انفجر الفساد في وجوهنا وقتلنا

الأربعاء 5 أغسطس 202010:21 ص

الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت والذي وثّقت فيديوهات كثيرة امتداد عصفه كالوحش، مدمّراً أبنية العاصمة اللبنانية، لم يكن نتيجة لتفاعل كيميائي ما. الأسباب المادية المباشرة تعني الكيميائيين وخبراء المتفجرات. هو نتيجة للفساد الذي نخر عظام الدولة اللبنانية. تضخّم هذا الفساد وتضخّم ثم انفجر في وجوهنا.

العشرات الذين فارقوا الحياة والآلاف الذين أصيبوا وعشرات الآلاف الذين ناموا في بيوت لحق بها الدمار ليسوا ضحية صدفة ما. هم ضحايا منظومة فاسدة ورعناء وأنانية تعيش على تعريض حياتنا بشكل مستمر للخطر لتستمر هي.

هذه المرّة كان موتنا مدوّياً. كان له صوت ملعلع وصلت أصداؤه إلى العالم. ولكننا نموت منذ وقت طويل ببطء و"على السكت". يقتلنا الهواء الملوّث بدخان مصانع تدرّ ملايين الدولارات على نافذين وبروائح مكبّات النفايات التي تبث رائحة عفن السلطة. تقتلنا المياه الملوّثة بالبراز لأن إيصال مياه الشفة النظيفة إلى الناس تجارة غير مربحة ولم تُحسَب من البنى التحتية التي أهدرت عليها عشرات مليارات الدولارات. تقتلنا الأطعمة التي تفسد في ثلاجات بيوتنا بسبب انقطاع التيار الكهربائي ونأكلها لأننا لا نمتلك رفاهية رميها.

أسباب موتنا كثيرة وكلها تجد جذرها في انتهاء مدّة صلاحية المنظومة اللبنانية. المنظومة التي تسمح بترك 2750 طناً من نترات الأمونيوم لمدة ست سنوات في قلب المكان الذي يشكّل عصب لبنان التجاري، ومنه تمرّ نحو 70% من البضائع التي تدخل إلى لبنان، وحوله أحياء سكنية والوسط التجاري الذي يُعدّ رمزاً لإعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية، هي منظومة لا يصلح في وصفها إلا الشتائم.

ما حصل في بيروت يشبه كارثة تشرنوبيل. تفاعلت طبقات وطبقات من تغطية الفساد وانعدام الكفاءة وانفجرت في وجه الناس

ما حصل في بيروت يشبه كارثة تشرنوبيل. تفاعلت طبقات وطبقات من تغطية الفساد وانعدام الكفاءة وانفجرت في وجه الناس.

وإذا كان آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشيف قد اعتبر في مقال كتبه عام 2006 أن الكارثة النووية التي وقعت عام 1986 "ربما كانت السبب الرئيسي لانهيار الاتحاد السوفياتي"، فإن كارثة بيروت ستُذكر في كتب التاريخ كأحد الأسباب الرئيسية لانهيار النظام اللبناني.

طبعاً، ما قاله غورباتشيف فيه تبسيط. لا تشرنوبيل وحدها أدت إلى تفكك الاتحاد السوفياتي ولا سياسة البيريسترويكا التي انتهجها. ما قضى عليه هو أنه دخل ثمانينيات القرن الماضي باقتصاد "غير قابل للإصلاح"، كما كتب إريك هوبسباوم، لأن كل فرص الإصلاح التي لاحت من قبل "خربّتها المصالح الذاتية للنومنكلاتورا Nomenklatura التي كانت راسخة بقوة وخارجة عن السيطرة".

هذه المرّة كان موتنا مدوّياً. كان له صوت ملعلع وصلت أصداؤه إلى العالم. ولكننا نموت منذ وقت طويل ببطء و"على السكت"

وفي لبنان الأمر كذلك. كل فرص الإصلاح السابقة خرّبتها النومنكلاتورا اللبنانية. وإذا كانت النومنكلاتورا السوفياتية تتشكّل من مسؤولين وموظفين يصطفيهم الحزب الشيوعي لإدارة كل مفاصل البلاد على أساس المحسوبيات، فإن نظيرتها اللبنانية أسوأ منها بكثير فهي أكثر رثاثة ولا تحمل أي مشروع وتصطفي "مخرّبيها" الأحزاب السياسية الطائفية التي تعتاش كالطفيليات على خيرات البلاد، فتمتص دم الناس وأرواحهم لتحيا هي.

انفجار بيروت ليس صدفة أبداً. كل مَن ساهم في اهتراء مؤسسات الدولة مسؤول، من الحكومات السابقة إلى الحكومة الحالية، مروراً بكل الأحزاب التي شاركت في التعيينات الإدارية وبكل الأشخاص والجهات التي حمت الفساد في مرفأ بيروت لتُبقي عليه ممراً تنتفع منه على حساب المواطنين.

علينا معرفة تفاصيل ما جرى بدقة هذه المرة، مهما كلفنا الأمر. علينا تحديد أسماء كل مَن شاركوا ولو بنسبة ضئيلة في التسبب بهذه الكارثة وأسماء كل مَن كان ضمن مهماتهم الحؤول دون وقوعها وأسماء كل مَن كانوا يعرفون بوجود مخزون الموت في المرفأ ولم يحرّكوا ساكناً.

هذه السلطة بُنيت على أكاذيب وستنهار تحت صفعات الحقائق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard