"لا توجد نتائج مطابقة للبحث"... الذاكرة البصرية لثورة يناير بين الغياب والحذف

الاثنين 25 يناير 202112:37 م

لم تعد الجدران تحكي قصص وأحداث ثورة 25 يناير، فبعد مرور عشر سنوات على اندلاعها لن تجد أثراً لرسومات تُعبّر عنها وتوثق لأحداثها، فكلما كان الرسامون يعيدون الحياة لهذه الجدران كلما أسرعت الأنظمة المتعاقبة لمحو أي أثر لرسومات الثورة من شوارع وسط المدينة، وفي الوقت نفسه اختفى جزء من أرشيف الصحف والمواقع الذي وثّق أحداث الثورة.

ازدهر فن الغرافيتي في مصر مع ثورة 25 يناير عام 2011، ليملأ جدران شارع محمد محمود وميدان التحرير وبعض شوارع وسط المدينة. هذا الفن الذي ورثه أحفاد الفراعنة عن أجدادهم بالتعبير والتوثيق من خلال الرسم، وكان التفاعل الأول بين الرسامين والشارع المصري، كان هناك من تعمّد إخفاءه ليضيع معه جزء من الذاكرة البصرية لثورة يناير.

"الغرافيتي الأكثر تأثيراً"

"هي جريمة في حق كل صاحب حق في هذه الثورة، بدءاً من شهدائها مروراً بجرحاها ووصولاً لكل من غضب من أجل مستقبل مصر وحرية اﻹنسان فيها، وهي المعالم التي حاول الغرافيتي المصري أن يجسدها، وأن يحميها من الاندثار".

كان هذا ما جاء في بيان "جبهة الإبداع المصري" التي دانت محو رسوم الغرافيتي من على جدران شارع محمد محمود في أيلول/ سبتمبر عام 2012، مطالبة كل فناني الغرافيتي في مصر بالوقوف ضد ما اعتبرته جريمة. لكن المحو استمر بالتوسع، ولم يبقَ أثرٌ لتلك الرسوم سوى في هواتف وحسابات من وثّقها ومن رسمها.

نيمو هو أحد أشهر رسامي الغرافيتي في مصر، إذ وصلت رسوماته إلى 50 رسمة وثقت لأحداث الثورة في ميدان المحافظة في المنصورة. يقول لرصيف22: "الغرافيتي تأثيره أقوى على المواطنين من المواقع والصحف والبرامج لأنه يصل لعشرات الآلاف دون بحث أو عناء، ويقيم علاقة مباشرة مع الشارع المصري ولأن الرسائل تصل من خلال الفن سريعاً ويكون لها صدى واسع".

ويضيف: "كنت أوثق أحداث الثورة حتى وصلت رسوماتي إلى 50 رسمة أشهرها غرافيتي لباسم يوسف وأحمد حرارة وغرافيتي لفيلم طيور الظلام أثناء حكم الإخوان المسلمين".

يروي نيمو كيف تمت إزالة رسوماته وغيره من الفنانين من المدينة بالكامل، مشيراً إلى صعوبة إزالة اللاكيه المستخدم في الرسومات ما دفع السلطات مرة إلى إزالة جدار مبنى المحافظة كاملاً للتخلص من الرسومات، كما أوضح أن هناك تجديدات تجري في معظم المباني الرسمية كل فترة وهو ما ذكر عن مسح الجرافيتي وقتها.

و"لأن فنون الشارع تأثيرها أقوى، إذ تصل الرسالة لملايين البشر سريعاً ومن دون مجهود، تم التخلص تماماً من كل الغرافيتي الخاص بالثورة، في كل أنحاء مصر"، يقول نيمو.

ويضيف مؤكداً على أن طمس الغرافيتي يؤدي إلى نسيان بعض الأحداث، لأن "ذاكرة الثورة عرضة للنسيان مثلها مثل باقي الأحداث التاريخية التي يتم نسيانها مع الوقت".

بفعل فاعل

ومن الغرافيتي إلى الفيديو لم يختلف الحال كثيراً، فهناك مؤشرات تزايدت مع مرور السنوات على وجود رغبة في التخلص من بعض المواد البصرية المؤرخة لهذه الفترة، وهو ما تبين من خلال البحث على موقع يوتيوب بحذف مقاطع فيديو وبرامج وثقت أحداث الثورة.

وبالبحث عن برامج أو مقاطع بعينها، تجد مقطعاً بعيداً تماماً عن العنوان، أو عبارة "قد يكون هذا الفيديو غير ملائم لبعض المستخدمين".

بين طمس الغرافيتي وحذف مقاطع مصوّرة وأرشيف برامج واكبت الثورة... الذاكرة البصرية لـ25 يناير تعرضت لمحاولات تشويه وطمس متعددة، في ظل غياب قانون يضمن حرية تداول المعلومات وإمكانية الملاحقة القضائية   

في نهاية عام 2018، مُسح أرشيف برنامج "الصورة الكاملة" الذي كانت تقدمه الإعلامية "ليليان داوود" وبرنامج "آخر كلام" للإعلامي يسري فودة من على يوتيوب وحلقات من برامج أخرى.

وقتها، أكد فودة في تدوينة على صفحته عبر فيسبوك أن قناة ON E "قامت بحذف جزء كبير من أرشيف برنامجه آخر كلام"، خاصة الحلقات التي تتضمن توثيقاً لأحداث ثورة يناير.

كان فودة قد علّق معقباً على حذف حلقات برنامجه بأنه "أمر متوقع ممّن تؤذيه الحقيقة ويعيش بلا مبادئ"، قائلاً: "من يُدلّس لمن يتصادف وجوده في السلطة إلى أن يفقدها، فيتحول ضده عبداً لمن اعتلاه من جديد"، ومضيفاً "امسحوا الأرشيف... الحق محفور في القلوب، وعلى الهارد ديسك".

حول هذه المسألة، يتكلم محمود الواقع الذي كان واحداً من فريق عمل برنامج "آخر كلام"، ويقول إن القناة حذفت بالفعل معظم حلقات البرنامج وتم الاستغناء عن فريق العمل، وهو ما حدث مع برامج أخرى مثل برنامج الصورة الكاملة وبرنامج 25 30"، مشيراً إلى أن ذلك تزامن مع بيع القناة لمستثمر جديد.

ويوضح الواقع، في تعليق لرصيف22، بأنهم لم يتخذوا وقتها أي إجراء وذلك لأن الأرشيف بالكامل ملك للقناة.

وكان المحامي الحقوقي جمال عيد قد علّق على الأمر، قائلاً إن "العديد من الصحف قامت بمسح جميع الأرشيف الخاص بثورة 25 يناير". وأضاف: "بعد ثورة يناير قامت صحف عديدة بمسح أرشيفها، وتكرر الأمر بعد تظاهرات 30 يونيو، حيث تم محو أخبار ومقالات من مواقعها"، معتبراً ذلك "محاولة بائسة لمحو ذاكرة شعب وثورته العظيمة والوحيدة".

"لأسباب فنية"

"لا توجد نتائج مطابقة للبحث"/ "حاول البحث بكلمات أخرى"، تتكرّر جمل من هذا القبيل خلال البحث عن بعض المواد المتعلقة بثورة 25 يناير، تحديداً مقاطع الفيديو التي توثق أحداث الثورة على بعض المواقع المصرية. 

بالبحث في مواقع مثل "المصري اليوم" و"الدستور" والشروق" وقنواتهم على موقع يوتيوب، يتبين عدم وجود بعض مقاطع الفيديو الخاصة بثورة 25 يناير، ويظهر من خلال البحث أن أرشيف "الدستور" تم حذفه بالكامل حتى آذار/ مارس 2014، كما سقط جزء من أرشيف البعض في الفترة بين 2011 و2013.

"القانون لا يُجرّم حذف أي مادة من الأرشيف، فالأرشيف بالكامل ملك للقنوات والصحف ويجوز لها التصرف فيه كما تشاء"... التخلص من مواد مصوّرة تؤرّخ لـ25 يناير كان واحداً من مساعي طمس ذاكرتها البصرية،  كما جرى مع حذف مقاطع فيديو وبرامج وثقت الأحداث

يُعلّق رئيس التحرير التنفيذي لـ"المصري اليوم" إيهاب الزلاقي، في حديثه لرصيف22، على المسألة قائلاً: "كي أكون صادقاً ليس لدي معلومات عن حذف المصري اليوم لأرشيفها بقرار عمدي"، عازياً اختفاء أي مواد من على الموقع لـ"أسباب فنية".

ويضيف موضحاً: "أنا بعيد عن الموقع والديجيتال عموماً، لكن لم أسمع أبداً عن أي قرار على مستوى إداري بمسح مواد من الأرشيف أو مقاطع فيديو".

ويقول الخبير التشريعي إيهاب سلام لرصيف22: "القانون لا يُجرّم حذف أي مادة من الأرشيف، فالأرشيف بالكامل ملك للقنوات والصحف ويجوز لها التصرف فيه كما تشاء، وغالباً تكون المادة محمية بحقوق ملكية فكرية يعلمها فريق العمل أثناء التعاقد".

في المقابل، يشير إلى أنه "ليس من حق القناة التلاعب في هذه المادة أو إضافة أسماء أخرى لهذه الأعمال أو تغيير الحقائق بصورة أو بأخرى".

ويوضح سلام أن حذف الأرشيف يُسهم في ضياع ذاكرة الأمة والأحداث التاريخية التي وثقتها هذه البرامج، ويساعد على غياب الصورة الكاملة لفترات أو أحداث بعينها.

في ظل غياب قانون

بعد حذف أجزاء من أرشيف الصحف الخاص بثورة 25 يناير، أطلق ناشطون مصريون منتصف كانون الثاني/ يناير 2018 موقعاً إلكترونياً بعنوان "أرشيف 858″، يهدف إلى توثيق أحداث ثورة يناير منذ يومها الأول حتى نهاية عام 2017، ويشير اسمه إلى عدد الساعات التي حواها الموقع وقت إطلاقه، ويتضمن أرشيفاً كاملاً للثورة منذ 2011 وحتى 2017، وحظي باحتفاء واسع وقت إطلاقه.

كان الموقع واحداً من المبادرات القليلة التي واجهت محاولات الطمس، فيما يقول المحامي الحقوقي أحمد أبو المجد: "للأسف مصر ليس لديها قانون لحرية تداول المعلومات والوثائق وتنظيم وصولها للمواطنين، ما يجعل التاريخ عرضة للنسيان من خلال حذف ما يؤرخ لفترات معينة".

ويشير أبو المجد إلى حدوث ذلك عبر التاريخ مرات عديدة تم فيها طمس تاريخ أحداث معينة، معتبراً أن ذلك يحدث في ظل غياب قانون لحرية تداول المعلومات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard