الشارع العام في المخيّم... أن تكون الحياةُ أقوى من الألَم

الاثنين 16 ديسمبر 201906:14 م

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر ديسمبر 2019, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "فلنتسكّع معاً في الشّوارع".


يُعتبر الشارع في المخيّم، رئةَ المخيّم الأولى التي لا بدَّ منها كي تبعث الهواء إلى الأحياء. الشارع العام في المخيّم (مخيم نهر البارد، شمال لبنان)، هو الشريان الوحيد الذي يوصل الشمسَ إلى البيوت المدفونة في الأزقة المظلمة، والزواريب الضيقة، ويقسم المخيّم إلى قسمين: "المخيّم التحتاني" الذي يحتوي على حي "سعسع" وحارات أهالي الجليل، و"المخيّم الفوقاني" الذي يحتوي على حي "صفّوري" الكبير، حسب الحارات التي تأخذ شكلَ قرى فلسطين القديمة بالأسماءِ.

في زمنِ الطفولة كُنّا نعتبر الوصول إلى الشارعِ العام كالوصولِ إلى مكانٍ بعيدٍ، وبمثابة الوصولِ إلى الشمس القريبة؛ شارعٌ واسعٌ، طويلٌ، يربطُ المخيّم بالمناطق المحيطة بهِ، كأنَّ المخيّم معلقٌ على حبلِ الشارعِ بين قاعدتين/منطقتين؛ بلديّة "بحنين" على شمالهِ، حتى بلديّة "العبدة" على يمينهِ، والمحلات الكبيرة على الجهتين، ومقاهي الرّصيف التي يجلسُ فيها العاطلون عن العملِ في المخيّمِ، وما أكثرهُم، هُنا وهُناك، يتنفّسون بهِ الصعداءِ، يتأمّلون الشمس في منتصف السماءِ، بعد أن ضاعت من شرفات البيوتِ الداخليةِ.



مرّت الحرب على المخيّم عام 2007 حين دخلتهُ جماعة إرهابية. تغيّرت معالم المخيّم كليّاً بعد الدمار الكبير التي خلفتهُ الحرب، ولا آثار لشيءٍ هُنا سوى الشارع؛ الشارع العام وحدهُ الذي دلَّ على المكانِ، وأمسى الدليل على أثر المخيّم الأولى، عندما عدنا إليه بعد سنةٍ من انتهاء الحرب الضروس.

كنّا نحاولُ أن نعيد ترميم الحياة على أرضهِ، وكان من الصعب أن نبني هذا الأثر، وهذه الفكرة فينا، أنّ المخيّم سوف يرجع كما كان. قد غاب وجه المخيّم خلف البحر المجاور، وظلّت الذاكرة في الشارعِ. حين نتمسّك باسمهِ،" الشارع العام"، كأنّنا نعيد ترتيب هذه الذاكرة التي تعني لنا الكثير.

المخيّم ليس هو فلسطين، ولكنُّهُ رمزية كبيرة لمكانِ مؤقتٍ لصورة فلسطين الأخرى، والشارع فيهِ، مثل الوريد في القلب الذي يضخُّ دم الذاكرة. كبرت الخيمة على جوانبهِ حتى أصبحت بيتاً بسقفهِ الزينكو، وظلَّ الشارع هو الشارع. ومرت الأجيال والأجيال، والجدران في البُنيان، وبقي الشارع الذي لم يتغيّر أبداً.

وتُروى الحكايات عن هذا الشارع؛ يقولون الكبار عندنا: إنّ هذا الشارع شهد مظاهرات عديدة على مرّ تاريخ نكبة فلسطين، وشهد على أربعة أجيال في المخيّم منذ عام 1948. تغلق جميع المحلات طول النهار، وترفع الأغاني الوطنية على سطوح مكتب اللجنة الشعبية المعروف بـ"مكتب التعاونية القديمة"، الذي زارهُ الرئيس الراحل ياسر عرفات بالثمانينيات، وألقى كلمتهُ هُناك، وكانت من الشارع، وأعلام فلسطين ترفرف، لتبدأ المظاهرات والهتافات الوطنية دعماً للانتفاضات في الداخل، مع بعض الرسومات على الجدران، كصورة "حنظلة"، وخريطة فلسطين، وصور الشهداء. وكما روى لنا الروائي الفلسطيني مروان عبد العال:



"قبل الحرب، عندما كان يمرُّ في الشارع، كان يتخيّل دائماً، أنّ سوق المخيّم المؤدّي إلى الشارع العام، فجأةً، لم يعد أحداً فيه، غاب كلُّ النّاس، كالفيلم بالأبيض والأسود، وبعد أشهر من هذا التخيُّل العابر، فعلاً، مرَّ بالشارع ذاتهُ، وسط سقوط القذائف والرّصاص، وهو يركض خارجاً من المخيّم يومها، ولا يوجد أحد فيهِ. فجأةً، صار هذا التخيُّل حقيقة، وغاب سكّانهُ إلى الخارج، وساد الصمت المرعب، أين هم؟ كيف غابوا وغرقت سفينة التايتنك فجأةً في البحر والحرب؟ فذكر ذلك، موثّقاً في روايتهِ بعنوان "حاسّة هاربة".

في زمنِ الطفولة كُنّا نعتبر الوصول إلى الشارعِ العام كالوصولِ إلى مكانٍ بعيدٍ، وبمثابة الوصولِ إلى الشمس القريبة؛ شارعٌ واسعٌ، طويلٌ، يربطُ المخيّم بالمناطق المحيطة بهِ

كما يُعتبر الشارع في المخيّم، صوت الناس المكتوم، مَن تضيق بهِ الأزقةُ التي تُوحي بالقبور، يخرج إلى الشارع لكي يصرخ، ويُفرغ هذا الاحتقان القابل للانفجار، وَمَن غيرَ الشارع؟ إلى أين؟ ليس إلا الشارع. من الجنوب إلى الشمالِ، حتى جميع الجهاتِ، حين نفقد البيت الأصل، نمسي في الشارع، فهذا الشارع العام في المخيّم، هو ملجأنا الحقيقي، وماوى أرواحنا وأحلامنا معاً، وهو الرابط الحقيقي بين البيوت المتلاحمة حجراً بحجرٍ، فالمُصالح بين طرفين يقفُ في المنتصف عادةً، لكي يكون الأساس في التقارب.

فشارعنا المخيّمي لعب هذا الدور في التلاقي أحياناً، حين يصبحُ التقاربُ هشّاً بين الأصدقاءِ والأحياءِ، يُصبحُ الشارع موعداً لهذه اللحمة من جديد، في المقاهي أو في محلات الحلوى والمطاعم، أو على حافّة عمود الكهرباء، كدليلٍ على بساطةِ اللقاءِ العفوي. ومن ناحيةٍ أخرى، حين كانت تقطع الطرق في المناطق الكبيرة التي تحيط بالمخيّم، يبادرُ أهل المخيّم بفتح شارعِهِم للجوار، تأكيداً على الأخوّةِ، ويقفون على الأرصفة، لتوزيع القهوة من شرفات السيّارات العابرة، شكراً للمصادفة السعيدةِ تلك.



الشارع العام، الساعة الرابعة عصراً. الشمسُ تلبس ثوب النوم في البحر، والأمكنة خالية من سكّانها، إذ تبدأ المحلات بالإغلاق كلِّ يومٍ في هذه الساعة، ويهدأ الشارع تماماً، فيتسكّع الشباب على الأرصفة، في انتظار الفتيات العائداتِ من المدارس. والشرفات المطلّة تبدأ بإشعال الأضواء من الزجاج المقابل، فالحب أيضاً، لهُ حصتهُ من عصب الحياة في المخيّم/الشارع.

حين نسيرُ وسط هذا الطقس العاطفي الشفيف، نشعرُ بالأنس النسبي، محاولة القدرة على الحياةِ، محاولة الخروج من الموتِ إلى الحياةِ، محاولة المحاولة للنظر خلسةً إلى تفاصيلِ أيِّ شيءٍ في الشارعِ العام

حين نسيرُ وسط هذا الطقس العاطفي الشفيف، نشعرُ بالأنس النسبي، محاولة القدرة على الحياةِ، محاولة الخروج من الموتِ إلى الحياةِ، محاولة المحاولة للنظر خلسةً إلى تفاصيلِ أيِّ شيءٍ في الشارعِ العام، فكيف إذا كان في هذا المخيّم المذبوح؟ يقول محمود درويش عن مخيّم صبرا وشاتيلا في بيروت: "صبرا نزولُ الروحِ في حجرٍ/صبرا تقاطعُ شارعين على جسد/ وصبرا لا أحد".

"تقاطعُ شارعين على جسد"، رمزية الذبح في الشارعين الفاصلين على جسد المخيّم، وهما على شكلِ صليب. وهنا تكمن التقاط رمزيّة الشوارع المخيميّة التي لها معانٍ عديدة. لأنّ الحجر هو جزء لا يتجزء من علاقة الإنسان بالمكان، والقابضون على الحجر، هم ذاتهم السائرون في الشارع؛ فزحام الشارع العام يدلُّ على النضال اليومي، في سبيلِ البقاء على قيدِ الحياةِ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard