كارل ماركس في الجزائر... النقاهة الأخيرة لـ "العجوز المغربي"

السبت 16 مايو 202002:14 م

في محاضرة له بجامعة كاليفورنيا عُقدت عام 1993، يسلم الفيلسوف الفرنسي من أصول جزائرية جاك دريدا، بتفسخ الفكر الماركسي وموته البطيء على الشاكلة الدرامية لما أعلنه فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ، وحسب جاك دريدا فإنه على رغم من أهمية الطرح الفلسفي الماركسي خاصة في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فإن ماركس لا يعدو إلا أن يكون قناعاً لفناء أوروبا القارة العجوز التي يتحدر منها.

في زمن جائحة كورونا وفي 5 مايو الماضي، لم تمر ذكرى ميلاد كارل ماركس (1818-1883) بلا لغط. لقد سادت موجة تفاؤلية أشبه بالوهم ككل مرة، مفادها أن ماركس هو المخلص من مآزق النظام الرأسمالي ومما أظهرته العولمة من افلاس واضح في إنقاذ الانسان من الآفات والفيروسات.

في زمن جائحة كورونا وفي 5 مايو، لم تمر ذكرى ميلاد كارل ماركس (1818-1883) بلا لغط. لقد سادت موجة تفاؤلية أشبه بالوهم ككل مرة، مفادها أن ماركس هو المخلص من مآزق النظام الرأسمالي ومما أظهرته العولمة من افلاس واضح في إنقاذ الانسان من الآفات والفيروسات

كما أن هذه الصدمات تعمد كل مرة تلقائياً، أو عن قصد، إلى تعرية منطقة منسية من حياة ماركس، خاصة تلك المتعلقة بشغفه بالعالم العربي وبالشرق عامة، فالشرق يقصد بغرض استنزاف مدخراته وتشد له الرحال للسياحة وللنقاهة.

وفي هذا الإطار يطرح السؤال حول اهتمام ماركس بالجزائر في ظل الاستعمار الفرنسي، بعد أن كتب عن الإنتاج والملكية في آسيا خلال دراسته للاستعمار الإنكليزي في الهند 1853، وما هي دواعي العودة الدائمة لطيف ماركس؟ هل يرجع ذلك إلى أن القلب للشرق والعقل للغرب لدى ماركس، كما يقول مهدي عامل، أم أن دول الجنوب المفقر هي باستمرار تثير مطامع العقل الاستشراقي؟

"موريسكي" في الجزائر

ظلت رحلة ماركس إلى الجزائر لسنوات طويلة مغمورة بالنسيان، إلى حد جعلت التشكيكات تخرقها وتحاول تقويض صدقيتها. أعمال قليلة حاولت تتبع تفاصيل هذه الرحلة الخاطفة (72 يوم)، من ذلك مثلاً دراسة الكاتب الجزائري عبد العزيز بوباكير، التي حاولت فهم غموض هذه الإقامة من خلال تبسيط مراحلها.

وصل كارل ماركس لميناء الجزائر بحراً مع الثالثة صباحاً يوم 20 فبراير 1882، (نقلته باخرة السعيد steamer Le Saïd)، في زيارة استشفائية، نزولاً عند نصيحة أطبائه ووصيه صديقه الوفي فريدريك إنجلز (1820 – 1895). كان جسد ماركس عليلاً منذ صباه بفعل أزمات في التنفس، وقد ضاعفت الصدمة سوء صحته بعد وفاة ابنته جيني فون فستفالين. لم يكن البرد والرطوبة يلائمان حالتهـ لذلك نصحه المقربون بقضاء فترة نقاهة في العاصمة الجزائرية، حيث الشمس الساطعة والهدوء الذي يطبع مدن شمال أفريقيا.

يطرح السؤال حول اهتمام ماركس بالجزائر في ظل الاستعمار الفرنسي، بعد أن كتب عن الإنتاج والملكية في آسيا خلال دراسته للاستعمار الإنكليزي في الهند 1853، وما هي دواعي العودة الدائمة لطيف ماركس؟ هل يرجع ذلك إلى أن القلب للشرق والعقل للغرب لدى ماركس، كما يقول مهدي عامل، أم أن دول الجنوب المفقر هي باستمرار تثير مطامع العقل الاستشراقي؟

لم تستقبل الجزائر ضيفها بالطقس المعتدل الطلق الذي توقعه، كان الجو عاصفاً وغير هادئ، ذلك ما جعل ماركس يندم على خيار العاصمة مقابل مدينة بسكرة في الجنوب الجزائري، كما تقول الباحثة الجزائرية نفيسة دويدة، في أطروحتها.

في الواقع لم يكن ماركس لوحده عاري الظهر في هذه المغامرة، بل كان في رعاية القاضي الفرنسي ألبير فرميه Albert Fermé وهو من أصدقاء العائلة الخلص، وقد قابله ماركس سابقاً في إنكلترا. وتثبت ذلك موسوعة أفريقيا الشمالية، حيث كان هذا القاضي مبعداً بدوره للعمل ملحقاً بمحكمة الجزائر، وقد أكرم وفادة ماركس بقيادته إلى النزل الفاخر، الشرق الكبير le Grand Hôtel d'Orient، حيث قضى ليلتين، ثم انتقل إلى نزل فكتوريا Hôtel Pension Victoria بالجانب الأعلى لحي مصطفى.

لم يكن هذا الحي يشرف على البحر فحسب، بل كان يشرف على جوانب هامة من المدينة، بما في ذلك سلسلة جبال منطقة القبائل وما ورائها، الجرجرة أو هكذا ماركس يتطلع إليها. كانت عين ماركس تتجه إلى الأعماق حيث القبائل، وقد حظيت منطقة القبائل بدراسة تحليلية معمقة لنظام الملكية الجماعية للأرض، الذي تطور حسب رأيه "تحت تأثير العرب، حتى أنه صار أكثر ابتعاداً من ذلك النوع البدائي المتمثل في الملكية العشائرية".

تبدو عين الرضا ماثلة في مراسلات ماركس إلى صديقه إنجلز، إذ يقول إنه معجب بإقامته في هذا الحي الموريسكي des villas mauresques، وتتيح له الاطلالة من علو "التشبع بروائح النباتات المعطرة، وكذلك معاينة التمازج الخصيب بين قارتي أفريقيا وأوروبا". وما كتبه ماركس عن إعجابه بحديقة الحامة ومنتزهها النباتي وبعض المتاحف والقصور بالقصبة، يفيد الباحثين كثيراً لدقة معايناته.

الخنجر العربي

من المثير أن إنجلز نشر مقالاً حول قضية الجزائر صدر بالمجلة الأمريكية New American Cyclopedia، أسقطت منه إدارة تحريرها سرديات بطولات الأمير عبد القادر في معارك التحرير، وهذه النظرة المتعاطفة من قبل ماركس وصديقة إنجلز مع قضايا المغرب العربي على إيجابيتها، كانت في العمق تخفي جدلاً عنيفاً حول النظرة الكولونيالية المليئة بالاستعلاء التي يمارسها الغرب على الشرق

من المثير أن إنجلز نشر مقالاً حول قضية الجزائر صدر بالمجلة الأمريكية New American Cyclopedia، أسقطت منه إدارة تحريرها سرديات بطولات الأمير عبد القادر في معارك التحرير، وهذه النظرة المتعاطفة من قبل ماركس وصديقة إنجلز مع قضايا المغرب العربي على إيجابيتها، كانت في العمق تخفي جدلاً عنيفاً حول النظرة الكولونيالية المليئة بالاستعلاء التي يمارسها الغرب على الشرق، ولذلك تفسيرات ثقافية روحية ونفسية عميقة.

كما تشير الباحثة الألمانية مارلينا فسبر، إلى أن خلاصة رحلة ماركس الى الجزائر لم تخل من شعور بالتفوق تجاه "القضية الشرقية" برمتها. ولعل قصة "الخنجر الجزائري" الذي أهداه ماركس لرفيقه إنجلز أقوى دليل على الإنتاج المستمر للعقلية الاستشراقية.

ففي رسالة له، يحذر ماركس صديقه إنجلز من خطورة المسلمين الذين لا يترددون في الإجهاز على كل وافد عليهم بدعوى أنه "كافر يستوجب ذبحه بخنجر حالاً"، ولا يتوقف عند ذلك الحد، بل يتهكم ماركس في رسائله على طريقة إعدام فرنسا لشيخ المجاهدين بوعمامة. ورغم تواجده وقتها بالجزائر إلا أنه وقع في أخطاء فادحة، ولم ينتبه إلى أن حادثة بوعمامة كتبت عنها عدة صحف فرنسية شهيرة التداول وقتها، مثل "الأخبار"، "لابتي كولون" و"مونيتور". لقد فاته أن بوعمامة أخلص روحه في المغرب ولم يعدم. لكأن ماركس كان سجين خوفه من الجنس العربي إلى حد شيطنته وإنكار حقه في الدفاع عن هويته وأرضه، ويسقط ماركس بذلك في الفخ ذاته، فدفاعه عن عذابات البروليتاريا يتوقف في حدود عمال المصانع بأوروبا والفلاحين بحقولها.

في زيارته إلى الجزائر التي دامت 72 يوماً، يبدو أنّ ماركس كان سجين خوفه من الجنس العربي إلى حد شيطنته وإنكار حقه في الدفاع عن هويته وأرضه، ويسقط ماركس بذلك في الفخ ذاته، فدفاعه عن عذابات البروليتاريا يتوقف في حدود عمال المصانع بأوروبا والفلاحين بحقولها

الأرض البور

يمكن تفهم وضع الضيق الصحي الذي عانى منه كارل ماركس في شيخوخته ما دفع به للإقامة بالجزائر: أصيب بأمراض صدرية مزمنة وكان يدخل في نوبات سعال جارف، وهو يكثر من التدخين ومن شرب الخمر، ربما بسبب انغلاقه الدائم على نفسه وانشغاله بإنهاء تأليف كتبه.

كان ماركس منتهكاً ومطارداً في كل مكان يحل به نتيجة آرائه، وليست المرة الأولى التي يعمد للتخفي وراء عدة أسماء مستعارة، فخلال إقامته في باريس اعتمد اسم مسيو رامبوز "Monsieur Ramboz"، وفي لندن أجبر على توقيع رسائله باسم أ. ويليامز "A. Williams"، ولذلك لم يتردد أصدقاؤه في ألمانيا من تسميته "مور" Der Mohr، أي الأرض البوار، كناية عن بشرته الداكنة وشعره الأسود المجعّد، إضافة "لهيئته الشرقية وقصر ساقيه بالمقارنة مع جذعه". في الحقيقة كان ماركس يبدو متماهياً إلى حد التطابق مع مناخ الشمال الأفريقي، موطنه المؤقت بالجزائر.

تخطى كارل ماركس بعقله الفذ هذا المنظر الدميم المثير للضحك، وقهر معارضيه بإيجاد بدائل للتفكير، وفضلاً عن ثقافته الواسعة، كان ماركس قد أرسل خلال إقامته بالجزائر مواد صحفية لعدة نشريات، مفضلاً إمضاء مقالاته باسم "المغربي" أو "العجوز المغربي"، فحتى خلال نقاهته كان لا يهدأ عن العمل والتفكير والإنتاج.

أرسل ماركس خلال إقامته بالجزائر التي دامت 72 يوماً، مواد صحفية لعدة نشريات، مفضلاً إمضاء مقالاته باسم "المغربي" أو "العجوز المغربي"

ولم تخل رحلة ماركس إلى الجزائر من الطعن والتشكيك، وكانت ضحية سجالات سياسية وإقليمية، من ذلك ما أبداه الباحث المغربي عبد الرحيم منار اسليمي، حول إقامة ماركس في إمنتانوت، احدى قرى شيشاوة الأمازيغية، غير بعيد عن مراكش، وفند بذلك الزعم القائل بإقامة ماركس في الجزائر من 20 فبراير إلى 2 مايو 1882. ويستدل منار اسليمي على نظريته بأن منطقة إمنتانوت التي تبعد عن الصحراء المغربية، تأوي أكبر المصحات الاستشفائية المتخصصة في معالجة الحالة الصحية المعقدة لجسد كارل ماركس المنهك والهرم.

الصنمية القاتلة

أحياناً، إن لم يكن في الغالب الأعم، يحيد النقاش في العالم العربي عن المسائل الجوهرية التي يثيرها الفكر الماركسي ليستبدلها بنظرات على هامش حياة ماركس، وربما بسبب النحو الإلحادي لانتشار الفلسفة الماركسية، ففترت الأيديولوجيا الماركسية وتهاوت سريعاً كلما نشأت في مكان ما بالعالم العربي.

ويمكن أن نعاين الفشل الذريع للأحزاب الشيوعية في المشرق والمغرب. فحتى لما أتاحت لها ثورات الربيع العربي فرصة الظهور والنماء، انتكست وخسرت كل الانتخابات. كيف لعالم يعانق الثورات أن يكون سجيناً للتيارات الدينية الرجعية خاصة الفكر الإخواني والسلفي، ويمكن أن نلقي نظرة سريعة على تنامي روح التشدد والاقتتال الطائفي، والغياب شبه الكلي للتنافس الديموقراطي على السلطة، كما انتهت تجارب الاقتصاد الاشتراكي في بلدان المغرب العربي نهاية مرة، ما جعل الأجيال الموالية تتهيب معاودة الكرة.

فهل أن المأزق كامن في الفكر الماركسي في حد ذاته أم هو عائد إلى التمثلات والشروح الضعيفة لهذا الفكر؟ ففي الواقع ضعفت الماركسية حتى في عقر دارها وقد شقتها التوجهات التحريفية شقاً، كما يبدو أن سقطات الفكر الماركسي تعود أساسا لتحويل التيارات السياسية العربية المعاصرة ماركس إلى أدبيات متحجرة غير قابلة للنقد، ويقول المفكر الجزائري عبد العزيز بوباكير، إن العرب "بدلاً أن يكيّفوا تفكيرهم مع نظرية، حوّلوه إلى صنم يفسرون به العالم، بينما هو كان يدعو إلى تغييره، فطغت عندهم الإيديولوجيا على العلم، والتحزب على التحرر".

في معالجته لموقف إدوارد سعيد تجاه ماركس، يوضح مهدي عامل أن ماركس، بدل أن يفلت من منطق الفكر الاستشراقي، وقع فيه، بما أن "المقاربة الروحية للشرق هي المقاربة الوحيدة التي هي في توحد مع موضوعها"، وذلك مرتبط، حسب مهدي عامل، بالوعي المثالي للتاريخ ونتاج لحركة موضوعية يجري فيها التاريخ بحسب منطقه المادي الديالكتيكي، ومن خارج الوعي والإرادة الإنسانيين بل ضدهما".

أما المفكر الإنكليزي تيري إيغلتون، فقد نبه في نقده للفكر الماركسي، بالإشارة إلى أن لهذا الفكر أدوات فعالة لمجابهة عيوب الأدلجة واغتراب الإنسان، غير أن بعض الممارسات لم تستطع التخلص من تحنيط الإنسان في قوالب جامدة تتنازعه الفوارق بين البورجوازية والكادحين، وأمام خطرها الفادح، عجل البابا ندائه بسقوط الاتحاد السوفيتي وتفتيت الشيوعية في أوروبا الشرقية، قائلاً: "نريد الله في مدارسنا، نريد الله في منازلنا، كفوا عن هذه الشيوعية".

المشهد الأخير لماركس في الجزائر يلخص الكثير: يقف أمام المصور وحيداً وفي الخلفية محل للحلاقة. يوثق صورة له ليرسلها لبناته، قبل أن يجز لحية "الأنبياء" الكثة كما يحلو له أن يعترف بذلك، لكأن ذلك يفسر التكثيف الدلالي لمفهوم التمثيل في كتاب جاك دريدا "أطياف ماركس". حمل ماركس قناع الأدلجة وتخلى عنه في نهاية المطاف، بعد قرابة سنة من رحلة الجزائر أسلم ماركس الروح ودفن في لندن ومعه الكثير من أسراره.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard