"افرح بي" و"نحلي بقنا"... معجم الرشوة في تونس والعالم العربي

الاثنين 18 يناير 202104:32 م

تعدّ الرشوة ضرباً من الفساد الاقتصادي، وهي فعل مخالف للقانون، عدا كون طلبها بشكل صريح يحمل إحراجاً لصاحب الطلب، ونطق الكلمة في حد ذاته يمثل خطراً، ويضع صاحبه تحت طائلة التتبع القانوني، مما دفع العرب إلى ابتكار صياغات خاصة، ربما لتجنب الإحراج، أو خشية المساءلة القانونية، وربما للسببين هذين معاً.

في تونس أضحت كلمة "افرح بي"، رمزاً للرشوة بامتياز، وقد حُسبت على أعوان الشرطة منذ عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، إذ يستخدمها هؤلاء طلباً للرشوة، والسماح بالعبور، لمن تثبت عنه مخالفة مرورية أو أية مخالفة أخرى، شريطة أن يدسّ في يد عون الشرطة، بعض الأوراق النقدية، التي يزيد عددها أو يقل حسب نوع المخالفة، ومدى خطورتها.

كلمة "رشوة" في حد ذاتها تغيرت، وأصبح اسمها "جعالة" لتفادي الشبهة والحرج.

لا تقتصر الرشوة على أعوان الشرطة فقط، بل أضحت متداولة في المعاملات اليومية بقطاعات حكومية عديدة، وباتت تمتلك معجماً لغوياً، بحسب نوعية الخدمة التي ستقدم، حتى إن كلمة "رشوة" في حد ذاتها تغيرت، وأصبح اسمها "جعالة" لتفادي الشبهة والحرج.

يقول صفوان (45 عاماً) يعمل عون بلدية في تونس العاصمة، لرصيف22: "بدأت العمل بالبلدية قبل عشر سنوات، واقترح عليّ كثيرون رَشوة مقابل إسداء خدمة ما أو الإسراع فيها، وفي كل مرة كنت أندهش من العبارات المستخدمة، حتى أنني لا أفهمها في البداية، ومع مرور الوقت والتجربة تعلمت معجم الرشوة، الذي كثرت عباراته، وتنوعت، بل صرت أفهم أيضاً ملامح تعابير الوجه المميزة لمن يريد تقديم رشوة ".


أما سماح، اسم مستعار (32 عاماً)، تعمل في شركة اتصالات، فلا تنكر فضل الرشوة في توليها وظيفتها، تقول: "بعد تخرجي من الجامعة اضطر والدي لدفع مبلغ مالي لأحد الموظفين البارزين في الشركة مقابل قبولي للعمل معهم، وفعلاً تم ذلك".

وتصيف: "أعلم أن ما فعلته حرام ومخالف للقانون لكنه ليس أشد ضرراً من البطالة، والحاجة، فنحن لا نعيش في بلدان تحترمنا، وتعطينا حقوقنا كاملة، وإلا لما لجأنا لمثل أساليب كهذه".

حينما تحكي سماح تستخدم لفظ "الباكو" بدلاً من "رشوة"، أي مبلغ مالي قدره ألف دينار تونسي (حوالي 370 دولاراً)، تقول لرصيف22: "لولا الباكو لما كنت هنا".

"مشي حويجة" و "حق قهوة"

للرشوة في تونس معجم كامل خاص بها، بحسب صفوان، فهي تسمى "جعالة"، وعند طلبها يقال "افرح بي"، أي أسعدني بقليل من المال كي أساعدك، وكذلك "مشي حويجة"، أي أعطني نقوداً، أو "حق قهوة"، وهو رمز لطلب رشوة بمبلغ قليل لكن ليس بقدر سعر قهوة بل تقال الكلمة كنوع من حياء الطلب، وتفادياً للإحراج وإبعاد الشبهات.

مفردات الطعام والشراب والتدخين يتم توظيفها في سياق طلب الموظف الحكومي للرشوة، فتنتشر عبارات مثل: "صباح الخير، عايزين نشرب شاي" و"نحلي بقنا" و"حق الدخان"، أو "الحلاوة"

يقول حاتم، نادل بمقهى (28 عاماً): "الرشوة هي مفتاح كل التعاملات في هذا العصر، وقد أصبحت أسلوب حياة لا غنى عنه في ظل نظام يتسم بالفساد من الوزير الى الخفير، ولا يختلف اثنان على فاعليتها لتسهيل المعاملات، فعلى قدر "عطائك" تحقق مرادك، حتى في أبسط الأمور الحياتية".

الطريف أن التونسيين ابتكروا عبارات رشوة حسب الأوراق النقدية المتعامل بها، فعندما يطلب أحدهم رشوة قيمتها عشرة دنانير، يقول "أعطني عاشور"، وهي كلمة متداولة خاصة لدى أعوان الشرطة، والإدارات، والجمارك أو "أعطني بلقاسم" في إشارة الى صورة الشاعر أبو القاسم الشابي التي تحملها الورقة.

يقول محمد (49 عاماً)، سائق سيارة تاكسي من تونس: "لا أحد ينكر أننا نعيش في مجتمع يلجأ إلى الرشوة في أبسط تعاملاته، ومن طرائف هذا الشعب أنه خلق كلمات وعبارات خاصة بالجعالة كي تسهل العملية، ويفلت من العقاب القانوني، فعندما تقول لأحدهم "هات حق قهوة" او "أعطيني عاشور" لن يستطيع إثبات التهمة عليك، حتى وإن صورك فيديو بما أنك لم تذكر كلمة رشوة، ولم تطلبها مباشرة".

"نحلي بقنا"

في مصر، كشف نائب رئيس النيابة الإدارية عواراً قانونياً في حوار لصحيفة محلية عام 2019، يجعل ما يقارب مليون موظف حكومي غير خاضع لبنود قانون تخص "الكسب غير المشروع".

صرح المستشار رفيق سلام، نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية، أن ما يقارب مليون موظف حكومي لا يخضعون لقانون "الكسب غير المشروع"، مما يحولهم لوسطاء بين الراشي والمرتشي في المؤسسات الحكومية.

الوسطاء هم السعاة والسائقون وعمال البوفيه، أو كما يسمون "عاملون في الخدمات المعاونة"، وقد جسدت السينما المصرية في فيلم "الوزير جاي" دور ساعي البوفيه المرتشي، بطريقة ساخرة أداها الفنان الكوميدي سيد زيان، وأخرجته بمظهر المتحكم في إيقاع العمل، فهو يعرف طلبات المواطنين، واحتياجات الموظفين، ونقاط ضعفهم الشخصية، ويستغل الجميع لمصلحته.

"صباح الخير، عايزين نشرب شاي" .

ويلفت محمد (30 عاماً)، إعلامي يسكن في القاهرة، إلى أن مفردات الطعام والشراب والتدخين يتم توظيفها في سياق طلب الموظف الحكومي للرشوة، فتنتشر عبارات مثل: "صباح الخير، عايزين نشرب شاي" و"نحلي بقنا" و"حق الدخان"، أو "الحلاوة"، كما كان سيد زيان يصدح بها أمام المواطن في فيلم "الوزير جاي".

وتظل كلمة "إكرامية" هي سيدة الصياغات المصرية المتعارف عليها لطلب الرشوة، يقول محمد: "يطلق على المبلغ المالي مقابل إسداء خدمة "الإكرامية" لتبرير الفعل ربما، ولتجنب فعل أمر حرام كما يعتقد البعض، لكن رغم تغيير اسمها تبقى الرشوة رشوة وهي محرمة دينياً ويعاقب عليها القانون".

"قديش كاسة الشاي"

يتداول سوريون كلمات مثل "الشاي عليك" أو "بقديش كاسة الشاي"، في إشارة تمويهية لطلب الرشوة قبل إسداء خدمة ما أو بعدها. ويقول حسين مصور من سوريا، ضاحكاً: "بعض طلبات الرشوة تعتمد على عبارات ساذجة، يقول أحدهم أحياناً لآخر بعد إسداء خدمة ما "بقديش كاسة الشاي"، فيذكر له مبلغاً من شأنه أن يشتري محلاً للشاي بأكمله وليس كاسة شاي واحدة"، ويضيف حسين متهكماً: "يا أخي قول عبارة منطقية ع الأقل".

غير بعيد عن معجم القهوة والمشروبات، يطلب عراقيون الرشوة أو "الهدية" كما يسمونها هناك فيقولون "هذا ريوك إلك"، وعادة ما تكون مبلغاً صغيراً من المال مقابل خدمة ما.

"بعض طلبات الرشوة في سوريا تعتمد على عبارات ساذجة، يقول أحدهم "بقديش كاسة الشاي"، فيذكر له مبلغاً من شأنه أن يشتري محلاً للشاي بأكمله وليس كاسة شاي واحدة"

يقول قاسم (44 عاماً)، منتج تلفزيوني من العراق: "تنضوي الرشوة عندنا تحت مسمى "الهدية" أو "الإكرامية" أو "الريوك" وتختلف التسمية حسب المبلغ المدفوع، وحسب نوع الخدمة".

كذلك في الجزائر والمغرب يُرمز لطلب الرشوة بـ"حق قهوة" أي سعر قهوة كعبارة رمزية، تعني أسدِ لي خدمة ما بمقابل مادي، وتستخدم في الإدارات وفي المقاهي وفي المعاملات التجارية والمالية والدراسية.


ويطلق يمنيون على الرشوة "حق ابن هادي"، بحسب عبدالقادر (35 عاماً) يسكن في صنعاء، ولها قصة طريفة، فقد شاعت الكلمة عندما ذكرها الشاعر البردوني في قصيدة التي ألقاها في إحدى أمسياته الشعرية، بعنوان "إلا أنا وبلادي"، إذ ذكر فيها كلمة "حق ابن هادي" ولما سُئل عنها ضحك، وقال إن وفداً إنجليزياً أراد المرور من الحديدة إلى صنعاء للقاء الإمام (الحاكم)، فرفض هادي شيخ القبيلة ذلك، ولم يقبل رشوة، فدلهم أحدهم على ابنه الذي قبل الرشوة، وسمح لهم بالمرور، وهكذا سميت الرشوة باسم "حق ابن هادي" الذي تم تجاوزه بسهولة.

"ظاهرة الرشوة لها رفض اجتماعي".

يرجع سامي نصر المختص في علم النفس الاجتماعي هذا الثراء اللغوي، وتعدد المصطلحات الخاصة بالرشوة إلى كونها ظاهرة "مخفية"، وهي مرفوضة اجتماعياً، ودينياً، وقانونياً، يقول نصر لرصيف22: "ظاهرة الرشوة لها رفض اجتماعي، وكما يقول دوركهايم "الاشمئزاز والاستنكار الاجتماعي له فاعلية أكثر من فاعلية الردع القانوني"، وبالتالي يستخدم الناس عبارات خاصة، خوفاً من رفض المجتمع والاشمئزاز الاجتماعي من الظاهرة، التي لم يقع "التطبيع" معها اجتماعياً، فيحاولون كسر استنكارها بتلك العبارات، كأن يطلب رشوة في شكل طلب قهوة أو شاي مثلاً، لأن المرء يعلم أنها ظاهرة مرفوضة".

ويضيف: "المصطلحات المعتمدة والثراء اللغوي الذي يتعلق بسلوك الرشوة، تسمى في علم النفس الاجتماعي وسائل دفاعية غير متفق عليها، حسب الشخص، وحسب المجتمع لتجنب التوبيخ الذي تعود إليه درجة التأثير النفسي على الراشي أو المرتشي، الذي ينتابه شعور بالندم والذنب، تخفف من حدته تلك المصطلحات كـ"الهدية" و"الإكرامية" و"حق قهوة" وغيرها".

ويلفت نصر إلى الجانب الإيجابي في استخدام بدائل لفظية لـ"الرشوة": "ما دامت درجة الاستنكار الاجتماعي لها قوية، فالمجتمع سليم، ويجب على الجهات المختصة أن تعمل على المحافظة على هذا الرفض الاجتماعي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard