"اغتصبني وفقدت الجنين"... يوميات زوجات معنّفات من غزة

الاثنين 9 نوفمبر 202004:03 م

في عيادة مختصة بالنساء والتوليد في غزة، جلست سميرة، اسم مستعار، وهي ترفع ساقيها المضمومتين للأعلى، فيما بدا وجهها شاحباً كأنها لم تنم منذ ليال طويلة، حتى بدأت تفضفض بالحديث قائلة: "كل الرجال سيئون، وأهم شي عندهم متعتهم حتى لو الست ماتت مش مهم".

اقتربنا منها، وسألناها عن قصتها بعد أن أعطيناها وعداً بعدم ذكر اسمها، لأنه وحسب حديثها: "ممكن زوجي يقتلني لو عرف أنى حكيت. منيح أنه وافق آجي للدكتورة تعالجني".

"اغتصبني وأنا حبلى"

تقول سميرة، (33 عاماً) لرصيف22: "أنا متزوجة من 3 سنوات وعندي ولد. من أول زواجنا وزوجي متعبني بالعلاقة معاه، لأنه أهم شي عنده انبساطه، لغاية ما تطور الموضوع قبل كم من شهر مع بداية حملي التاني".

حملت سميرة بطفل جديد، وخلال الشهر الثالث كانت تعاني تعباً شديداً، وأوصتها الطبيبة بعدم ممارسة العلاقة الحميمية حتى يثبت الحمل، لكن زوجها لم يقتنع: "للأسف اتحمل أول يومين بس، ولما رفضت ضربني، واغتصبني وهو يقول لي أنا بدي أربيكي كويس، ولم يتوقف إلا بعد أن بدأ الدم ينزل مني".

وتؤكد سميرة أن الزوج لم يستمع لتوسلاتها وهي تقول: "بطني بجعني كتير"، وحتى بعد مرور يوم، قال لها: "هذا دم عادي ما تعملي قصة"، إلى أن أغمى عليها، ونقلت للمستشفى، وقالوا لها: "فقدت الجنين".

"كل الرجال سيئون، وأهم شي عندهم متعتهم حتى لو الست ماتت مش مهم"

شاركتنا أم جاد (55 عاماً) الحديث، لتروي قصة ابنتها قائلة: "الله يسامحني أنا اللي زوجتها بدري وهي ما كملت 15 سنة، قلت ابن حلال وابن عيلة، ولكن للأسف طلع مش بني آدم".

وتضيف: "من ليلة الدخلة سببلها غرزتين، وحكينا معلش مش فاهمين لسه، والبنت خافت. لكن بعد شهرين البنت اجتني مغمى عليها من التعب، لأنه زوجها مارس معها الجنس من الخلف، وفهمها إنه عادي".

مضيفة: "لجأت البنت إلنا، وللأسف خفنا من الفضايح والطلاق، ورجعناها وفهمناه الصح والغلط، لكن للأسف الأمر تكرّر أكثر من مرة لغاية ما اضطرينا نطلب الطلاق، ولما رفض حكينا للقاضي انه بيمارس معها من الخلف، لهيك القاضي طلقها مباشرة، وأخذت كل حقوقها".

جاءت الأم بطفلتها للطبيبة النسائية لتداوي آثار العنف على ابنتها، تؤنب نفسها قائلة: "حرام البنت تتزوج قبل 20، وقبل ما تفهم كل الدنيا، علشان ما ييجي ابن حرام يفهمها الزواج على كيفه".

عنف الرجل المتسلط

"العلاقة الزوجية في الغالب هي علاقة آمنة، وفيها نوع من الاحترام والتفهم والعاطفة، ولكن في بعض الأحيان بيصير في نوع من أنواع العنف، وخاصة العنف الجنسي بين الزوجين. وغالباً المشكلة الحقيقية أن كثيراً من الزوجات لا يكون عندهن الوعي أو القدرة لمصارحة الزوج بأن ما يفعله يؤذيها"، تقول الدكتورة آيات أبو جياب، أخصائية اجتماعية ومعالجة أسرية.

تضيف أبو جياب لرصيف22: "الممارسة الجنسية العنيفة تشكل نوعاً من الإيذاء، وفيها نوع من الألم وعدم مراعاة الجانب الصحي والنفسي والرغبة الجنسية للزوجة، وهذا يعتبر من أنواع الاغتصاب".

وتشير أبو جياب إلى أن هذه الممارسات موجودة عند بعض الرجال، بحكم طبيعة المجتمع الذكوري، فالزوج يستخدم سلطته وسيطرته كرجل، ويحاول إجبار زوجته على القيام ببعض الحركات الخارجة عن المألوف، للدين أو للناحية الأخلاقية، وهنا تقع المرأة بين المطرقة والسندان، بين تنفيذ رغبات الزوج على حساب صحتها أو الرفض، وتفاقم المشاكل بينهما.

" الحديث حول العنف الجنسي ليس سهلاً".

وتؤكد أبو جياب أن الحديث حول العنف الجنسي ليس سهلاً، بل يعتبر من المحرمات عند الكثيرين في كل المواضيع المتعلقة بالجنس، حتى لأقرب الناس للمرأة، لذلك أغلبهن يتوجهن لطلب الخدمة والاستشارة عبر الخطوط المجانية للمؤسسات النسوية.

وتقول أبو حبايب: "مش كل رجل يعنف زوجته هو مريض، لكن في بعض منهم بيعانوا من السادية أو التلذذ بتعذيب الزوجة خلال العلاقة، وهؤلاء بيكون عندهم إفراط في الجانب الجنسي، إفرازات الغدد الجنسية عالية جداً، بيكون عندهم إفراط واضطرابات بشخصية الرجل منذ الصغر، وأيضاً نتيجة مشاهدته لأفلام الجنسية بشكل كبير، ونتيجة الخيال أو التعرض لمشهد جنسي خلال طفولة الزوج".

قررت أن أعالج نفسي

في بعض الحالات يلجأ الرجال أيضاً لعلاج أنفسهم عندما يعتقدون أنهم وصلوا لنقطة صعبة، وهو ما حصل مع أبو ساهر (31 عاماً)، حيث أدمن الترامادول لسنوات، وعندما تزوج وجد نفسه عنيفاً بسبب المنشطات، وعندما تراجع عن تناولها أصبحت حياته مع زوجته جحيماً بسبب كثرة المشاكل.

يقول أبو ساهر لرصيف22: "مش عيب نغلط لكن العيب نستمر بالغلط. أنا عرفت الجريمة اللي كنت برتكبها بحقي وحق زوجتي، لهيك قررت أتعالج عند الطبيب، لأتخلص من كل المنشطات وأعيش حياة طبيعية، خصوصاً وإني بانتظر طفلتي الأولى".

ويضيف: "زوجتي تحملتني كثيراً، وأنا أريد الحياة تستمر صح، علشان هيك أخذت هاي الخطوة".

بحاجة إلى علاج

أما عن سبل علاج الجانب العنيف من الرجل عندما يصل الأمر لحالات مرضية، فتتمثل، حسب رأي الأخصائية أبو جياب، في زيادة الوعي من قبل الزوج والزوجة لهذا الأمر ولجوئهم للمختصين، حيث أن "أفضل علاج حتى الآن هو العلاج المعرفي السلوكي، حتى لا يتطور الأمر ويصل الى الوفاة، الإجهاض، تهتك الأعضاء التناسلية أو نتائج اجتماعية خطيرة، تتمثل في الطلاق وتشتت الأسرة".

وتقول: "إذا كان الزوج عنيفاً نشتغل على الجانب الروحاني، ونعطي الزوجين مساحة آمنة، ونعمل على تفعيل الجانب العاطفي بينهم والاسترخاء والرعاية الذاتية والحب، إضافة إلى إعطائهم تقنيات في كيفية التعبير عن مشاعرهم، وخصوصاً الزوج".

وتشير أبو جياب إلى أن كثيراً من السيدات يصرحن أنه حتى لا تحدث مشاكل بينها وبين الزوج فإنها تستسلم لرغباته على حساب صحتها ونفسيتها، خصوصاً وأن كثيراً من الأزواج يعاقبون الزوجات إذا رفضن العلاقة، بحرمانها من المصروف أو الخروج من المنزل".

نزيف وإجهاض وموت

في كثير من حالات العنف الجنسي تتعرض الزوجات ليلة الزواج الأولى لتعب جسدي وألم يدفع بأهلها لنقلها إلى المستشفى، وهو ما تؤكده الدكتورة ميساء الخضري، طبيبة النساء والتوليد والعقم، لرصيف22، قائلة: "في ليلة الدخلة، خصوصاً لو كانت الفتاة صغيرة في السن والشاب ليس لديه معلومات أو ثقافة جنسية، فإنه يعاملها بعنف عندما تخاف وترفض، لذلك تصاب بجروح ونزيف ونقوم بعمل غرز لها. وهناك أيضاً حالات تصلني تفقد المرأة فيها الحمل ويسقط الجنين بسبب العنف أثناء العلاقة".

"من ليلة الدخلة سببلها غرزتين، وحكينا معلش، وبنتي خافت. لكن بعد شهرين البنت اجتني مغمى عليها من التعب، لأنه زوجها مارس معها الجنس من الخلف، وفهمها إنه عادي"

تشرح الخضري تأثير العنف الجنسي على المرأة أكثر، قائلة: "الزوجة بتتعقد من العنف الجنسي خصوصاً لو كانت المرأة مضغوطة وخايفة، وهذا يؤثر على دقات القلب والنفس، وقد يعرضها لنوبات قلبية وإرهاق مستمر نتيجة هذه الضغوطات".

منشطات وأفلام جنسية

وتشير الطبيبة الخضري إلى وجود أنواع أخرى من العنف، تتمثل في لجوء الزوج الى أخذ منشطات أو حتى يعطيها للزوجة لتتفاعل معه في العلاقة أكثر، وهذا له تبعات خطيرة عليهما.

وتقول الخضري: "هذه المنشطات تسبب له هيجاناً، ويريد أن يأخذ كل شي من الزوجة حتى لو لم تريد هي ذلك، وهذا طبعاً ينعكس سلباً، لذلك فإن كل مرض عضوي تناسلي عند المرأة ناتج عن مرض نفسي عندما تعطي الزوج شيئاً خارج إرادتها".

أما عن الآثار الجسدية للعنف خلال العلاقة، فتتمثل في فقدان الجنين لو كانت حامل، أو لو مارس معها الجنس الشرجي، فهذا قد يسبب نزيف للمرأة، وعلى المدى البعيد، يضعف الحيوانات المنوية ويضعف الانتصاب عند الرجل، بحسب الخضري.

وطالبت الدكتور الخضري بضرورة تعزيز مفاهيم الثقافة الجنسية، والتخلص من ثقافة العيب والحرام في كثير من المواضيع التي يجب عدم السكوت عنها، وحتى أيضاً ضرورة أن يكون هناك ملحق للطلاب والطالبات في المدارس خاص بالثقافة الجنسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard