خالطوا أي من المصابين".

"نعيش في مرحلة حرجة للغاية".

ويؤكد د. القدرة في حديث لرصيف22 أن قطاع غزة يعيش مرحلة حرجة للغاية مع استمرار الحصار الإسرائيلي منذ أكثر من 14 عاماً، والذي أوجد حالة من العجز لدى القطاع الصحي بنسبة 45% في الأدوية، و31% في المستهلكات الطبية، و65% في لوازم المختبرات وبنوك الدم، عوضاً عن شحّ مواد الفحص المخبري الخاص بفيروس كورونا، إضافة إلى أزمة الكهرباء التي تشتد يوماً بعد يوم، جراء انقطاع التيار الكهرباء عن قطاع غزة لمدة 21 ساعة، بعد توقف محطة توليد الكهرباء والعجز في احتياطي السولار، ما يعيق تشغيل المولدات لدى المستشفيات.

ويقول القدرة: "كل هذه الأزمات التي تواجه القطاع الصحي تجعله قطاعاً هشاً أمام مواجهة فيروس كورونا، رغم أننا في الحكومة وضعنا خطة لمواجهة الفيروس، لكن نحتاج توفير مقومات صحية بقيمة 59 مليون دولار. نحتاج لدعم حقيقي للقطاع الصحي من المؤسسات الدولية".

مضيفاً: "إذا تفشى الفيروس لا سمح الله، فإننا نعاني كذلك من العجز في أجهزة التنفس الصناعية، فنحن لدينا 63 جهاز تنفس صناعي، و86 سرير عناية مكثفة، مشغول أكثر من 80% منها في الوضع الطبيعي القائم في القطاع، ويبقى 20% منها لاستقبال الحالات الصعبة من كورونا، وبالتالي لدينا عجز كبير في أجهزة التنفس الصناعي".

أما عن التنسيق مع الحكومة الفلسطينية في رام الله يقول: "نبذل كل الجهود وفق الإمكانيات المتاحة والواردة من وزارة الصحة من رام الله، وطلبنا منهم بالأمس المساعدة العاجلة لكن دون إجابة حتى اللحظة، رغم تأكيد وزيرة الصحة أنها تتابع الأمر".

جيوبنا معدومة

وكما اعتاد الغزيون خلال الحروب التي مرت على قطاع غزة، فانهم يسارعون إلى تموين منازلهم بالحاجات الأساسية، لكن هذه المرة كان الإقبال على الشراء له طابع مختلف.

تقول الحاجة أم أدهم، 55 عاماً، لرصيف22: "والله يما، نزلت على طول على بياع الذهب بعت ختامي وبضعت الدار لأسبوع، لأنه الطوارئ يومين، لكن ممكن يمددوها، وأنا عندي أولاد 6 وعندي بنت أبني بترضع، وبدها حليب وبامبرز والرواتب تأخرت، كان لازم أنزل أتصرف".

أما صبحي شبلاق، فأكد أن الناس تعودت على التخزين السابق للاحتياجات المهمة، وبالتالي هي متوفرة بكل بيت، وفي بعض المحال التجارية عاملة خدمة توصيل مجانية أيضاً، لكن هذا لا يعني أن كل الناس قادرة على ذلك بسبب الوضع الاقتصادي الصعب.

عند سؤاله ما إذا يخشى أن يتم إيقافه من قبل الشرطة قال: "يأمنولي أكل لأولاي وأنا بقعد في الدار"

وتقول أم هاني العشي: "يعني أكيد كل دار ما بتخلى من عدس ورز ومعلبات وبيض، مش ضروري الناس تأكل دجاج ولحمة، المهم نلتزم البيوت" ·

أما الشابة مرام مناع، فتؤكد صعوبة الوضع، خصوصاً وأن "إحنا آخر الشهر، وما تسوقنا، والرواتب انصرفت عالعيد، وفش مصاري مخبية نطلع منها".

وتؤكد إيمان النونو، أن خصوصية وضع قطاع غزة تجعل من كورونا خطراً مضاعفاً، فالناس تشتري أكلها يوم بيوم بسبب انقطاع الكهرباء، والآن لا تستطيع تأمين أكل لأسبوع، لأن الكهرباء لا تساعد على ذلك، إضافة إلى الصغار وكبار السن الذين سيتجرعون المرار الآن في ظل انقطاع الكهرباء والحر الشديد وعدم توافر بدائل.

وتنهي النون حديثها قائلة: "كورونا لوحدها قضاء وقدر، لكن أن تنحجر في منزلك لأيام في هذه المقبرة المسماة غزة، فهو الجحيم بعينه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard