أوسو إله البحر ومداوي كل الآلام… موسم السهر والشواطئ في تونس

الخميس 23 يوليو 202005:26 م
الخامس والعشرون من يوليو/ تموز ليس فقط عيد الجمهورية التونسية، بل هو أيضا بداية موسم أوسو، الذي له مكانة خاصة لدى التونسيين، والذي يمتد من 25 يوليو/ تموز إلى 2 سبتمبر/ أيلول، حسب التقويم "الفلاحي" أو الشمسي، ويتميز عن بقية أيام الصيف بقيظه الشديد مع ارتفاع في درجة حرارة مياه البحر، وارتفاع نسبة الرطوبة في الجو، ويتميز بنسيمه العليل مساء، حسب المهندس في الرصد الجوي، محرز الغنوشي، ما جعله يأخذ مكانة خاصة لديهم، فيحتفلون به احتفالاً خاصاً، ويستغلّون حرارته للاستشفاء وتجفيف أنواع من الطعام لفصل الشتاء.

ولموسم أوسو نكهته ونواميسه وطقوسه الخاصة في تونس، تتعدد وتختلف حسب المناطق، لكن الاتفاق على أهميته الصحية واحد، حيث يعتقد التونسيون أن مفاصل الإنسان تكون أكثر ليناً في هذا الفصل، وتكون عظامه أكثر هشاشة، حتى إنهم يربطون سبب كسور العظام في موسم أوسو بتلك المعتقدات، الأمر الذي جعلهم يكثرون من الأكل الصحي، كالبقول الجافة واللحم المجفف وغيرها.


الاستشفاء بالمياه والرمال

تشهد الشواطئ إقبالاً كثيفاً من المصطافين في موسم أوسو، خاصة صباحاً وبعد الغروب، تفادياً لشدة الحر وسط النهار، حيث يختار المصطافون الأوقات التي تغيب فيها الشمس للبقاء وقتاً أطول في المياه للاستشفاء.

تقول أسماء (45 عاماً)، معلمة: "استأجرت وعائلتي بيتاً على الشاطئ، خصيصاً لموسم أوسو، وللمكوث أطول وقت ممكن في البحر، فهو مفيد للأمراض الجلدية والروماتيزم وغيرها".

"لولا أكلات أوسو لما رأيتني أتمتع بهذه الصحة وأنا في هذا العمر"

لا يقتصر الاستشفاء بالمياه فقط، بل إن لرمال الشاطئ نصيباً أيضاً، حيث يعمد الناس لدفن أو "ردم" أجسامهم بالكامل أو جزئياً بالرمال، ويرتدون غطاء رأس أو مظلة تقيهم حرارة الشمس، ويضعون بجانبهم قارورة من المياه أو العصائر لتعويض السوائل المفقودة من الجسم بسبب الحر.

يقول العم صالح (60 عاماً)، أستاذ متقاعد: "لدي مرض الروماتيزم وخشونة في المفاصل، لذلك أستغل قدوم أوسو لأردم جسمي يومياً في رمال الشاطئ، فهي مفيدة جداً وتخفف عني الألم في فصل الشتاء، لدرجة أنني أستغني عن الأدوية، وهي طريقة بدائية لكن أثبتت نجاعتها".

ولا يقتصر الاستشفاء خلال موسم أوسو على سكان المدن القريبة من السواحل فقط، بل يشمل أيضاً سكان الأرياف والصحراء، الذين يتعذر عليهم الذهاب إلى البحر، فيلجؤون للاستشفاء بمياه العيون ورمال الصحراء، حيث تشهد هي الأخرى إقبالاً كبيراً، على غرار العين الساخنة في صحراء الجنوب التونسي، حيث يجتمع الأهالي من المحافظات الجنوبية الأقرب إلى الصحراء عند العين الساخنة التي تتدفق بصفة مستمرة، والتي يكثر زوارها ليلاً تفادياً لحرارة الشمس وشدة قيظ الصحراء.


تقول الخالة سالمة (62 عاماً)، من محافظة مدنين جنوب البلاد: "أذهب كل أوسو مع عائلتي للاستشفاء بمياه العين الساخنة، فهي مفيدة جداً للأمراض الجلدية وأمراض المفاصل والعظام التي تكون أكثر ليونة في أوسو، وبالتالي تستفيد أكثر من حرارة المياه الطبيعية التي تتغلغل في الجسم، وكما يقول المثل: أوسو داويني مالداء الي نحسو".

أما زوجها العم محمد (66 عاماً)، فهو يواظب أيما مواظبة على دفن "ردم" كامل جسمه في رمال الصحراء رغم حرارتها، يقول لرصيف22: "لا أطباء ولا أدوية تضاهي هذه الطريقة الاستشفائية، فالجسم يعرق بصفة أكبر داخل التراب، وبالتالي تخرج منه جميع السموم، ولكن لها طقوسها الخاصة، حيث يجب أكل أغذية مفيدة، كالبقول الجافة والغلال والسوائل ليعوض الجسم ما خسره".

أوسو إله البحر

خصص أهالي الساحل التونسي لموسم أوسو مهرجان يحتفلون به كل سنة، وهو كرنفال أوسو، الذي تقول الأسطورة إنه إله البحر لدى الفينيقيين منذ أكثر من ألفي سنة، وصُوّر على أنه رجل أشعث ذو شعر طويل، يمسك بعصاه محاطاً بخيرات البحر، نحتت صوره على فسيفساء ولوحات في مدينة سوسة إلى اليوم، ويجسّد شخصيته ممثل مسرحي يقارب شكله خلال المهرجان.

ويحتفل أهالي محافظة سوسة كل سنة بقدوم أوسو، ويعوق فيروس كورونا الكثير من مظاهر تلك الاحتفالات، وبما تركته أسطورة الإله في المخيال الشعبي لمدة ثلاثة أيام، وهم يؤمنون كل الإيمان أنه في البحر شفاء من كل الأمراض؛ فتدق الطبول وتزين الشوارع وتكسوها العربات الرمزية والفرق الفنية واللوحات الراقصة الفلكلورية، تتصدرها عربة "إله البحر" التي يمتطيها الشخصية الأسطورة "أوسو"، ترافقه الموسيقى والأناشيد.

تقول سناء (40 عاماً)، من محافظة المنستير الساحلية: "ننتظر مهرجان أوسو بفارغ الصبر كل سنة، فهو يبعث فينا موجة أمل عالية، ويرسخ لدينا أهمية البحر وضرورة الحفاظ عليه، واستغلال أوسو للاستشفاء بمياهه ورماله".

ويزور المهرجان آلاف الزوار من كامل أنحاء العالم، فتزين الشماريخ سماء مدينة سوسة، وترتفع الأهازيج والإيقاعات، وكأنه عربون شكر وامتنان للبحر لما يقدمه من فوائد ومزايا استشفائية وسياحية للبشر، وإعلان عن بداية موسم أوسو وتلميح لضرورة معرفة قيمة الفترة الزمنية الممتدة من 25 يوليو/ تموز إلى 2 من سبتمبر/ أيلول من كل سنة.


عادات صحية استثنائية

يهتم التونسيون في موسم أوسو بنوعية أكلهم بصفة خاصة، فيكثرون من أكل السمك وتجفيف الأخطبوط، والأكلات التي تتكون من البقول الجافة، على غرار "البسيسة"، التي هي عبارة عن مجموعة من البقول الجافة المطحونة، وتشرب مع الماء أو تأكل عند عجنها بزيت الزيتون، ولها فوائد صحية جمة، إضافة إلى إعداد "العصبان" و"القديد" وهي لحوم مجففة، و"كسكسي العولة" وهو الأكلة الشعبية الأشهر في تونس، حيث تعمد ربات البيوت إلى اقتناء كمية كبيرة منه ثم يجففنه على أسطح المنازل أو في أي مكان مشمس، ثم يخبأنه لاستهلاكه شتاء، ويكون طبخه سريعاً وسهلاً، كما تفعل الخالة سايسة (60 عاماً)، من محافظة مدنين، تقول لرصيف22: "أجتمع وجاراتي في بداية موسم أوسو، نحضر كسكسي العولة، العصبان والبسيسة سوية، في أجواء من الغناء والمرح كيلا نحس بالتعب، فالموسم قصير ولا بد من استغلاله كما يجب".

يؤمنون كل الإيمان أن في البحر شفاء من كل الأمراض؛ فتدق الطبول وتزين الشوارع وتكسوها العربات الرمزية والفرق الفنية واللوحات الراقصة الفلكلورية، تتصدرها عربة "إله البحر" التي يمتطيها الشخصية الأسطورة "أوسو" ترافقه الموسيقى والأناشيد

وتضيف سايسة، ضاحكة: "لولا أكلات أوسو لما رأيتني أتمتع بهذه الصحة وأنا في هذا العمر".

ويجمع الفلاحون التين في موسم أوسو خصيصاً كي يجفف بطريقة صحية وسريعة بمفعول أشعة الشمس الحارة، فيجمعونه ويضعونه على سطوح المنازل ليتم استهلاكه في فصل الشتاء مع زيت الزيتون والبسيسة، ويسمى في بعض المناطق "الشريحة".

ولا يرتبط أوسو في الموروث الشعبي التونسي بالأكل والسباحة فقط، بل إن بعض الأمهات يمنعن أطفالهن من النوم في النهار خلال الموسم، اعتقاداً منهن أنه غير صحي، ويجعل المرء متكاسلاً طوال السنة.

تقول الخالة سكينة (55 عاماً)، من محافظة سليانة: "لا أنام، ولا أترك أطفالي ينامون، نهاراً في موسم أوسو كيلا يمرضوا، ويقضوا كامل الصيف يشتكون من آلام الظهر والمفاصل، هذه "حقيقة"، مثبتة بتجارب الأجداد لذلك يجب أن نتقيد بتعليماتهم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard